أبرزت الأزمة الراهنة أهمية جودة التواصل المؤسساتي فيما يخص التعرض للمخاطر المالية وإدارة هذه المخاطر. إن لهذا الأمر أهميته الواضحة بسبب الفشل الذي واجهته بعض الشركات بسبب الأزمة المالية. ويمكن من خلال الإفصاح عن المخاطر أن يكون الشركات والمستثمرون على دراية بطبيعة المخاطر المالية وحجمها ومدى جودة إدارتها. وتعقيباً على مقال سابق نشرته صحيفة فاينانشال تايم يذهب كل من فنسنت بابا، مدير سياسات الإبلاغ عن المخاطر في معهد المحللين الماليين المعتمدين بالاشتراك مع يعقوب نسيبة رئيس جمعية المحللين الماليين المعتمدين الإمارات يمكن القول إن التعرض للمخاطر المالية ينجم عن عدد من العوامل، من بينها شدة تقلب أسعار الصرف ومعدلات الفائدة وأسعار السلع. كما ينجم عن الأدوات المالية المعقدة، من قبيل الأدوات المشتَقَّة، كما تنبع من أدوات القروض المستخدمة في الهيكلية الرأسمالية. ويملي كل نوع من الأعمال حساسية خاصة تجاه أنواع مختلفة من المخاطر. فعلى سبيل المثال، نجد أن شركات الطيران تعاني من تقلبات أسعار وقود الطائرات. وتعاني شركات التنقيب من تقلب أسعار السلع. ومن المرجح أن تواجه الشركات التي تدير عمليات عالمية مخاطر تقلبات أسعار العملات الأجنبية. كما أن البنوك معرّضة لمخاطر ائتمانية خلال مراحل الدورة الاقتصادية كلها، والمخاطر الائتمانية ناشئة في المقام الأول من احتمال إخفاق المقترضين في الوفاء بالتزاماتهم تجاه البنوك.
المخاطر المالية مرتفعة
وبالنسبة للشركات المالية وغير المالية على حد سواء، تتأثر المخاطر المالية بالدورة الاقتصادية. فمثلاً، تظهر الخسائر المرتبطة بالمخاطر الائتمانية عادةً في البيئات الاقتصادية المتوترة، حيث يرجح أن يعاني المقترضون، من الأفراد والشركات، من مصاعب مالية. ومن الممكن أن تؤدي المخاطر الائتمانية إلى مفاقمة مخاطر التمويل التي تواجهها البنوك مما يسبب مشكلات في إعادة تمويل الجزء الدائن من هيكلية رأس المال. وعلى سبيل المثال، عانت البنوك الأوروبية خلال أزمة الديون السيادية الأوروبية المتواصلة الآن من تخفيضات مهمة في مستويات "التمويل بالاقتراض" المتاحة، وخاصة التمويل قصير الأمد من صناديق سوق التمويل الأميركية. وقد أبرزت الأزمة "مخاطر الطرف الآخر" أيضاً. وفي بيئات السوق المضطربة، يمكن حدوث خسائر كبيرة لدى المؤسسات المالية التي تكون بائعاً صافياً للحماية الائتمانية من خلال عقود "التداول الائتماني الاختياري". وتعتبر "مخاطرة الطريق الخاطئ" شكلاً مختلفاً لمخاطر الطرف الآخر، حيث يعجز الطرف الآخر الذي يقدم تأمين المخاطر الائتمانية عن الوفاء بكامل التزاماته التأمينية، بسبب ما يتعرض له من صعوبات مالية.
تواصل الشركات
ويمكن أن تجري إدارة المخاطر المالية من خلال عدد من الخيارات المتاحة للشركات. تعمد البنوك مثلاً إلى الاحتفاظ بأصول سائلة لتخفيف مخاطر سحب العملاء إيداعاتهم. ويمكن أن تحمل البنوك قدراً أكبر من رأس المال الاحتياطي من أجل امتصاص الخسائر غير المتوقعة. فضلاً عن هذا، فإن إدارة المخاطر تتضمن نشاطات تحوّط لتخفيف مخاطر بعينها تواجهها الشركات. يمكن التحوّط باستخدام أدوات مالية، من قبيل المشتقات المالية؛ وكذلك من خلال تحوّطات اقتصادية، كإيرادات العملات الأجنبية التي تحوّط بالاقتراض بعملات أجنبية أيضاً. لكن الشركات تكون عادة غير شفافة بخصوص بعض استراتيجيات التحوّط، مما يجعل المستثمرين غير مدركين عدم فعّالية هذه الاستراتيجيات إلا في وقت متأخر، أي بعد أن يتكبدوا الخسائر. خاصةً فيما يتعلق باستراتيجيات التحوّط المعقدة والمركبة.
دول المنطقة
ونظرا لكون معظم عملات دول مجلس التعاون الخليجي مرتبطة بالدولار الأميركي، فإن مخاطر العملة هي المشكلة المهيمنة. وفي حين يطمح الاتحاد النقدي الخليجي الذي كثر الحديث عنه إلى التوصل إلى عملة خليجيّة موحدة (على غرار اليورو)، فإن من غير المرجح أن يؤدي هذا إلى تخفيف مخاطر العملة. كما أن منطقة مجلس التعاون تضم عدداً من الشركات الكبرى التي هي شركات عائلية على الأغلب. وقد حمل هذا في الماضي قدراً كبيراً من السمعة الجيّدة وروّج لمفهوم "الاقتراض بالاسم"، لكن الأزمة المالية خلقت إخفاقات واسعة النطاق على مستوى الشركات، لفتت الأنظار إلى تزايد مستوى المخاطر في المنطقة. هذا بالإضافة إلى أن نقص الشفافية والتواصل يزيد من حجم هذه المشكلة في مجلس التعاون الخليجي.
تحسين التواصل
وأجرى معهد المحليين الماليين دراسة تناولت سبل الكشف عن المخاطر بموجب المعايير الدولية للتقارير المالية. وقدمت هذه الدراسة عدداً من التوصيات من أجل تطوير الكشف عن المخاطر، بغية إيصال معلومات مفهومة ومفيدة إلى المستثمرين. ومن أهم هذه التوصيات هي أن الموجز التنفيذي يجب أن يحوي على جميع الفئات الرئيسية التي تتعرض للمخاطر في كل شركة. يجب أن يكون هذا الموجز مختصرا وواضحا، وأن يقدم صورة كاملة عن احتمالات المخاطر بالنسبة لمختلف نواحي الشركة، فضلاً عن مدى فعالية إدارة هذه المخاطر.