تمر الأزمة الاقتصادية الأوروبية بلحظات تاريخية حاسمة مع قرب إقرار إنشاء اتحاد مالي ومصرفي أوروبي مترابط عشيّة القمة الأوروبية التي انعقدت يومي الخميس والجمعة الماضيين، وذلك في وقت أبدت فيه أسواق المخاطر ردود فعل إيجابيّة للغاية حيال الوضع عموماً. وقد سجّل مؤشر "مورجان ستانلي كابيتال إنترناشيونال" الأسبوع الماضي أرباحاً بواقع 4%.

بينما شهدت أسواق أوروبا الشرقيّة الحساسة تجاه اليورو مكاسب بواقع 6.3%. كما استطاع سعر برنت أن يتجاوز مستوى 98 دولارا للبرميل عقب ورود أنباء بشروع أوروبا في تطبيق برنامج لمعالجة الديون المصرفية وإعادة رسملة البنوك. وتعد هذه الأنباء جيدةً على وجه العموم فيما لو جاءت تفاصيلها إيجابية بما يكفي لإقناع الأسواق بأن أوروبا باتت تتعامل اليوم بفعالية أكبر مع مشاكلها الاقتصاديّة وأخذت تفصل بين مشاكل القطاع المصرفي والمخاطر السياديّة.

تراجع مثير

وقال مارك مكفارلاند كبير استراتيجيي الاستثمارات في بنك الإمارات دبي الوطني: من المثير للاهتمام أن يتراجع مؤشر "أركا جولد باجز" للذهب -المدرج في "بورصة نيويورك"- إلى ما فوق المستوى المسجل قبيل انعقاد القمة الأوروبيّة.

فيما هوت الأسعار يوم الخميس لتعاود انتعاشها مؤكدةً بأن الأسواق لا تزال تعتقد بضرورة تدخل "البنك المركزي الأوروبي" على نطاق واسع. وعليه، فإنه يتعين علينا ترقب نتائج حزمة القرارات الصادرة عن القمة الأوروبية قبل المغامرة بمعاودة الانكشاف على أسواق المخاطر الأوروبية.

وأضاف مكفارلاند: لم نشهد أي تغيير يذكر على صعيد تمويل صناديق الدعم المخصصة للمساعدات الماليّة، إذ تواصل إيطاليا وإسبانيا دورهما المحوري كمصدر مهم بالنسبة لبعضهما البعض من أجل تمويل خطة الإنقاذ المالي.

تفاوت كبير

ومع بداية ربع سنوي جديد، تفاوت العائد على فئات الأصول خلال الأشهر الثلاثة الماضية بصورة كبيرة، حيث جاء الأداء الأقوى من نصيب السلع الخفيفة مثل القمح والذرة وفول الصويا، إضافةً إلى الغاز الطبيعي، بينما حققت السندات الأميركية ذات العوائد المرتفعة و"مؤشر الدولار لمجموعة الدول الصناعيّة السبع الكبرى" عوائد إيجابيّة طيبة.

وفي المرتبة التالية من حيث مستويات الأداء، يأتي القطن والنفط والفضة ومؤشر "مورجان ستانلي كابيتال إنترناشيونال" لأسواق أسهم أميركا اللاتينية (وهي في مجملها مؤهلة للنمو على المستوى العالمي)، وتكبّدت جميع هذه الأصول خسارة بواقع يزيد على 12% منذ 31 مارس الماضي.

كما سجلت جميع مؤشرات "مورجان ستانلي كابيتال إنترناشيونال" عوائد سلبيّة خلال الربع الثاني من العام مع انحسار توقعات النمو العالمي، وإظهار المستثمرين رغبة واضحة حيال أصول الدخل الثابت مقابل الأسهم. وقد استهلت "السندات الأميركية لأجل 10 سنوات" أداءها خلال الربع الثاني بمستويات متواضعة تزيد على 2.2%، وأنهت هذه الفترة على انخفاض بنسبة تتجاوز 1.6% بعد محاولة قصيرة لخفض نسبة التراجع إلى 1.4%.

وشهدت الأسهم هبوطاً في جميع الأسواق الناشئة بخلاف أرخبيل جزر الفلبين التي واصلت تسجيل مستويات أداء متفوقة في سوق الأسهم خصوصاً بعد بدئها الاستفادة من تطبيق السياسات المناسبة وتعزيز الاستثمارات. كما شهد مؤشر واحد فقط من أصل ثلاثة مؤشرات ضمن الأسواق الناشئة تحسناً في النظرة المستقبليّة للأرباح خلال الشهرين الماضيين، في حين كانت أسواق دول مجموعة الــ"بريكس"الأدنى أداءً ضمن البلدان الناشئة.

حيث شهدت البرازيل خسارة بواقع 20.7% منذ نهاية الربع الأول، وروسيا (17.5%)، و"أسهم الشركات المسجلة في البر الصيني، والمتداولة بالبورصات الصينية" بنسبة (7.8%)، و"أسهم الشركات المسجلة بالبر الصيني والمتداولة ببورصة هونغ كونغ" (10.5%)، والهند (2.1%).

الأسواق الحدودية

أما في الأسواق الحدوديّة، فقد سجلت أسواق أوروبا الشرقيّة مستويات الأداء الأدنى خلال الربع الثاني بسبب الانكشاف الكبير على المشاكل المعقدة للقطاع المصرفي الأوروبي. كما خرجت السعودية خاسرة نتيجة هبوط أسعار النفط، وكذلك الأرجنتين التي تأثرت بأخطاء السياسات المتبعة .

والتي فرضت عليها مزيداً من الضغوط. وتواصل الأسواق الإفريقيّة باستثناء جنوب إفريقيا- الحساسة على صعيد التعدين- مسيرة أداءها بوتيرة طيبة بالنسبة لأبرز اللاعبين الرئيسيين على مستوى القطاع؛ ففي نيجيريا، تم رفع توقعات الأرباح مع تسجيل مكاسب بنسبة 6.9% في الربع الثاني من العام. فيما أفضى انتهاء موسم الجفاف في كينيا وهبوط أسعار الفائدة - وفقاً لسياسات البنوك المركزيّة المنسجمة مع انخفاض معدلات التضخم - إلى أعطاء دفعة قوية لسوق الأسهم المحلية، حيث وصلت قيمتها إلى 8.4%، بينما بلغت 2% تقريباً في موريشيوس وتونس.

تعامل حازم

ويبدو جلياً أن الأسواق تتوق في المستقبل إلى التعامل بحزم أكبر مع مشاكلها، وأن توقعات النمو لن تشهد مزيداً من مستويات التراجع الكبيرة. وقد جاءت البيانات الأميركيّة أكثر انخفاضاً مما كان متوقعاً.

كما أظهرت التوقعات الأخيرة تراجع الناتج الإجمالي المحلي خلال الربع الأول نتيجة تراجع مستويات الاستهلاك المدروسة رغم أن مؤشرات الأداء التي تتطلع نحو المرحلة المقبلة- مثل مؤشر "كيس شيلر لأسعار المنازل" - تعكس نظرة مستقبلية إيجابية بالنسبة للقطاع الاستهلاكي الأميركي مع انحسار مخاطر الميزانيات العمومية. وبطبيعة الحال، جاءت الأرقام المتوقعة من جانب المتداولين والمحللين الاقتصاديين سلبية وأسوأ قليلاً من النتائج المسجلة قبل شهر مضى.

ورغم الحالة السلبية الدائمة للأرقام والبيانات الأوروبية هذه الأيام، غير أن حالة من الاستقرار النسبي قد بدأت تترسخ مجدداً في الأسواق الناشئة التي تضم عدداً من أبرز المناطق المهمة حول العالم. وتظهر البيانات الواردة من الصين خلال الأسابيع القليلة الماضية تحسناً ملحوظاً للنظرة المستقبلية والتوقعات الاقتصادية لثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وفي هذا السياق، أكدت نظرتنا في "بنك الإمارات دبي الوطني" دوماً على أن الخفض الأخير لتوقعات النمو الصيني كان خطوةً لا مفر منها، وذلك نظراً للحالة التي تشهدها الأنظمة المالية الحكومية المحليّة بعد اتخاذ سلسلة من التدابير والإجراءات المحفزة في أواخر عام 2008. 

شركات الطاقة

تكبّدت شركات الطاقة في الأسواق الناشئة - التي تواكب دوماً توجهات القطاع- خسائر بنسبة 18.3% خلال الربع الثاني على خلفية الانخفاض الشديد لأسعار النفط، كما تراجعت أسعار المواد بواقع 13.3%، بينما هبطت أسعار المواد الصناعية والسلع والمنتجات غير الأساسيّة بنسبة 11%. وتعد هذه القطاعات مرتفعة الأداء وفقاً لمقياس "بيتا" بمعنى أن الأسعار تتحرك نحو الصعود والهبوط بوتيرة تتجاوز السوق عموماً.

وبناءً على أسس الأداء النسبي، ستكون هذه المؤشرات بمثابة أسهم دفاعيّة خلال الربع الثاني، حيث سيتراوح معدل قياس "بيتا" بين 70-90% (بما يشمل السلع الاستهلاكيّة، والرعاية الصحية، والاتصالات). وفي جميع الحالات الأخرى باستثناء القطاع المالي والرعاية الصحيّة، جاءت موجات الهبوط في الأسواق الناشئة أعلى خلال الربع الثاني مقارنةً مع النتائج المسجلة في أسواق مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى التي تتمتع بالعمق والخبرة الواسعة.