ظهر شبح 2008 بسرعة، خلال مايو الفائت، عندما كشف مصرف جى بي مورغان تشاس النيويوركي العملاق، عن خسارة ملياري دولار في المضاربات المالية. ثم تبيّن أن المبلغ 3 وربما 4 مليارات. أثار الخبر ضجة واسعة انطوت على مخاوف من انهيار آخر يتسبب به انفلات البنوك، التي ما زالت تقامر بالمضاربات بالرغم من الثمن الباهظ للانفلات المالي الجشع الذي أوصل الأوضاع إلى الانهيار العقاري المالي المعروف.
موضوع المضاربات المصرفية، يدور حوله جدل مزمن في أميركا إذ أنه كان وراء الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي. على أثره صدرت تشريعات تميّز بين المؤسسات والبيوتات المالية الكبيرة المجاز لها الاستثمار من خلال عمليات المضاربة وبين البنوك التجارية العادية الممنوع عليها الدخول في هذا المجال، لأن ودائعها مضمونة من الدولة. أي بأموال دافع الضرائب الأميركي. وبذلك تنحصر نشاطاتها المصرفية في تلقي ودائع الزبائن ومنح التسليفات والقروض المختلفة. لكن اللوبي المصرفي لم يستسلم. بقي يضغط حتى تمكّن من حمل الكونغرس والبيت الأبيض على تغيير القانون في أواخر التسعينات. وبعد رفع الضوابط عادت البنوك إلى سابق ممارستها التي قادت إلى 2008.
ومع مجيء أوباما، أعدّ فريقه الاقتصادي برئاسة بول فولكر الرئيس الأسبق لبنك الاحتياط الفيدرالي البنك المركزي ، مشروع قانون لضبط هذه الممارسة. لكنه انتهى بعد المساومات إلى شبه ضوابط ، يبدأ العمل بها في أول يوليو القادم. وهي بكل حال مهدّدة بالشطب لو فاز الجمهوريون بالرئاسة. أهم ما فيها عرف ب " قاعدة فولكر " التي تحظر على البنوك الدخول في المضاربات المالية بغرض الاستثمار. لكن صاحبها بقي مشككا بفعاليتها، بسبب رخاوة الصيغة التي رست عليها, بل لم يستبعد هذا المرجع المالي، حصول انهيار آخر في غياب قواعد صريحة حازمة تلجم جشع المصارف. " لا اعتقد أن أحداً يمكنه القول بأنه لا مجال لانفجار أزمة مالية أخرى من نوع ما "، كما قال محذراً.
وقد جاءت السقطات جرّاء المغامرات المالية والتي كان آخرها ما حصل مع جى بي مورغن، لتعزّز مخاوفه. على أثرها دبّ نوع من الذعر، انعكس في هبوط أسواق المال وفرص العمل وثقة المستهلك. ويأتي كل ذلك في وقت تشهد فيه أميركا اشتداد الصراع بين مدرستين، حول كيفية تقليص الديون والعجز في الموازنة وتحريك وإنعاش الاقتصاد، لخفض البطالة وتعزيز إيرادات الخزينة. واحدة تشدّد، كما انجلا مركل، على التقشف وخفض الإنفاق العام مع خفض الضرائب على الجميع وخاصة على الأثرياء. وتمثلها الأكثرية الجمهورية في مجلس النواب ومن في صفها من عتاة اليمين المحافظ على كافة المستويات.
واخرى تشدّ باتجاه التحفيز عبر زيادة الانفاق العام مع رفع منسوب الضريبة على أصحاب المداخيل العالية والفلكية. ويمثلها البيت الأبيض مع حزبه الديمقراطي وبقية القوى الليبرالية على يساره. مقاربتان على النقيض، أدّى الصدام بينهما إلى تجميد القرار السياسي في واشنطن. والتزحزح مستبعد قبل انتخابات الرئاسة.
شد الحزام
يزعم دعاة شدّ الحزام، أن خفض النفقات هو المدخل لوقف تراكم الديون وضبط عجز الموازنة؛ وأن خفض الضرائب من شأنه حمل أصحاب الرساميل على الاستثمار وبالتالي خلق فرص عمل للعاطلين. مقاربة فيها كثير من التبسيط الصالح للتسويق، لكنها معطوبة في الجوهر. التجربة تؤكد نقيضها. خفض الضرائب، لم ينتج فرص عمل. على العكس، ضربت البطالة أطنابها خلال السنوات الأربع الأخيرة. ومعظم العجز والديون نشأ من كلفة الحروب ومن الشطط المالي الذي استولد انهيار 2008 وأكلافه.
كذلك أثبتت التجربة الأوروبية بطلان فائدة شدّ الحزام، حيث ادّى إلى خنق النمو في بلدان اليورو وحتى خارجها مثل بريطانيا. ويعتبر البعض أن خفض الإنفاق في وقت الركود، استراتيجية مهزومة ويستشهدون بالمنظّر الاقتصادي البريطاني الشهير جون كينز ومقولته المعروفة التي أطلقها قبل 75سنة، بان " تقليص الإنفاق يكون في زمن الازدهار وليس في زمن الركود".
جدل متشابه
تشهد الساحة الأوروبية نفس الجدل. وتمرّ في ذات المأزق تقريباً، وإن كانت درجة سخونة أزمتها أعلى من درجة حرارة التعثر الاقتصادي المالي الأميركي الراهن. فضلاً عن اختلاف آليات المعالجة لدى الجانبين. وعلى رأسها وحدة القرار السياسي الأميركي، مقابل تعدد هذا القرار في منطقة اليورو. وكذلك القرار النقدي. البنك المركزي الأميركي يقوى على التدخل في مثل هذه الأزمة، بضخ اللازم من السيولة.
نظيره الأوروبي، موكول إليه مهمة ضبط التضخم أساساً. ليس من صلاحياته إصدار سندات مالية أوروبية لتجميع وضخ السيولة عند الطلب، كما في الحالة اليونانية، إلاّ بتفويض من الدول الأعضاء وبالإجماع. فمثل ذلك قرار سيادي متروك للعواصم المعنية.
وهنا مكمن الخلل في تركيبة منظومة اليورو، حسب معظم خبراء المال والاقتصاد. وحدة مالية بدون آليات سياسية وحدوية. خلل تضافر مع شطط مصرفي كالذي شهدته أميركا، أغرى على الاقتراض من البنوك، بدل أن تكون هناك قنوات أخرى كالبنك المركزي المشترك، بإمكانها سدّ حاجة شركاء اليورو عند الضرورة. فبذلك تنضبط عملية التعويم وتبقى تحت المراقبة. وفي ذات الوقت تحمي الجهة المديونة من الغرق في الديون وفوائدها.
أزمة يلخصها بيتر فرانكوبن، الأستاذ والباحث في جامعة أكسفورد بقوله: " الأموال السهل الوصول إليها والتي تعطي مردودات مغرية، تضمن استيلاد الأزمات. والآن تتألم اليونان المدمنة على الاقتراض، لوحدها والغرب كما كان هو التاجر الذي رعا هذه العملية ".
