أصدرت الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي مؤخراً التقرير الاقتصادي الفصلي حول أداء اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي على جميع الأصعدة خلال الربع الأول من العام 2012، حيث يتوقع التقرير استمرار الأداء الإيجابي لهذه الاقتصادات عام 2012، مع بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، كذلك تعافي النشاط غير النفطي، وهناك دلائل على تعاف اقتصادي عالمي بطيء لكن التحديات العالمية آخذة بالتزايد أيضاً، ولا سيما في منطقة اليورو.

ووفقاً للتقرير، فإن الاقتصاد العالمي ابتعد عن حافة الخطر وأن هناك مؤشرات استقرار من منطقة اليورو والولايات المتحدة لكن مستويات الديون المرتفعة في الأسواق المتقدمة وارتفاع أسعار النفط ينذران بمخاطر. وأوضح أن الاقتصاد العالمي بصدد التعافي لكن لا مجال كبيراً للمناورة ولا مجال لأخطاء في السياسات المتبعة. وبين صندوق النقد الدولي أن علامات استقرار بدأت تظهر مما ينبئ بأن الإجراءات المتخذة في أعقاب الأزمة المالية العالمية تؤتي ثمارها وأن مؤشرات الاقتصاد الأميركي تبدو أفضل بعض الشيء وأن أوروبا أخذت خطوة مهمة باتجاه حل أزمتها على صعيد الجهود المبذولة بشأن اليونان في الآونة الأخيرة. مؤكداً أن "بفضل تلك الجهود الجماعية ابتعد الاقتصاد العالمي عن الحافة ولدينا من الأسباب ما يدعو لمزيد من التفاؤل. لكن ينبغي ألا يستدرجنا التفاؤل إلى شعور كاذب بالأمان. مازالت هناك أوجه ضعف رئيسية على الصعيدين الاقتصادي والمالي يجب أن نواجهها".

 

تحديات تهدد الانتعاش

وأشار الصندوق إلى ثلاث تحديات تهدد انتعاش الاقتصاد العالمي، الأول هو استمرار هشاشة الأنظمة المالية تحت وطأة ديون عامة وخاصة مرتفعة في الاقتصادات المتقدمة باعتباره في مقدمة مخاطر رئيسية ثلاثة، حيث إن متطلبات تمديد اجال التمويل للقطاع العام والبنوك بمنطقة اليورو في 2012 تعادل نحو 23 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وثانياً ارتفاع سعر النفط الذي أصبح يهدد النمو العالمي. وثالثاً ثمة خطر متزايد من أن نشاط الاقتصادات الناشئة سيتباطأ على المدى المتوسط.

 

نمو خليجي جيد

وعلى الرغم من توقع المزيد من الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية، فإن دول مجلس التعاون الخليجي ستشهد في العام 2012 عاماً آخر من النمو الجيد. ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 4.6 %، مقارنة مع 7.9 % في العام 2011. ومن المفترض أن تظل أسواق النفط قوية، في حين أن الارتفاعات الإضافية في الإنفاق الحكومي سوف تعمل على دعم الاستثمار وإنفاق المستهلك. وفي الوقت نفسه، فإن مخاطر حدوث صدمة مالية خارجية من أوروبا أو أي مكان آخر تبدو محدودة، إذ تتمتع البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي بالسيولة ورأس المال الكافي، كما أن الانكشاف المباشر على مشكلة الدين السيادي في منطقة اليورو ضئيل جداً. ومرة أخرى، ستكون دولة قطر صاحبة أقوى أداء بين دول مجلس التعاون، على الرغم من احتمال تباطؤ نموها مع انخفاض مستوى إنتاج الغاز.

ويقدر بنك الكويت الوطني أن يسجل الإنفاق الحكومي لدول مجلس التعاون الخليجي أدنى معدل زيادة له في عدة سنوات في عام 2012 عند 6%. ومع ذلك، فإن ذلك يعكس بدرجة أكبر معدل النمو القوي للإنفاق الذي حدث في العام 2011، والذي بلغ 17 %، مدفوعاً بالإنفاق الاستثنائي بقيمة 27 مليار دولار في المملكة العربية السعودية. ومن المتوقع أن يستمر نشاط القطاع الخاص ــ الذي مازال بطيئاً بفعل الجهود لتخفيض المديونية وبطء نمو الائتمان في بعض الدول ــ في التعافي. ويتوقع الوطني أن تبلغ نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي 5.6 %.

 

الفوائض المالية

ومع ارتفاع إنتاج النفط واستمرار تسجيل أسعاره فوق 100 دولار للبرميل، فسوف تشهد دول مجلس التعاون الخليجي عاماً آخر من الفوائض المالية وفوائض الحساب الجاري، ومن الممكن أن تتراوح نسبة تلك الفوائض ما بين 10-20% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة ككل. ومرة أخرى، سوف يعمل ذلك على استثناء المنطقة في عام من التقشف والعجز المالي في مناطق أخرى بالعالم. وفي الحقيقة، هناك ثمة تحد رئيسي لدول التعاون، يتمثل في أن تقرر كيفية استثمار تلك الفوائض بأمان في ضوء المستقبل غير الواضح للاقتصاد العالمي.

ويتوقع تقرير بنك الكويت الوطني أن يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي الخليجي 1.46 تريليون دولار عام 2012، بزيادة نسبتها 7% بالمقارنة مع عام 2011، وبنسبة نمو حقيقي قدرها 4.6% عام 2012. ويبلغ حجم الناتج المحلي للكويت 181 مليار دولار والسعودية 622 مليار دولار والإمارات 358 مليار دولار وسلطنة عمان 77 مليار دولار وقطر 197 مليار دولار والبحرين 26 مليار دولار عام 2012. وبينت توقعات التقرير أن السعودية سوف تحقق معدل نمو حقيقي قدره 3.8% والإمارات 2.4% والكويت 3.8% وقطر 9.8% وعمان 4.4% والبحرين 3.4% عام 2012.

 

مؤشرات إيجابية

وقال تقرير الأمانة العامة: إن هذه المؤشرات توضح أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي سوف تواصل معدلات نموها الجيدة خلال العام 2012 بفضل زيادة أسعار النفط، وتنامي أنشطة الإنتاج والتصدير، وتوسع الإنفاق الحكومي.

ويظل التمييز بين النشاط في القطاع النفطي وفي القطاع غير النفطي واضحاً بشكل جلي، حيث يتوقع بنك الكويت الوطني أن ينمو القطاع النفطي بنسبة 1% في السعودية و 2.2% في الكويت و1% في الإمارات و 6.8% في قطر و3% في عمان و3% في البحرين عام 2012، في حين ينمو القطاع غير النفطي بنسبة 5% في السعودية و3.5% في الإمارات و4.6% في الكويت و12.5% في قطر و5% في عمان و 3.5% في البحرين.

وتلعب دول مجلس التعاون الخليجي دوراً حيوياً في استقرار أسواق النفط العالمية. وتمثل دول المجلس 40% من الاحتياطيات النفطية المكتشفة و 23% من احتياطيات الغاز العالمية. وتسهم دول المجلس في استقرار أسواق النفط كونها تعتبر أكبر مصدر للنفط وبنسبة 25% من إجمالي الصادرات العالمية.

ويلاحظ أن إنتاج النفط الخام في المنطقة قفز بنحو 11 % في العام 2011 مع سرعة تحرك الدول الأعضاء في منظمة الأوبك لتعويض الإنتاج الليبي المفقود بواقع 1.5 مليون برميل يومياً. وحتى مع عودة الإنتاج الليبي تدريجياً، ومخاطر الركود الاقتصادي، فإن أساسيات سوق النفط من المتوقع أن تظل متماسكة خلال عام 2012، ومن الممكن أن تنخفض مستويات المخزون النفطي على المستوى العالمي مرة أخرى. في ضوء ذلك، يمكن أن تتجنب دول مجلس التعاون الخليجي عمليات الخفض الكبيرة في إنتاج النفط، تاركة متوسط الإنتاج من دون تغيير هذا العام إلى حد ما، حيث يتوقع أن يبلغ متوسط أسعار النفط 110 دولارات أميركية للبرميل في العام 2012، بعد أن بلغ 108 دولارات أميركية في العام الماضي.

 

تطورات القطاع الخاص

وعلى صعيد تطورات القطاع الخاص الخليجي، قال رئيس اتحاد الغرف الخليجية خليل خنجي في مقابلات صحافية: إن الاتحاد يسعى في المرحلة الراهنة إلى تعزيز رؤيته لتوفير البيئة المناسبة لتطوير أداء القطاع الخاص الخليجي وتعزيز قدراته التنافسية، ليكون قاطرة التنمية في اقتصادات دول مجلس التعاون والأداة الدافعة نحو تكاملها ووحدتها. ومن أبرز ما يسعى لتحقيقه الاتحاد هو العمل على تنفيذ الاستراتيجية التي اعتمدت من خلال مجلس الاتحاد، التي أكدت على تفعيل دور القطاع الخاص في مسيرة التكامل الاقتصادي بين دول المجلس للوصول للوحدة الاقتصادية الكاملة بينهم.

وتتراوح مساهمة القطاع الخاص الخليجي في إجمالي الناتج المحلي بين 33-35% ، كما بلغ متوسط معدلات النمو السنوي للقطاع الخاص الخليجي حوالي 15% سنويـاً، أما من حيث قيمة مساهمة القطاع الخاص الخليجي في الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس فقد ارتفعت من حوالي 205.9 مليارات دولار أميركي عام 2005 إلى 236.6 مليار دولار عام 2006 أي بنسبة زيادة قدرها 14.9% لترتفع مرة أخرى إلى 272.0 مليار دولار عام 2007 وبنسبة 15%، ثم إلى 320 مليار دولار عام 2010. وتتركز معظم مساهمات القطاع الخاص في قطاع الصناعات التحويلية وقطاع التجارة والسياحة والنقل والمواصلات وقطاع الخدمات المالية والتأمين وغيرها.

 

مشكلات البطالة

وحذّر صندوق النقد الدولي دول مجلس التعاون الخليجي من تزايد أعداد البطالة في صفوف المواطنين الخليجيين، حيث يتوقع الصندوق ارتفاع أعداد العاطلين من مواطني دول المجلس بما يراوح ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين عاطل خلال السنوات الخمس المقبلة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات تصحيحية في أسواق العمل.

وقال الصندوق: إن التقديرات تشير إلى نحو سبعة ملايين وظيفة تم توفيرها في أسواق العمل الخليجية خلال العقد الماضي، إلا أن نحو مليوني وظيفة فقط من هذه الوظائف ذهبت للمواطنين من دول المجلس.

ويقول الصندوق: إنه استناداً إلى البيانات التاريخية، وتسارع نمو قوة العمل، فإنه يتوقع ارتفاع عدد المواطنين الخليجيين العاطلين عن العمل إلى نحو 2 إلى 3 ملايين مواطن خلال السنوات الخمس المقبلة مقارنة بخمسة ملايين أعداد المواطنين العاملين عام 2010.

واستناداً إلى توقعات الصندوق، فإن دول مجلس التعاون الخليجي ستتمكن من استحداث ستة ملايين وظيفة جديدة خلال الفترة 2010 ــ 2015. ولكن يتوقع أن نحو ثلث هذه الوظائف الجديدة فقط سوف تذهب للمواطنين الخليجيين، ما لم تتغير سياسات التوظيف. وفي جانب العرض، فإن نحو أربعة ملايين ونصف مليون مواطن خليجي سوف يدخلون سوق العمل خلال الفترة نفسها.

وقال الصندوق: إن زيادة فرص العمل للمواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي يتطلب من هذه الدول تحسين استراتيجيات العمل الراهنة، مع التأكد أن ذلك لن يضر بتنافسية الأسواق، مع التركيز على تطوير مخرجات التعليم وهيكل الأجور.

 

الاستثمارات الأجنبية

توقع تقرير لمعهد التمويل الدولي أن ينخفض الاستثمار الأجنبي للدول الناشئة بنسبة 18% خلال العام 2012 لتبلغ 746 مليار دولار بالمقارنة مع 910 مليارات دولار عام 2011 و 1.04 تريليون دولار عام 2010. بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية في منطقة اليورو. وفي الوقت نفسه، سوف ينخفض صافي التدفقات الاستثمارية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (تضم عينة المعهد سبع دول رئيسية في هذه المنطقة من بينها السعودية والإمارات من دول التعاون الخليجي) من 73 مليار دولار عام 2010 إلى 65 مليار دولار عام 2012.