تتزايد التداعيات والمشكلات الهيكلية المتصلة بديون اليونان وإسبانيا الأمر الذي يهدد بنسف آمال التعافي الاقتصادي في أوروبا كلها. واستبعد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن تتمكن اليونان من سداد ديونها ورجحوا أن تحتاج إلى إعادة هيكلة أخرى لبعض الديون وهي تكلفة سيتعين ان يتحملها البنك المركزي الأوروبي وحكومات منطقة اليورو.

وفي الجانب الآخر تتعرض إسبانيا لضغوط من أسواق مع ارتفاع الفارق بين عائدي السندات الإسبانية والألمانية العشرية القياسية إلى 646 نقطة أساس. ويعد هذا المستوى هو الأعلى منذ طرح اليورو كعملة أوروبية مشتركة. وينظر إلى اليونان وأسبانيا على انهما تفاقمان من حالة السوق.

ولكن الدولتين تشكلان مجموعتين مختلفتين من المشكلات للكتلة. واثارت الدولتان، اللتان تطلان على البحر المتوسط وتعانيان من عجز شديد، مخاوف جديدة بين المستثمرين من ان يتردد صدى الأزمة فيهما وتدفعان كتلة العملة الموحدة إلى مستوى منخفض جديد.

وفي الجانب الآخر دخلت ألمانيا في معادلة الخوف بقوة حيث تراجع مؤشر ايفو لثقة الشركات الألمانية مجددا بالتزامن مع خفض وكالة التصنيف الائتمانية موديز النظرة الاقتصادية لست ولايات ألمانية إلى سلبية.

انحراف واضح

وقال مسؤولون إن مسؤولي الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي الذين يجرون تقييما بشأن اليونان التي جرى إنقاذها مرتين سيتوصلون إلى أنها لا تمضي على المسار الصحيح. وعاد مفتشون من المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي إلى اثينا وسيستكملون تحليلهم بشأن قدرة اليونان على تحمل التزامات الديون الشهر القادم لكن المصادر قالت إن النتائج اصبحت بالفعل واضحة.

ويعني ذلك أنه سيتعين على دائني اليونان من القطاع الرسمي وهم البنك المركزي الأوروبي وحكومات منطقة اليورو إعادة هيكلة بعض الديون الحكومية اليونانية المستحقة لهم والتي تقدر بنحو 200 مليار يورو حتى تعود اليونان إلى المسار السليم. لكن لا يوجد استعداد بين الدول الأعضاء أو البنك المركزي لاتخاذ مثل هذا الإجراء في هذه المرحلة.

تحليل القدرة

وقال أحد المسؤولين إن اليونان بعيدة تماما عن المسار السليم. وأضاف: سيكون تحليل القدرة على تحمل التزامات الديون مفزعا إلى حد كبير. وأشار مسؤول آخر إلى أحدث تقديرات للنمو من جانب أثينا والتي أظهرت أن الاقتصاد سينكمش سبعة في المئة هذا العام بدلا من خمسة في المئة في توقعات سابقة وهو ما يعني زيادة عبء الديون مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي.

وقال المسؤول إنه لم يحدث شيء في اليونان في الثلاثة أو الأربعة أشهر الماضية مشيرا إلى تأخيرات بسبب إجراء الانتخابات مرتين منذ مايو. وأضاف المسؤول وهو صانع سياسة مشارك بشكل مباشر في محاولة إيجاد حلول للأزمة: يتجه الأمر من سيئ إلى أسوأ ومعه معدل الدين.

شروط الإنقاذ

ونتيجة لعدم الوفاء بشروط الانقاذ قد يقرر صندوق النقد الانسحاب من برنامج الانقاذ الثاني بعدما قال بالفعل إنه لن يقبل مزيدا من الفشل في تحقيق الأهداف. ومن شأن هذا ان يترك العبء بأكمله على دول منطقة اليورو والبنك المركزي الأوروبي.

وفي هذه الحالة فإن السبيل الوحيد لمنع عجز اليونان عن السداد وإبقائها داخل منطقة اليورو هو أن تشطب دول المنطقة والبنك المركزي بعضا من ديون اليونان أو يغيروا الشروط لاتاحة مزيد من الوقت أمام اثينا للسداد بفائدة أقل.

صيف حار

وعادة ما يكون الصيف وقتا يميل فيه التجار الأوروبيون إلى اغتنام فرصة هدوء السوق وامتاع أنفسهم بالتوجه إلى الشواطئ المشمسة. ومع ذلك، فإن مجرد التفكير هذا العام في المكانين اللذين تقع فيهما أجمل تلك الشواطئ -- وهما أسبانيا واليونان -- قد يفسد الشهية للعطلة.

وتزايدت المخاوف مطلع الأسبوع عندما شهدت الأسواق المالية في الولايات المتحدة وأوروبا انخفاضا كبيرا في مؤشرات الأسهم وقيمة اليورو وارتفاع العائدات على سندات الديون السيادية. وبالنسبة لليونان، يكمن القلق الرئيسي فيما إذا كانت قادرة على ان تقدم للترويكا أسبابا كافية لجعلها في وضع يمكنها من تلقى المزيد من حزم الانقاذ .وكشفت تقارير إعلامية قبل الزيارة أن صندوق النقد الدولي لا يرغب في منح المزيد من القروض.

فيما ذكر فيليب روسلر وزير الاقتصاد الألماني علنا ان خروج اليونان من منطقة اليورو لا يبعث على الخوف. وربما تهدف هذه اللهجات التي تحمل نبرة تهديد إلى الضغط على اثينا للالتزام بتعهداتها السابقة، ولكنها تزيد أيضا من قلق الأسواق العالمية التى تتداول فيها أقاويل عن خروج وشيك محتمل من منطقة اليورو. ولم تتمكن اثنتان من حزم الانقاذ ، قيمتهما 240 مليار يورو أي نحو 290 مليار دولار وحصلت عليهما اليونان على مدار السنوات الثلاث الماضية، من تحرير البلاد من أهوال الديون.

فيما دفعت الانتخابات البرلمانية من ناحية أخرى اليونان بعيدا عن إلتزاماتها تجاه الترويكا واضعفت من ثقة المستثمرين. وقد يؤدى هذان العاملان إلى تقليص حجم المساعدات من المجموعة الأوروبية ، الأمر الذي قد يفضي إلى عجز اليونان عن سداد الديون وخروجها في النهاية من كتلة اليورو.

متاعب إسبانيا

ومقارنة مع المخاوف بشأن ديون اليونان، ظهر للتو جبل جليد آخر يتمثل في المتاعب الاقتصادية في اسبانيا. فبعد أن وافقت مجموعة اليورو على منح البنوك الاسبانية 100 مليار يورو أي 121 مليار دولار تخشى السوق حاليا من أن تطلب اسبانيا حزمة إنقاذ كاملة، وهو أمر قد يعرض الكتلة الأوروبية للخطر لاسيما وأن اقتصاد اسبانيا -رابع أكبر اقتصاد في كتلة اليورو- يعد أكبر من اقتصاد اليونان بواقع خمس مرات.

ارتفاع السندات

وتأكد انخفاض ثقة السوق في اسبانيا عندما ارتفعت مبيعات أسهم الخزانة الاسبانية أجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ بدء العمل باليورو. وارتفع العائد على السندات الإسبانية لأجل عشر سنوات فوق مستوى 7.7% في مستوى يعتبر من المستحيل على إسبانيا أن تتحمله على المدى الطويل. وعزا محللون قفزة تكاليف الاقتراض جزئيا إلى إعلان إقليم كاتالونيا بشرق البلاد أنه يتوقع طلب مساعدة حكومية من صندوق السيولة المنشأ حديثا بقيمة 18 مليار يورو أي نحو 22 مليار دولار.

ويهدف الصندوق إلى مساعدة الأقاليم الإسبانية عالية المديونية التي تتحمل المسؤولية بشكل كبير عن عجز ميزانية البلاد البالغ 8.9%. وطلب بالفعل إقليم فالينسيا حزمة إنقاذ مالي من الصندوق، ومن المتوقع أن يقوم إقليم موريسا بالأمر نفسه. وتعبر حكومة رئيس الوزراء ماريانو راخوي عن قلقها بشأن تطورات السوق، لكنها ترفض احتمال طلبها حزمة إنقاذ برعاية الاتحاد الأوروبي للاقتصاد الإسباني.

مشكلات ألمانيا

وتراجعت معنويات الشركات الألمانية للشهر الثالث على التوالي في يوليو لتصل إلى أدنى مستوياتها في 28 شهرا في علامة على أن اشتداد أزمة الديون السيادية لمنطقة اليورو مجددا يؤثر سلبا على الشركات في أكبر اقتصاد بأوروبا.

وقال معهد ايفو ومقره ميونيخ إن مؤشره لمناخ الأعمال الذي يعتمد على مسح شهري لنحو 7000 شركة تراجع إلى 103.3 في يوليو من قراءة يونيو المعدلة 105.2 . وهذا أدنى مستوياته منذ مارس 2010. وكان 45 اقتصاديا قد توقعوا في استطلاع سابق تراجع المؤشر إلى 104.7 من 105.3 وهي القراءة الأولية ليونيو.

وفي سياق متصل ذكرت وكالة موديز الأميركية للتصنيف

الائتماني أنها خفضت توقعاتها الاقتصادية لست ولايات ألمانية ما عزز التوتر بشأن منطقة اليورو التي تتكون من 17 دولة. وقالت وكالة التصنيف إنها خفضت تقييمها للولايات من "مستقر" إلى "سلبي". ويشمل ذلك الولايات الصناعية الرئيسية للبلاد وهي: بادن فورتيمبرج وبافاريا وفيستفاليا شمال الراين.

كما خفضت التوقعات لبرلين وبراندنبورج وساكسونيا. وجاء إعلان موديز بعد أن قالت الاثنين إنها خفضت نظرتها لألمانيا أيضا من مستوى "مستقر" إلى "سلبي". وألمانيا وهي أكبر اقتصاد في أوروبا واحدة من ثلاث دول أعضاء بمنطقة اليورو تتمتع بالتصنيف الممتاز "أيه أيه أيه".

 

 

ظروف متشابهة

 

 

تواجه كل من اليونان واسبانيا معضلة اقتصادية متشابهة على الرغم من اختلاف التحديات بين البلدين. ففي اليونان، البلد الذي افتقر دائما إلى التنافسية الاقتصادية، طبقت الحكومة جولة تلو الأخرى من إجراءات التقشف، ما أدى إلى تراجع التعافي الاقتصادي ودفع بالاقتصاد اليوناني إلى انكماش اقتصادي يستمر خمس سنوات. وحتى الآن، ما تزال اليونان تحاول الخروج من أزمة ديون تشهد تقشفا اقتصاديا وانكماشا متزايدا، وتعول على المساعدات الخارجية فقط للخروج من هذا المأزق.

وهذا يجعل من الصعب أن تعالج جولة ثالثة من حزم الإنقاذ هذه المحنة الشديدة. وقد اتخذت مجموعة اليورو نهجا مختلفا للتعاطي مع الأزمة الاسبانية على أمل إنقاذ اسبانيا من الوقوع في أزمة ديون متجددة وأزمة مصرفية، وذلك عن طريق ضخ رأس مال في بنوكها أولا.

غير أن طريقة العلاج الجديدة لم تكن أفضل كثيرا من القديمة فيما يتعلق بتحسين اقتصاد الدولة. وتظهر إحصاءات رسمية أن الانكماش الاقتصادي في اسبانيا ربما يستمر حتى عام 2013. وفي غضون ذلك، أشار تقييم لمجموعة ((سيتي غروب)) المصرفية إلى أن اقتصاد اسبانيا قد ينكمش بنسبة 2.1 في المائة العام الجاري و3.1 بالمائة عام 2013.

وقد فشل الاتحاد الأوروبي حتى الآن في اتخاذ أية خطوات ملموسة لتقوية النمو الاقتصادي على الرغم من أنه وضع مسألة النمو الاقتصادي على رأس أجندته. وفي غضون هذا، ربما تكون اليونان واسبانيا، اللتان تعيشان حاليا على القروض، سببا في دفع منطقة اليورو نحو مزيد من الاضطراب.