أظهر النفط الخام مقاومة هائلة في مواجهة بيانات غير داعمة على مدار الشهر الماضي بفضل تفاؤل المتعاملين بدعم البنوك المركزية للاقتصاد المتعثر عن طريق طبع مزيد من النقود.
وحتى التجار الذين يعترفون بأن المعنويات ربما دفعت الخام للصعود مؤقتا على نحو لا يتفق مع العوامل الأساسية في السوق يقولون إن عليهم مواصلة الشراء. وقد يكون الزخم عاملا مؤاتيا رغم كل شيء.
والأمر المهم بالطبع معرفة متى تتوقف عن ملاحقة الركب لأن التفكير فيما سيحدث حين تتغير المعنويات هو أمر مرعب.
وربما يأتي التحول إذا استمر ارتفاع الأسعار مما يقود لاحتدام المواجهة بين السوق والسعودية.
وبالفعل يسير الاثنان على مسار تصادمي ويتوقف المسار الذي سيسلكه النفط خلال الاشهر القليلة المقبلة على من سيجفل أولا.
وقبل أشهر قليلة مضت أعلنت السعودية على الملأ عزمها خفض أسعار النفط وفي بداية الامر تجاهلتها السوق.
ولوحظ تغير واضح في السياسة السعودية تجاه الدفع بكميات كبيرة من النفط إلى السوق في محاولة لرفع مستويات المخزون في الدول المستهلكة.
ومنذ ذلك الحين قال وزير البترول السعودي علي النعيمي إن سعر 100 دولار للبرميل سعر "رائع" للنفط. كانت تصريحاته عقب اجتماع وزراء أوبك في يونيو أكثر من كاشفة ووصف سعرا أقل بأنه "محفز" للاقتصاد العالمي وأبرز النعيمي توجها سعوديا جديدا واكثر فاعلية تجاه السوق. وتبدد تأثير تلك الكلمات على السوق. والمواجهة بين سوق النفط والسعودية هي مواجهة بين المعنويات والعوامل الاساسية في أكثر من جانب.
ومن المؤكد أن المعنويات في السوق تدفع للصعود مدعومة بتوقعات بتحرك بنوك مركزية ولكن العوامل الاساسية أقل دعما للسوق بيد أنه يجري تجاهلها الآن.
وبالنسبة للعوامل الأساسية يجري تسليط الاضواء على عقوبات غربية أكثر صرامة على إيران ومدى خفض إيران لصادراتها.
وحافظت السعودية على انتاج الخام عند مستوى يفوق عشرة ملايين برميل يوميا متحدية توقعات باحتمال خفض المملكة انتاجها بشكل تدريجي لتقلص امدادات النفط العالمية بما يتمشى مع الطلب.
وفي الوقت الحالي على الاقل ربما يكون تأثير نظام العقوبات الحالي قد بلغ ذروته.
ومن المتوقع أن تستقر صادرات النفط الايراني في يوليو عند نفس مستواها في يونيو ليتوقف التراجع وذلك بفضل مشتريات صينية قياسية. كما أشارت كوريا الجنوبية لاحتمال استئناف المشتريات من إيران قريبا في حين تعمل طهران على توفير التأمين لأنشطة الشحن متحاشية الاسواق المالية الغربية.
وفي الوقت الحالي يبدو مستبعدا أن ينتاب السعودية قلق مفرط. فقد ارتفعت الاسعار بروية من المستويات المتدنية في يونيو لتظل قريبة من مستوى 100 دولار الذي تريده المملكة.
ويمكن التذرع أيضا بان العديد من المشاكل قصيرة الاجل - مثل مشاكل الانتاج في بحر الشمال التي تقود لتقلبات في أسعار برنت - تجعل التحرك سابقا لأوانه. وبالفعل ثمة سبب قوي للاعتقاد بأن السعودية تأمل أن تستسلم السوق قبل ان تضطر للتحرك لكبح الأسعار.
ورغم كل شيء فليس من مصلحة الرياض أن تغرق السوق بكميات من النفط تدفع الاسعار للانهيار وسيكون الخروج من هذا المأزق مكلفا وينطوي على مخاطرة مع تأجج اضطرابات في الشرق الاوسط.
وحتى إن لم يحدث انهيار فان سياسة بناء مخزون في وقت لا يرغب فيه غيرك في ذلك لن تكون بلا ثمن. وعلى اقل تقدير تتحمل تكلفة التخزين سواء بالنسبة للعمليات أو تكلفة اهدار فرص بيع.
وحين ترتفع أسعار النفط أكثر في المستقبل عنها اليوم يمكن أن يكون تخزين النفط وتسليمه في وقت لاحق من العام مدرا للربح. ولكن الوضع السائد اليوم عكسي. فمن يخزنون الخام يخاطرون بخسارة أموال. ورغم ذلك فهذا ما فعلته السعودية تحديدا وملأت الصهاريج في أوروبا وآسيا.
كما أن تسعير النفط بسعر رخيص لحمل طرف ثالث على تخزينه يجيء على حساب ما سوف تحققه من مكاسب. من ثم ربما تكون استراتيجية السعودية في الوقت الراهن هي الترقب على أمل أن تنال عوامل أخرى من الزخم في السوق.