قال تقرير لبنك «ساكسو»: إن الأسواق تتوقع أن يستمر تدخل البنك المركزي للأبد، ولا يعتقد المتعاملون فيها أن الأمر يستدعي القلق. لكننا من جانبنا نرى أن الأسواق ربما أساءت الفهم والتقدير تماماً. وأوضح تقرير «ساكسو» أن البنوك المركزية في مختلف أنحاء العالم طفقت تبحث عميقاً في جعبتها عن حلول للأزمة المالية على مدى الأعوام الأربعة الأخيرة التي مرت منذ تفجر الأزمة العالمية في العام 2008، فبدأت أولاً بخفض أسعار الفائدة إلى مستوى الصفر أو إلى مستوى يلامس الصفر فعلياً، ثم لجأت إلى "إجراءات غير تقليدية" تستهدف الحفاظ على معدلات الفائدة منخفضة في النهاية على المدى الطويل وذلك من خلال شراء أغلب السندات التي أصدرتها خزانة حكوماتها ذاتها. وهذه الممارسة الأخيرة كانت توصف منذ عقود مضت بأنها ليست سوى مخطط "بونزي" للاحتيال المالي، ولكنها تسوّق في عالم اليوم باعتبارها "البديل الوحيد".
منحنى العائد
وقال ستين ياكوبسن، كبير الخبراء الاقتصاديين لدى بنك «ساكسو»: تقليدياً، ظل تدخل البنوك المركزية يقتصر على التحكم في جزء من منحنى العائد، لفترات تبدأ من يوم واحد وربما تمتد لعام كامل. لكن الانخفاض الحاد الذي شهدته الأسهم والسندات بين عامي 2008/2009 وانعدام التوازن المالي الذي نتج عن طرح أكبر حزمة محفزات مالية في التاريخ أوجدا الحاجة إلى تأمين حد أدنى من "الأعمال المنظمة"، من خلال طرح سيولة مناسبة بمعدلات فائدة منخفضة. وعقب تلك الخطوة انطلقت حملة دعاية من جانب مسؤولي البنوك المركزية وصناع السياسات مفادها: "صدقونا، كل شيء تحت السيطرة". من المؤكد أن هذا هو ما فعلتموه! فمنذ ذلك الحين، ونحن نتنقل من مشكلة مالية إلى أخرى، وها نحن الآن قد وقعنا في شرك دين جعل الحكومات والبنوك دون رأسمال تقريباً، ودون أن تتاح لها إمكانية الحصول على تسهيلات ائتمانية وقروض إضافية إلا إذا تكرّم البنك المركزي ووافق على ذلك.
كعكة الائتمان
وتابع: الآن تلتهم الحكومات والبنوك التجارية في العالم الجزء الأكبر من "كعكة الائتمان" المتاحة، حتى إن القطاع الخاص أصبح لا يجد إلا الفتات. وبذلك، أصبح القطاع الخاص، الذي كان تقليدياً الطرف الأكثر تحملاً للمخاطر والأعلى ربحية في الاقتصاد، محروماً من مصدر حياته، وهو الائتمان. لقد تغلب الجانب الكلي من الاقتصاد على الجانب الجزئي منه، وهذا خطأ فادح ورهيب. وبينما يحتاج أصحاب المبادرات والمشاريع من الأفراد والشركات أقصى قدر من المرونة وتوفير رأس المال لهم وتمكينهم من التعرض للمخاطر، تم قطع هذه الموارد عنهم، وزادت الضرائب المفروضة عليهم، وكذلك الأنظمة المقيدة لنشاطاتهم.
تغيير أسس النمو
وأضاف: في هذا العام 2012، شهدنا حتى تطبيعاً تدريجياً لمعدلات الفائدة بعد إخراجها من إسار الانخفاض المفرط. والخطوة التي اتخذت هذا الشهر برفع أسعار الفائدة مجدداً لاقت ترحيباً كبيراً مقارنة بالماضي القريب، وقادت إلى الحديث عن تغيير أسس النمو وعن احتمال تحول الاقتصاد إلى الجانب الإيجابي (خاصة الاقتصاد الأميركي).
ولقد كنا إيجابيين في حديثنا عن الولايات المتحدة إبان الربع الأخير من عام 2011 حين رأينا أن التوقعات المجمع عليها بشأن النمو المستقبلي المتوقع كانت ضعيفة جداً (هل تذكرون قضية "الهبوط المزدوج"؟) والآن، مع نهاية الربع الأول من العام 2012، نجد، في رأينا، أن السوق تسرّعت في توقعها بأن تثمر خطوة "تعزيز الاستقرار" الأخيرة عن نمو طويل الأمد. فالوقت لا يزال مبكراً لذلك، وها هي مؤشراتنا الاستشرافية تكشف عن دلائل على حدوث تباطؤ محتمل في الاقتصاد، وعليه، نعتقد أن الولايات المتحدة سيظل بإمكانها تجاوز معدلات أداء البلدان الأخرى خلال العام 2012، لكن السبب الوحيد لذلك هو أن كل الاقتصادات الأخرى ستكون أكثر ضعفاً، وليس لأن اقتصاد الولايات المتحدة سيتحسن فعلياً.
لغز الارتفاع الحاد
وقال ستين ياكوبسن: يتبقى معنا لغز الارتفاع الحاد الأخير في أسعار الفائدة: فهل دارت عجلة الفائدة دورتها ووصلت إلى القعر لتعاود الصعود بسرعة؟ هل هذا هو آخر "معدل طبيعي جديد"، أم هو مجرد جرعة من الارتداد المخادع؟ إن الحكومات والبنوك الضعيفة والشركات المثقلة بالديون تحتاج إلى معدلات فائدة منخفضة جداً لتواصل حمل وإدارة أعباء ديونها الهائلة، لذا فإن هذا السؤال عن معدلات الفائدة مهم جداً، خاصة وأن المسار المستقبلي لهذه المعدلات سيكون له تأثير بالغ على النمو المستقبلي وعلى مناخ الاستثمار.
ثلاثة سيناريوهات
وأضاف: بعد أخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار، نطرح ثلاثة سيناريوهات والفرص التي نتصورها لاحتمال حدوث كل منها:
- أسعار فائدة أكثر انخفاضاً مع مزيد من الإجراءات غير التقليدية (الاحتمال: 60%) استناداً إلى حركة التوسع النقدي اللانهائية. هذه هي معادلة زيادة المعروض النقدي، وهذا خيار يفضله السياسيون لأنه يمثل حلاً سهلاً خارج الميزانية، ويجعلهم "خارج نطاق المحاسبة وتحمل المسؤولية"، مع استمرار البنوك المركزية بطباعة النقود لإتاحة مخرج استثنائي لمالكي الديون السيادية وغيرها من الديون الكبيرة. وحيث إنهم أصحاب القرار، فهذا السيناريو يبدو الأكثر احتمالاً،
