انتقد تقرير لبنك الجزائر المركزي عجز الحكومة عن مراقبة الأسعار في مختلف مراحل العمليات الاقتصادية والتجارية وحملها مسؤولية الارتفاع غير المسبوق لمعدل التضخم الذي تشهده الجزائر منذ بداية العام الجاري، مشيرا إلى أن الظاهرة قد تعرف استمرارا على المدى المتوسط بسبب ما وصفه ـ التقريرـ بشراهة الإنفاق الحكومي القائمة منذ 2002.
ارتفاع متواصل
وحذر محمد لقصاسي، محافظ بنك الجزائر، من الارتفاع المتواصل لمعدل التضخم خلال السداسي الأول من العام الجاري، مشيرا إلى أن الظاهرة مرشحة للاستمرار في حال لم يتم إسراع الحكومة الجزائرية من خلال جميع الأجهزة التي تملكها في فرض مراقبة مشددة على تركيبة الأسعار عند الإنتاج والتوزيع.
وألقى محافظ البنك المركزي باللائمة في الارتفاع المستمر لمعدل التضخم على الحكومة، وقال إن البنك المركزي اتخذ سلسلة من الإجراءات المشددة منذ 2011 للحد من تفاقم التضخم على غرار رفع معدل الاحتياطي الإجباري للبنوك من 9% إلى 11% للحد من إشكالية السيولة الفائضة على مستوى البنوك التجارية، غير أن الإجراء كان محدود النتائج بسبب الفوضى شبه التامة التي تعيشها السوق الجزائرية في مجال الضبط.
وقال محافظ بنك الجزائر خلال مؤتمر بمقر البنك بالجزائر العاصمة، قدم فيه الاتجاهات النقدية والمالية للجزائر خلال السداسي الأول من العام الجاري وحضرته "البيان"، إن معدل التضخم الذي شهد شبه استقرار سنة 2011 عرف تسارعا حادا بداية من يناير الماضي، ليقفز إلى 7.29% شهر يونيو الأخير، وهو الاتجاه الذي يؤكد أن التضخم أصبح ظاهرة مستمرة بسبب صدمة الأسعار الداخلية هذه المرة وليس ظاهرة مستوردة كما كان عليه الحال في الأعوام السابقة.
تحرير الاقتصاد
وأوضح محافظ بنك الجزائر في حديثه لرؤساء البنوك الحكومية والخاصة العاملة في الجزائر وخبراء البنك المركزي، أن تحرير اقتصاد دولة من الدول، لا يعني بأي حال فوضى الأسعار عند الاستيراد أو الإنتاج أو التوزيع، بل يعني المزيد من الشفافية في تحديد تركيبة السعر والهوامش من جميع المتعاملين والمتدخلين خلال كل مراحل العملية الاقتصادية، مشيرا إلى أن حالة فوضى الأسعار التي تعيشها الجزائر منذ أزيد من 20 سنة أصبحت ظاهرة تشكل مخاطر تهدد الأمن الوطني لأنها أتت على كل محاولات تعزيز القدرة الشرائية لفئات واسعة من المجتمع.
زيادة الأجور
وانتقد خبراء مستقلون لجوء الحكومة بطريقة آلية الى زيادة أجور العاملين في القطاع الحكومي بأثر رجعي منذ 2008 نتج عنه مخلفات أجور كبيرة، مؤكدين أن الحكومة أخطأت العنوان والتوقيت، في إشارة الى ضرورة تعزيز الإنتاج الوطني والعمل على زيادة الشفافية في العملية الاقتصادية ومحاربة الاقتصاد الموازي ووضع معايير لضمان تركيبة أسعار شفافة، وليس اللجوء الى الحل الأسهل المتمثل في ضخ ملايين الدولارات مباشرة في السوق في شكل زيادات في الأجور، ساهمت بشكل مباشر في تغذية التضخم الذي تضاعف تقريبا في أقل من 18 شهرا، مستهلا أي اثر ايجابي لزيادة الأجور.
عجز الميزانية
وسبب استمرار وتيرة الإنفاق الحكومي في ارتفاع عجز الموازنة إلى 16.70 مليار دولار خلال السداسي الأول من العام الجاري، وعادة ما يتم تغطية هذا العجز عند إقفال الموازنة باللجوء الى اقتطاعات مباشرة من صندوق ضبط موارد الميزانية الذي استحدث سنة 2001 لاحتواء الفارق بين مداخيل صادرات البلاد من المحروقات ونفقات الموازنة خلال سنة مالية معينة، ويتوفر صندوق ضبط الموارد عند نهاية يونيو الماضي على 75.5 مليار دولار.
قدرات هائلة
بلغ إجمالي جاري القروض للاقتصاد خلال السداسي الأول 51.4 مليار دولار، منها 27.2 مليار دولار للقطاع الخاص، مقابل 24.26 للقطاع الحكومي، وهو ما يوضح هيمنة القطاع الخاص على النشاط الاقتصادي، وكشف محافظ البنك المركزي أن 65.2 % من التمويلات هي في الغالب قروض متوسطة وطويلة الأجل، في مقابل 34.8 % قروض قصيرة. وطالب المحافظ رؤساء البنوك التجارية ببذل المزيد من الجهد لتوظيف السيولة الهائلة التي تتوفر عليها البنوك الجزائرية في مشروعات ناجعة وعدم الاكتفاء بالمردود البسيط جدا الذي تحصل عليه هذه البنوك من البنك المركزي.