دعا وزير الخزانة البريطاني السابق اليستير دارلنغ خليفته الحالي جورج اوزبورن إلى ضرورة تغيير مسار الاقتصاد الآن، والا سيتسبب في حدوث "اضرار لا حصر لها". بينما تشير أحدث التقديرات إلى أن الاقتصاد البريطاني لايزال في حالة ركود.

فقد انخفض ناتج الدخل القومي بمقدار 0.7% في الفترة ما بين أبريل ، ويونيه. وهو ربع السنة الثالث على التوالي الذي ينكمش فيه الاقتصاد البريطاني، مما يجعل البلاد تدخل فيما يسمى بالركود المضاعف، وهو مرحلة ركود تتبعها فترة انتعاش قصيرة، ثم ركود آخر، وهذا هو أطول ركود تشهده بريطانيا خلال خمسين عاما.

وقال دارلنغ، عضو البرلمان الحالي عن حزب العمال المعارض، في كتاب مفتوح نشرته صحيفة "سانداي بيبول" إن اوزبورن والبنك المركزي البريطاني "يئسا من أي خطة لتحقيق النمو".

واقترح وزير الخزانة السابق زيادة الانفاق على الإسكان والسكك الحديدية ومدرج ثالث للطائرات بمطار هيثرو.

وتقول الحكومة إن أكبر عجز شهدته المملكة المتحدة بعد الحرب كان خلال وجود دارلنغ على رأس وزارة الخزانة.

وأضافت بأنه أخفق في إدارة البنوك بفاعلية. لكن حزب العمال المعارض قال إن خطة الحكومة الاقتصادية فشلت، وقد أدى هذا إلى أضرار طويلة الأمد.

توقعات مخيبة للآمال

وكان جورج أوزبورن قال عقب إعلان بيانات الربع الثاني: إن الناتج الاقتصادي البريطاني في الربع الثاني جاء دون التوقعات مخيبة للآمال.

وأضاف الوزير أن بريطانيا تعاني من مشاكل اقتصادية عميقة الجذور تتطلب وقتا لحلها. وقال أوزبورن "نتعامل مع ديوننا في الداخل وأزمة الدين في الخارج. وأحرزنا تقدما في العامين الأخيرين في خفض الدين بنسبة 25%، ووفرت الشركات أكثر من 800 ألف فرصة عمل جديدة".

وتابع قائلا "ولكن في ضوء ما يحدث على مستوى العالم، نحتاج لتركيز مستمر على الاقتصاد، وما صدر من بيانات في الآونة الأخيرة بشأن البنية التحتية والإقراض يوضح أن هذا هو ما نفعله تحديدا".

إجراءات عاجلة

ويطالب الخطاب المفتوح لدارلنغ خليفته المحافظ جورج أوزبورن إلى "اتخاذ اجراء عاجل لتعزيز النمو".

وأضاف بأن "معظم المناطق في البلاد تعاني من نقص في المنازل، لذا باستطاعتنا إنفاق عشرات الآلاف الإضافية (من الجنيهات)".

وقال موجها حديثه لأوزبورن إن "سياساتك منذ عام 2010 لم تؤت ثمارها ببساطة، وتحتاج إلى خطة أخرى، ولتكن الخطة بـ(البديلة) أو كما تشاء أن تسميها".

لكنه حذرا قائلا إنه في حال "لم تفعل شيئا الان، فسيستغرق الأمر سنوات قبل أن نتعافى".

وشدد دارلنغ على أن انخفاض أسعار الفائدة يعني انه "حان وقت انطلاق بعض المشروعات التي تحتاج لانفاق كبير".

وأوضح أن هذه المشروعات تتضمن إحلال محطات الطاقة القديمة والاستثمار في السكك الحديدية إلى جانب مدرج الطائرات الثالث بمطار هيثرو.

وأضاف "يتعين عليك يا جورج بناء مزيد من المنازل- لقد ساعد ذلك في انتشال بريطانيا من الكساد في الثلاثينات" من القرن الماضي.

المزيد من الأموال

وقال دارلنغ: إن البنك المركزي البريطاني ينبغي عليه أن يوقف برنامجه للتخفيف الكمي ـ وهي عملية يجري بمقتضاها ضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد ـ حتى تتضح قدرة البنوك على توفير المزيد من النقد للشركات من خلال تعزيز الاقراض.

وتابع "هذه الاموال لا تجد طريقها ببساطة خارج خزائن البنوك، لذا ينبغي للبنك المركزي البريطاني استخدام نفوذه حتى يجعل تأخير إقراض الأموال من الأمور الأقل جاذبية بالنسبة للبنوك".

واختتم دارلنغ خطابه باقتباس نصيحة عن الخبير الاقتصادي ماينارد كينيس تقول "عندما تتغير الحقائق، يجب أن تتغير الأفكار".

وأضاف :"الحقائق تغيرت، يا جورج. لذا عليك ان تغير افكارك".

وقال دارلنغ إنه واثق "بأن حزب العمال حريص على التعاون معك بشأن قضايا الرعايا الاجتماعية والاصلاح الاجتماعي".

نمو صفري

ومع تعزز الركود، خفض بنك انجلترا (المركزي) البريطاني توقعاته لنمو الاقتصاد هذا العام الى ما يقارب الصفر بدلا من توقعات بنمو بنسبة 0.8% في مايو الماضي.

واشار تقرير التضخم ربع السنوي للبنك الى انعدام النمو في 2012، مقابل توقعاته قبل عام بنمو 2% هذا العام.

واثارت تلك البيانات تكهنات بخفض الفائدة الاساسية في بريطانيا (حاليا عند نسبة 0.5%) الا ان محافظ بنك انجلترا مرفين كنغ استبعد خفض الفائدة قريبا.

وقال كنغ ان الامال في الانتعاش الاقتصادي اخذت في الانهيار بشكل مضطرد. واضاف انه لا يمكن التنبؤ بالمستقبل لأنه لا يمكن توقع ماذا سيحدث في منطقة اليورو وسيكون له تأثير على بريطانيا.

وفيما يتعلق بسعر الفائدة قال كنغ: "ان (خفض) ربع نقطة مئوية لن يشكل فارقا بين التعافي او عدم التعافي".

وقال جورج اوزبورن ان صورة النمو الاقتصادي "محبطة" الا ان امام الحكومة فرصة لتوجه جهدها واهتمامها لتنشيط الاقتصاد.

الا ان مسؤولة وزارة الخزانة في حكومة الظل العمالية راتشيل ريف قالت ان سياسات الحكومة تضر بالاقتصاد على المدى الطويل.

تباطؤ حاد في البناء والإنشاءات

وقال مكتب الاحصاء الوطني ان الهبوط الاكبر من المتوقع جاء نتيجة تباطؤ حاد في قطاع البناء والانشاءات، وبعد انخفاض بنسبة 0.3% في الربع الاول من العام.

وتراجع الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.3% في الربع الأول من العام الجاري.

وتعتبر هذه النسبة أكبر مما كان متوقعا، فقد أشار تقييم أولي لمكتب الاحصاءات الوطني في بريطانيا الشهر الماضي الى أن نسبة الانكماش لن تتعدى 0.2%.

وتعني نسبة التراجع المشار اليها الى أن الاقتصاد البريطاني عاد الى حالة الركود، كما أن هناك مخاوف من أن يزداد تراجع النمو الى أكثر من ذلك في الربع الثاني من هذا العام. وحذر محافظ بنك انجلترا ميرفين كينغ من تناقص الإنتاج في بريطانيا في الفترة التي تعقب الاحتفالات باليوبيل الماسي بمناسبة مرور ستين عاما على تولي الملكة اليزابيت الثانية للعرش.

وتشير الأرقام الى تراجع قطاع البناء بنسبة 4.8 % مقارنة مع التوقعات التي كانت تشير الى ان التراجع في هذا القطاع لن تتعدى 3%.

أما في مجال الإنفاق الحكومي فوصلت نسبة الزيادة الى 1.6% وهي الأعلى منذ الربع الأول من عام 2008، وكان قطاعا الصحة والدفاع هما الأكثر انفاقا حسب تلك الأرقام.

وتشير الأرقام نفسها الى عدم حدوث تغير في قطاع الخدمات حيث بقيت نسبة نمو هذا القطاع على حالها وهي 0.1 %.

وكان عدد من المعلقين والتابعين للوضع الاقتصادي في بريطانيا عبروا عن تفاجئهم من الأرقام والتقديرات التي ظهرت الشهر الماضي. والبعض منهم يقول إن الأرقام المعلنة أخيرا قد لا تعكس حقيقة أداء الاقتصاد البريطاني. ويقول فيليب شاو من مكتب انفستك: "إن وضع قطاع الإنشاءات ـ وفق قراءتنا ـ لم يكن سلبيا بالقدر الذي يبدو عليه من خلال هذه الأرقام الرسمية.. ومع ذلك فالاقتصاد لا يتعافى بشكل صحيح، خاصة وأن الازمة الاوربية أصبحت تخيم على مثل هذه التوقعات."

الإنفاق الحكومي

وكان بنك انجلترا ضخ مبلغ 325 مليار جنيه استرليني لدعم قطاعات الإنتاج في اقتصاد المملكة المتحدة من خلال برنامج "التيسير الكمي" في محاولة لتحفيز النمو، الا أن البنك يقول انه ما زال منفتحا على فكرة ضخ المزيد من الأموال لتحقيق الأهداف ذاتها.

وقالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستان لاغارد في تصريحات: "إنه في حالة واصل الاقتصاد البريطاني تعثره ولم يحقق الانتعاش الكافي، فانه سيكون من الضروري ضخ المزيد من الأموال في القطاع الاقتصادي لتحفيز النمو وفقا لبرنامج "تخفيف الأعباء".

اضافت لاغارد أن البنك المركزي البريطاني قد يلجأ الى تخفيض نسبة القائدة الى أقل من النسبة القياسية الحالية وهي 0.5%.

ومن جهة أخرى دعمت مديرة صندوق النقد الدولي قرارات الحكومة البريطانية التقشفية الهادفة الى تخفيض نسبة العجز في الميزانية الحكومية.

الا أن عددا من المراقبين لوضع الاقتصاد في بريطانيا يقولون إن سياسة خفض الإنفاق التي تقودها الحكومة الائتلافية الحالية لعبت دورا كبيرا في عودة الاقتصاد البريطاني الى حالة الركود.

وقد ارتفعت دعوات في دول أوربية في الأشهر الماضية تنادي بتحفيز الاقتصاد بالتركيز على النمو بدلا من سياسة التقشف.

ويرى أصحاب ذلك الاتجاه أن النمو يمكن أن يساهم بشكل فعال في التعافي الاقتصادي وخفض مستوى الديون.

 

عودة تدريجية للنمو

 

توقع تقرير التقرير ربع السنوي لشركة ارنست اند يونغ حول الاقتصاد البريطاني ان يشهد الاقتصاد البريطاني نموا هذا الصيف بعد ركوده في النصف الاول من العام. واستند التقرير الى توقعات بانخفاض معدل التضخم وزيادة انفاق المستهلكين ما سيؤدي الى نمو الناتج المحلي الاجمالي. وتوقع ان تنخفض نسبة التضخم الى 1.7% بنهاية العام، لكن النمو الاقتصادي سيظل في حدود الصفر تقريبا. وقال التقرير إن الاقتصاد ربما ينمو بنسبة 1.6% العام المقبل وبنسبة 2.6% في 2014.

وقال كبير الاقتصاديين في "ايتم كلوب" بالشركة بيتر سبنسر: "ان التضخم الهائل ادى الى انخفاض الاجور الحقيقية بنسبة 7.5% في السنوات الاربع الماضية، لكن ذلك الضغط ينتهي الان. فالتضخم يتراجع مع قرار وزير الخزانة تأجيل الزيادة في رسوم الوقود وانخفاض اسعار الطاقة والسلع".

ونتيجة لذلك توقع تقرير ارنست اند يونغ زيادة الدخول عمليا بنسبة 0.4 % هذا العام و1.5% العام المقبل.

لكن مع بعض التحسن سيهتم البريطانيون بتسديد ديونهم اكثر من زيادة الانفاق الاستهلاكي، لذا تحتاج بريطانيا الى زيادة الصادرات لتحقيق نمو مستدام. ويتوقع ان تصل نسبة البطالة الى 8.6% بنهاية العام الجاري وتزيد الى 8.7% العام المقبل.