وصف توماس هلبلنج رئيس دائرة الأبحاث في صندوق النقد الدولي الارتفاع الحالي في أسعار الغذاء بأنه صدمة كلاسيكية في مجال الإمدادات. ونصحت مؤسسات عالمية دول العالم بالتأهب لزيادة محتملة في تكلفة فواتير الغذاء في الأشهر المقبلة لكن حتى الآن لا يرى صندوق النقد والبنك الدولي مؤشرات تذكر على إمكانية تفجر أزمة في أسعار الغذاء على نطاق واسع كما حدث في 2007-2008.
موجة جفاف
وأدت أسوأ موجة جفاف تتعرض لها الولايات المتحدة في نصف قرن وتراجع المحاصيل من سلة غذاء البحر الأسود إلى ارتفاع أسعار الذرة والقمح وفول الصويا. ولم يتأثر سعر الأرز وهو الغذاء الرئيسي في آسيا وأجزاء من أفريقيا حتى الآن.
ويقول يورجن فويجل مدير قسم الزراعة والتنمية الريفية في البنك الدولي: نحن لا نقول إننا نتوقع أزمة كبيرة في هذه المرحلة. ويضيف: العالم لديه غذاء كاف لكن بالطبع نحن لا نستطيع التنبؤ بالطقس وإذا حدث شيء استثنائي فقد نجد أنفسنا في موقف صعب من جديد.
تكلفة أعلى
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن تكلفة الغذاء الإجمالية أصبحت أعلى الآن لكنها لم تصل للمستويات القياسية لعامي 2007 و2008 التي زجت بالملايين إلى هاوية الفقر بعد ارتفاع أسعار الغذاء بشكل عام بالتوازي مع ارتفاع حاد في أسعار النفط.
لكن آثار الأزمة المزدوجة في عام 2008 تبددت مع بلوغ الأزمة المالية العالمية ذروتها وتباطؤ الطلب. وقال فويجل: نوصي بأن تتأهب البلدان مبكرا جداً ما دامت مخزوناتنا من الغذاء شديدة الانخفاض فلن ينتهي تقلب الأسعار بسهولة.
تباطؤ اقتصادي
ويتزامن الارتفاع الأخير في أسعار الحبوب مع تباطؤ الاقتصاد العالمي وأزمة منطقة اليورو وارتفاع معدلات البطالة في أنحاء العالم تقريبا. ويتمثل الخطر على البلاد الفقيرة في أن قوتها المالية تآكلت بسبب الأزمة المالية العالمية، وبالتالي فإن قدرتها على التعامل مع فواتير أكبر لواردات الغذاء ستكون محدودة.
مؤشر الفاو
وارتفع مؤشر الغذاء التابع لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) بنسبة ستة في المئة في يوليو ليصل إلى أعلى من معدلاته خلال 2008 وحذرت المنظمة من فرض حظر على تصدير المحاصيل الغذائية وفرض رسوم جمركية والتهافت على شراء الأغذية بشكل مفرط وهي العوامل التي فاقمت ارتفاع الأسعار قبل أربعة أعوام.
ويرى أندرو برنز أحد كبار الاقتصاديين في البنك الدولي أنه رغم أن ارتفاع أسعار الغذاء قد لا يسهم في تفاقم تباطؤ الاقتصاد العالمي فإنه مصدر قلق اضافي للمستهلكين. ويضيف: هذا مصدر آخر لعدم الأمان.
إنه مصدر آخر للقلق بالنسبة للناس. ويوضح: إذا تم تعريف الوضع بصورة أكثر دقة وإن كانت أسعار النفط ستبدأ في الارتفاع مجددا.. قد يؤدي هذا إلى نوع من الانسحاب من النشاط الذي لاحظناه في السابق بما يؤثر بشكل كبير على النشاط العالمي.
صدمة كلاسيكية
وقال هلبلنج: إذا كانت هذه صدمة إمدادات كلاسيكية فعلاً فسوف ترتفع الأسعار وإذا جاءت محاصيل المواسم المقبلة أقرب إلى المعدلات الطبيعية فستهبط الأسعار. وأضاف: لكن لا يزال هناك تراجع مؤقت في الدخل الحقيقي لا سيما في الاقتصادات الناشئة والنامية. وسيصل تأثير ارتفاع أسعار الغذاء العالمية على أسعار الغذاء المحلية حتى وإن كان بشكل عابر ومحدود.
جانب إيجابي
وفي الجانب الإيجابي تعد المخاوف من الضغوط التضخمية أقل مما كانت عليه عامي 2007 و2008. وقد تراجعت أسعار النفط العالمية عن مستوياتها المرتفعة. واعتبر هلبلنج أن حركة أسعار صرف العملات الأجنبية تعلب دوراً أيضاً، فتراجع الدولار الأميركي مقابل كثير من العملات خفف أثر الزيادة في أسعار الغذاء بالدولار في هذا التوقيت. وفي عدد من البلاد النامية تكون أسعار المواد الغذائية المحلية أقل عادة من الغذاء العالمي ويستطيع المستهلك الاعتماد على الغذاء المحلي.
ويقول هلبلنج: ثمة مخاوف أقل الآن من التضخم العميق في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الحالية. ويضيف: لذلك فإن كان الوضع الحالي هو صدمة إمدادات كلاسيكية فسوف تظهر في التضخم الكلي إلى حد ما لكن من غير المرجح أن تنعكس على التضخم الأساسي.
العالم يستعد
ويشير فويجل إلى أن العالم بات أكثر استعداداً لارتفاع أسعار الغذاء اليوم بفضل الدروس المستفادة من أزمة 2007 و2008 والتي أدت إلى التوسع في الاستثمارات الزراعية وأبرزت الحاجة لمزيد من الشفافية في بيانات الزراعة حتى تتمكن البلاد من التنبؤ بصدمات الأسعار ومواجهتها بشكل أفضل. وستبت مجموعة العشرين هذا الأسبوع في إمكانية عقد اجتماع طاريء لمنتدى الرد السريع التابع لها والذي تأسس العام الماضي تحت رئاسة فرنسا للمجموعة للتعامل مع ظروف السوق غير العادية.
وقال فويجل إن الإجابة تتمثل في أن يسعى المزارعون إلى تحسين محاصيلهم وتسعى الحكومات إلى تطوير نظام شبكات الأمان الاجتماعي التي تحمى الفئات الأشد فقرا من الجوع وسوء التغذية حين ترتفع أسعار الغذاء فجأة.
تحسين الإنتاج
ومنذ 2008 بذلت دول العالم جهودا لتحسين الإنتاجية وزادت الاستثمارات الزراعية. وعزز البنك الدولي استثماره في الزراعة إلى 9.5 مليارات دولار سنويا من 2.5 مليار في عام 2008. ومع زيادة تقلب أسعار الغذاء يصعب على المزارعين تخطيط وتسعير محاصيلهم بشكل مناسب.
ويقول مارك سادلر وهو قائد فريق في وحدة التمويل الزراعي وإدارة المخاطر بالبنك الدولي إن مشكلة تقلب الأسعار ستلاحق العالم حتى يصبح بوسعه انتاج مزيد من الغذاء وزيادة حجم المخزون. ويضيف: منظومة الغذاء تتعرض لصدمات أكبر وأكبر لأننا ليس لدينا الملاذ الفعال الذي كنا ننعم به حين كانت لدينا مخزونات كبيرة.
إنقاذ المحاصيل
توقع خبير في الأرصاد الجوية الزراعية أن تشهد منطقة حزام المحاصيل في الغرب الأوسط الأميركي طقسا جيدا في الأسبوع أو الأسبوعين القادمين، حيث لن تحدث تأخيرات كبيرة للحصاد المبكر لكن الأمطار لن تكون كافية لإنقاذ محاصيل الذرة وفول الصويا من أسوأ موجة جفاف في نصف قرن.
وقال جون دي خبير الأرصاد لدى جلوبال ويذر مونيتورينج إن من المتوقع أن تهطل أمطار خفيفة بمعدل 1.3 سنتيمتر أو أقل يومي الخميس والجمعة المقبلين في شمال غرب منطقة الغرب الأوسط الأميركي.
وقالت كوموديتي ويذر جروب إنه من المتوقع أن تهطل الأمطار في وسط وجنوب غرب المنطقة يومي الأحد والإثنين لكن تأخرها إلى هذا الوقت لن يساعد على حدوث تحسن ملحوظ في محاصيل الذرة أو فول الصويا.
وأدى أسوأ جفاف فيما يزيد على 50 عاما في ولايات الغرب الأوسط إلى خفض توقعات المحاصيل وانخفاض إمدادات المياه للماشية إلى مستويات حرجة وإعاقة الحركة في نهر المسيسبي المسار الملاحي الرئيسي في الولايات المتحدة.
وقال دي: سنظل نعاني من مستويات مياه منخفضة في موسم الشحن البحري حتى يحدث تحول كبير في الطقس. وقالت وزارة الزراعة الأميركية إنه تم حصاد أربعة في المئة من محصول الذرة الأميركي بالفعل، وهي أسرع بداية للحصاد بسبب رمي البذور مبكرا والصيف الحار الذي ساهم في نضج المحصول سريعا.
