أصبح النمو السريع للتمويل الإسلامي عامل ضغط على القطاع كي ينضم إلى التيار الرئيسي لمعايير المحاسبة العالمية عبر الالتزام بإرشادات مجلس معايير المحاسبة الدولية، وهو الهيئة المعنية بضبط إيقاع إدارة الحسابات في مجال التمويل التقليدي.

لكنها ستكون خطوة مثيرة للجدل، حيث تسعى صناعة التمويل الإسلامي إلى النأي بنفسها عن نظيرتها التقليدية عبر تأسيس وجودها على مبادئ دينية. لكن خبراء يرون أنه مع تنامي حجم القطاع لم يعد ممكناً التخلف عن التوجه نحو توحيد القواعد المحاسبية في أنحاء العالم.

وقال سامر حجازي مدير تدقيق الخدمات المالية بشركة المحاسبة العملاقة «كيه.بي.ام.جي» والمهتم بتطور التمويل الإسلامي: يتمثل جل مسألة الإفصاح المالي في أنحاء العالم اليوم في التوجه الدولي نحو وضع مجموعة موحدة ومتسقة من معايير الإفصاح المالي عالية الجودة.

 

1.3 تريليون دولار

وتشير تقديرات مجموعة «ذا سيتي يو.كيه» إلى أن أصول التمويل الإسلامي بلغت 1.3 تريليون دولار عالمياً في عام 2011 بزيادة نسبتها 150% على مدى السنوات الخمس الأخيرة بعدما توسعت الصناعة في بلاد جديدة خارج أسواقها الأصلية في الشرق الأوسط وماليزيا.

ويبقى القطاع حاليا محكوماً بقواعد الهيئات التنظيمية على المستوى الوطني والهيئات الواضعة للمعايير والفقهاء الذين يقدمون تفسيرات للشريعة الإسلامية. ويخلق هذا نوعاً من الارتباك في صفوف المستثمرين خاصة مع شروع بعض البنوك الغربية الكبرى في دخول الأسواق الإسلامية.

وتستخدم معظم الدول التي تعمل بها بنوك إسلامية معايير الإفصاح المالي الدولية الصادرة عن مجلس معايير المحاسبة الدولية. لكن هذه المعايير تم تطويرها للتمويل التقليدي وليس للمعاملات الإسلامية التي تحرم الفائدة والمضاربة المالية البحتة وتدعو إلى أن تقوم التجارة على تداول أصول حقيقية.

 

وقوع تضارب

ولذلك فإن وقوع تضارب بين التمويل الإسلامي وقواعد المحاسبة التقليدية أمر وارد. فالبنوك الإسلامية مثلاً تحاول تحقيق أرباح مع عدم المساس بحرمة الفوائد فتشتري منزلاً مثلاً نيابة عن العميل وتؤجره له حتى يستطيع شراءه في نهاية الأمر.

ويقول محاسبون إنه طبقا لقواعد مجلس معايير المحاسبة الدولية الحالية تعتبر صفقة التأجير التمويلي الإسلامية صفقة مالية على الأرجح، وتتطلب من البنك تسجيل العقد كقرض مدر للفوائد، وهذا يخالف الشريعة مخالفة ظاهرة.

ويقول أندرو هوكنز المدير بشركة «برايس وتر هاوس كوبرز»: معايير الإفصاح المالي الدولية تركز على المضمون أكثر منها على الشكل. بينما تهتم الشريعة كثيراً بالامتثال للصيغة الشرعية.

 

معايير مستقلة

ويرى خبراء الحل في أن يصدر مجلس معايير المحاسبة الدولية معايير مستقلة لصناعة التمويل الإسلامي تندرج تحت مظلة معايير الإفصاح المالي الدولية الخاصة به. وسوف تضمن هذه المعايير وجود نهج موحد في أنحاء القطاع وسوف تكون متسقة مع معايير المجلس المتصلة بالتمويل التقليدي.

وتدعو جهات مثل المجموعة الآسيوية الأوقيانوسية لواضعي المعايير - وهي هيئة إقليمية معنية بوضع المعايير المحاسبية - مجلس معايير المحاسبة الدولية إلى وضع مسألة صياغة معايير للتمويل الإسلامي على جدول أعماله. وشكلت المجموعة بالفعل فريق عمل للتنسيق مع المجلس في هذا الشأن.

وقالت المجموعة إنه في استطلاع رأي لها شاركت فيه 24 هيئة مالية واضعة للمعايير قال أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين بضرورة عدم وجود معايير محاسبية إسلامية مستقلة من جهات أخرى خارج إطار معايير الإفصاح المالي الدولية لأنها قد لا تتسق مع التوجه العالمي نحو تبني معايير الإفصاح المالي الدولية.

 

تحديد الأولويات

لكن دخول مجلس معايير المحاسبة الدولية عالم التمويل الإسلامي قد لا يكون سهلا. فبينما قال المجلس إن المحاسبة الإسلامية قد تندرج على جدول أعماله حين يبدأ تحديد أولويات المشاريع الخاصة به في الأشهر المقبلة، يظل المجلس مشغولا بمجموعة مبادرات تنظيمية على مستوى العالم. وبالتالي لا يتضح إن كان التمويل الإسلامي سيصبح إحدى أولويات المجلس في القريب.

كما أن الفكرة العامة وراء وضع معايير دولية للمحاسبة هي تأسيس مجموعة قواعد غير متصلة بصناعة بعينها. وعليه فإن إضافة معايير خاصة للتمويل الإسلامي قد تضر بوحدة المعايير الدولية وتفتح الباب أمام مطالبات باستثناءات أخرى.

وعلى سبيل المثال يمكن حل أزمة البنوك الإسلامية في تصنيف عقود التأجير التي تبرمها مع عملائها إن وافق المجلس على اعتبار هذه العقود اتفاقات تأجير للأجل القصير، وليست عقوداً مالية. لكن المجلس قد لا يرغب في ذلك خشية الخروج على مبدأ محاسبي أصيل والإضرار بالبنوك التقليدية. وثمة مشكلة محتملة أخرى؛ وهي أن أية مشاركة للمجلس في حيز التمويل الإسلامي قد تثير خصومة مؤسسات أخرى. فهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية التي تتخذ من البحرين مقراً تتولى وضع معايير الصناعة حالياً.

وكان خالد الفقيه الأمين العام للهيئة الذي استلم مهام منصبه مؤخرا قال إن الهيئة تعكف على مراجعة استراتيجية لكل معاييرها للتأكد من حداثتها وشمولها وصلتها باحتياجات الصناعة. ومن المتوقع أن تصدر نتائج المراجعة خلال العام الجاري.

وليس للهيئة ثقل كبير لدى الجهات التنظيمية الوطنية في أنحاء العالم مقارنة بمجلس معايير المحاسبة الدولية. وربما يفضل كثير من المؤسسات المالية التعامل مع مؤسسة واحدة فيما يخص معايير المحاسبة التقليدية والإسلامية بدلا من جهتين منفصلتين. ولذا فإن مجلس معايير المحاسبة الدولية قد يفوز بأي تنافس على النفوذ في حيز التمويل الإسلامي في نهاية الأمر. لكن هذا الصراع ذاته لن يكون سارا وربما يزيد ارتباك المستثمرين.

وقال حجازي: "التحدي أمام هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية هو إقناع العديد من الجهات التنظيمية بتبني معاييرها، وهذا سيكون صعبا في البيئة الحالية".

وأضاف: "ليس هناك كثير من آفاق التغيير على مستوى التنظيم أو الحوكمة. وسيكون من الصعوبة البالغة أن تطلب الهيئات التنظيمية من المؤسسات المالية إصدار مجموعة إضافية من البيانات المحاسبية أو المالية".