على الرغم من الاهتمام العالمي المتزايد نحو الحاجة إلى خفض انبعاثات الكربون، غير أنني أسمع كثيراً أن الاستدامة لا تعتبر حالياً قضية ملحة في أسواق العقارات في دول الشرق الأوسط الغنية بالطاقة. ومع ذلك، توجد شواهد متزايدة على أن هذه الرؤية بدأت تتغير الآن بين عدد أكبر من مطوري التفكير المستقبلي، والمستثمرين والمستأجرين، الذين يدركون أن المباني الأكثر استدامة تعتبر فرصة تجارية كبيرة.
ويمثل العدد المتزايد في المشروعات الجديدة التي تتبنى الممارسات البيئية الرائدة أوضح دليل على هذا الاتجاه. فعلى سبيل المثال، يسعى المقر الجديد لمصرف ستاندرد تشارترد في دبي إلى الحصول على تصنيف الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة (LEED) الفضية، كما يجري تصميم جميع الأبراج الموجودة في مركز الملك عبدالله المالي الأضخم في الرياض البالغة 70 برجاً، أو معظمها، وفقاً لمواصفات LEED. وتعد الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة (أو LEED) نظام التصنيف العالمي الرائد في مجال الاستدامة المتعلقة بالعقارات.
وستنضم هذه المشاريع إلى المباني الحالية البالغة نحو 49 مبنى في دولة الإمارات، والتي حصلت بالفعل على شهادة LEED. وتمتد هذه الأمثلة إلى جميع قطاعات سوق العقارات، ومن بينها مركز مردف سيتي سنتر لمجموعة ماجد الفطيم العقارية، ومقر شركة باسيفيك كونترول، وفندق وان آند أونلي رويال ميراج، وبرايم ريزيدنس في مدينة دبي العالمية.
ويفضل المطورون الاستثمار بالنظر إلى إجراءات الاستدامة هذه، لأنهم يدركون الفرص السانحة عند القيام بذلك ومخاطر عدم القيام بذلك. فهم يرون أن:
توفير الطاقة يتيح إمكانية كبيرة لخفض انبعاثات الكربون، وترشيد استهلاك الماء، وتوفير المال.
المباني التي تعمل بمستوى أكثر استدامة تجذب سكاناً أكثر وتتمتع بمستويات إشغال أفضل، مما يدل على اكتساب المبنى قيماً أعلى.
تجاهل قضايا الاستدامة يثير مخاطر متنوعة، منها التقادم المبكر، وانخفاض الطلب في السوق.
وحالة ملاك المدى الطويل جذَّابة بشكل مساوٍ. فيمكن اعتبار العمليات وتصميم الاستدامة الرائد على أنه الطابع المستقبلي الخاص بالمبنى، والذي يعمل على تعزيز قيمته، وزيادة القدرة على البيع، وجذب المستأجرين المحتملين. يؤدي خفض تكاليف التشغيل إلى تحقيق صافي عائدات أعلى، فمع كل درهم يتم توفيره، تتاح فرصة زيادة درهم آخر في الإيجار. فمع زيادة معدلات الإشغال ومستويات الإيجار الممكنة، يتحول عدد أكبر من المباني المستدامة إلى مظهر أكثر جاذبية بالنسبة للملاك.
ولا يقتصر ذلك على المباني الحديثة فقط، بل يمكن أيضاً دمج إجراءات الاستدامة في المباني الموجودة بالفعل. يتضمن العديد من إجراءات ترشيد الطاقة والطلب على الماء بعض مصاريف نفقات رأس المال، ولكن إذا تم تقديمها في الوقت المناسب في المرحلة الأساسية، فلا يلزم أن تكون النفقات الإضافية مكلفة للغاية. كما ساعد فريق إدراة الممتلكات في شركة جونز لانغ لاسال الملاك مؤخراً على توفير الطاقة بنحو 40% من خلال عدد من الإجراءات المٌقدَّمة أثناء تجديد مبنى إمباير ستيت الرمزي بنيويورك.
وبالنسبة إلى المستأجرين، يوجد كثير من الحجج التي تؤيد المباني المستدامة. فهي تتناسب مع جداول أعمالها الخاصة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR) وإجراءات الاستدامة المتخذة في عملياتهم اليومية. وينبع الدافع الرئيسي لتحسين البيئة من المستأجرين، كما يوجد دليل قاطع على أنهم مستعدون بشكل كبير لدفع إيجار أعلى مقابل مساحة مستدامة. وقد أظهر استطلاع حديث للشركات العالمية أن ما يصل إلى 48% من المستأجرين يرحبون الآن بدفع أقساط إيجار أعلى بكثير من 37% المسجلة في استطلاعات عام 2008 و2009.
وبإيجاز، فإن ظاهرة الاستدامة ليست بدعةً عابرة. ولكنها بالضرورة ظاهرة مساعدة على البقاء، كما أنها تتعلق مباشرةً بالطريقة التي يتم بها تصميم المباني الحديثة وإدارة المباني الموجودة. وستستمر الشركات المستأجرة مثل المكاتب والمستودعات ومراكز التسوق في طلب المباني الصديقة للبيئة والأكثر كفاءة، كما أن المستثمرين والمطورين الذين يعملون لديهم لإنشاء مبانٍ مستدامة لن يستفيدوا فقط بتقليل تأثيرهم على البيئة، ولكنهم سيحصلون على مشاريع أكثر ربحية. وفي الختام، نستطيع القول إن الجمع بين المزايا الاجتماعية والمالية سيضمن ظهور المباني الأكثر استدامة كميزة رئيسية يتمتع بها سوق العقارات في الشرق الأوسط.