برزت إسبانيا أمس كأكبر عائق أمام الجهود التي تبذلها منطقة اليورو للخروج من أزمتها المالية الحادة. وقال خبراء إنه لا تزال هناك مخاطر على الطريق نحو إصلاح هيكل اليورو المليء بالثغرات ومازالت أوروبا تواجه تحديات كبيرة فهي لم تتوصل بعد لاستراتيجية لإنعاش النمو الاقتصادي تمكن الدول المثقلة بالديون من تخفيف أعباء الدين وتوفير فرص العمل للعاطلين.

وتتعرض مدريد لضغط لتطلب برنامج مساعدة محدوداً بما يتيح لصندوق الإنقاذ شراء السندات الاسبانية عند صدورها وللبنك المركزي الأوروبي التدخل لخفض تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل مع استمرار اسبانيا في أسواق رأس المال.

بارقة أمل

لكن أوروبا أزالت خلال الساعات الماضية مزيداً من العقبات على طريق احتواء أزمة الديون السيادية وتحقيق الاستقرار بمنطقة اليورو بعدما وافقت المحكمة الدستورية الألمانية على صندوق إنقاذ دائم وصوت الهولنديون لصالح أحزاب مؤيدة للوحدة الأوروبية.

وبالإضافة إلى قرار البنك المركزي الأوروبي شراء السندات قصيرة الأجل للدول التي تطلب مساعدة وتلتزم بشروطها الصارمة ومقترحات أوروبية بتوحيد الرقابة على القطاع المصرفي بمنطقة اليورو فإن الحكم الألماني يمهد الطريق لجهد منسق لوضع حد للأزمة.

صعوبات كبيرة

ومن بين الدول التي حصلت على مساعدات انقاذ تتلمس ايرلندا طريق عودتها إلى أسواق رأس المال وتطبق البرتغال بقوة برنامج تقشف صارما وحصلت لتوها على عام إضافي لتحقيق اهدافها المالية.

وأظهر حماس السوق بعد الحكم الألماني وصعود السندات الاسبانية والايطالية والأسهم وتسجيل اليورو أعلى مستوياته في أربعة أشهر أن كثيرا من المستثمرين يعتقدون أن منطقة اليورو بدأت أخيرا السيطرة على الأزمة.

أسباب تكتيكية

وأخذ رئيس الوزراء الاسباني ماريانو راخوي خطوة مهمة حينما قال إنه يدرس طلب مساعدة من المركزي الأوروبي وأنه لن يعترض على تدخل صندوق النقد الدولي في الرقابة على المالية العامة لمدريد.

وسواء لأسباب تكتيكية أم لاعتبارات الكبرياء الوطني أو خوفا من العواقب السياسية فهو يؤخر تقديم مثل هذا الطلب ربما على أمل أن يتجاوز الانتخابات الإقليمية في 21 أكتوبر وعقبة تمويلية في أواخر أكتوبر من دون مساعدة خارجية. ويقاوم راخوي ضغط ألمانيا لوضع شروط اضافية متعلقة بالسياسة المالية لأي برنامج مساعدة رافضاً فكرة خفض معاشات التقاعد وهي عقبة رئيسية أمام المالية العامة الاسبانية.

استبعاد الانهيار

ولم يعد من المتوقع انهيار منطقة اليورو قريباً بعدما أعلن المركزي الأوروبي أنه سيشتري سندات الحكومات المتعثرة شريطة أن تحافظ على الانضباط المالي وتنفذ اصلاحات اقتصادية. وقال نورييل روبيني الخبير الاقتصادي في جامعة نيويورك إن البنك المركزي الأوروبي يتيح الوقت للساسة لإصلاح عيوب تصميم اليورو.

السياسة التقليدية

ومعظم المتشائمين الآن هم من حماة السياسة التقليدية للبنك المركزي الألماني الذين يخشون ان تؤدي استراتيجية الانقاذ إلى مخاطر اخلاقية وتسيب في السياسة المالية وارتفاع التضخم وانهيار اليورو في نهاية المطاف وليسوا من منتقدي العملة الموحدة الانجلوساكسونيين.

وقال يورج كريمر كبير الاقتصاديين في كومرتس بنك: سيكون لدينا اتحاد في الالتزامات وهو ما سيغير شخصية الاتحاد النقدي ليصبح وحدة نقدية على النظام الايطالي. سيكون هناك نقاط تشابه بينه وبين ايطاليا السبعينيات والثمانينيات. وهذا تصريح يعكس وجهة نظر الكثيرين في المؤسسة المالية الألمانية المتحفظة.

ووقف البنك المركزي الألماني وحيدا في معارضة قرار المركزي الأوروبي بشراء السندات ورددت وسائل الاعلام الالمانية انتقاداته على نطاق واسع. لكن أحد دروس الأسبوع الماضي هو أن أصحاب الانتقادات الحادة فشلوا في التأثير سواء على المستشارة الألمانية انجيلا ميركل التي ايدت المركزي الأوروبي بقوة أو قضاة المحكمة الدستورية وهم أعلى جهة رقابية في ألمانيا.

دعم واسع

ويتزايد التأييد فيما يبدو للوحدة الأوروبية داخل المؤسسة السياسية في برلين بالرغم من تحذيرات شديدة من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي بولاية بافاريا حليف ميركل الذي يخشى من رد فعل الناخبين في الانتخابات المقبلة بالولاية.

ويدعم حزبا المعارضة الديمقراطي الاشتراكي والخضر توثيق الاتحاد المالي والاقتصادي الأوروبي بما في ذلك اصدار سندات مشتركة لمنطقة اليورو في نهاية المطاف وهو ما يتيح لميركل شريكا بديلا محتملا في الائتلاف بعد الانتخابات العامة بألمانيا العام المقبل.

وربما شجع ذلك رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو المتحفظ عادة على الدعوة في خطاب له إلى قاعدة سيادية أوسع نطاقا للانتقال إلى اتحاد ديمقراطي للدول. إلا أن فكرة التكامل السياسي لا تحظى بتأييد شعبي في كثير من الدول مثل فرنسا وهولندا التي صوتت بالرفض في استفتاءات على دستور أوروبي في 2005.

إخفاق متوقع

ويخشى الاقتصاديون أيضا أن تخفق فرنسا ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا والمساهم المهم في صندوق الانقاذ في خفض الانفاق العام أو بدء اصلاحات اقتصادية هيكلية بدأت بالفعل في دول أخرى بمنطقة اليورو.

وفي الوقت الحالي مازالت باريس ملاذاً آمناً نسبياً بتكاليف اقتراض قياسية منخفضة حتى رغم ارتفاع الدين العام إلى 90 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي. لكن المعنويات بالسوق يمكن ان تتغير سريعا كما حدث مع اسبانيا وايطاليا.

ويخيم الغموض على مستقبل ايطاليا. وتنتهي فترة رئيس الوزراء ماريو مونتي في ابريل المقبل وقد تسفر الانتخابات العامة عن ازمة سياسية أو حكومة ضعيفة غير قادرة أو غير راغبة في الاستمرار في مسيرته الاصلاحية.

ومن غير الواضح أيضا إن كان دعم المركزي الأوروبي لاسبانيا بافتراض انها ستطلب المساعدة سيكفي لابقاء تكاليف اقتراض ايطاليا تحت السيطرة دون أن تضطر روما لطلب برنامج مساعدة خاص بها.

وقال هولجر شميدنج كبير الاقتصاديين في برنبرج بنك: ازمة اليورو لم تنته بعد. إنها تأتي على موجات. مازال امامنا مخاطر كبيرة. وأضاف: لكن الحكومة والمحكمة الألمانيتين والبنك المركزي الأوروبي استطاعوا على مدى الاسابيع الستة الماضية أن يجعلوا من المتوقع أكثر من ذي قبل أن تأتي الموجات القادمة أقل حدة من سابقاتها.

نتائج إيجابية

 

قال ماريو دراجي رئيس البنك المركزي الأوروبي لصحيفة سود دويتشه تسايتونج الألمانية إن أوروبا بدأت بالفعل تلحظ إحراز "نتائج إيجابية" من إعلان البنك المركزي الأوروبي استعداده لشراء كميات غير محددة من السندات التي تصدرها دول منطقة اليورو.

لكنه أقر بأنه مازال أمامه جهد يتعين عليه بذله لإقناع البعض في ألمانيا وانه قد يخاطب المشرعين هناك. وأوضح دراجي: تحققت بالفعل نتائج إيجابية حيث أسهم إعلان التسهيل في زيادة الثقة في منطقة اليورو وفي اليورو في مختلف أرجاء أوروبا.

وأضاف ان مديرو الصناديق يعيدون أموالهم إلى أوروبا مرة أخرى. ورأى دراجي أن هذا أمر جيد لاقتصاد منطقة اليورو. غير أن دراجي قال إن الاستجابة لهذه الخطة كانت سلبية في أجزاء من ألمانيا وكذلك في أجزاء من جنوب أوروبا بسبب الشروط الصارمة.

ويخشى البعض في ألمانيا من أن يعرض ذلك دافعي الضرائب لديون خطرة بالمليارات، ويقول دراجي إن المعارضة تنجم أساساً عن خوف البلاد من التضخم. وكان التضخم الذي خرج عن نطاق السيطرة في عشرينات القرن الماضي قد بدد مدخرات المواطنين وأسهم في صعود النازي.