نزلت أسعار العقود الآجلة لمزيج برنت خام القياس الأوروبي دون مستوى 125 دولاراً أمس بعدما ارتفعت 5% لأعلى مستوياتها في 11 شهراً في اليوم السابق مع انحسار المخاوف المتعلقة باضطراب الإمدادات من السعودية وهدأ قلق المستثمرين الذين يتوقعون الآن انخفاض الطلب على الخام في غضون الأسابيع القليلة المقبلة.
ونزل سعر برنت في عقد أقرب استحقاق 1.22 دولار إلى 124.98 دولاراً بعد أن أغلق مرتفعاً 3.54 دولارات عند 126.20 دولاراً في الجلسة السابقة وهو أعلى مستوياته منذ الثامن من ابريل 2011. وهبط سعر الخام الخفيف 72 سنتاً إلى 108.12 دولارات للبرميل بعد أن أغلق مرتفعاً 1.77 دولار عند 108.84 دولارات في الجلسة السابقة. وارتفعت أسعار النفط أول من أمس الخميس بعد تقرير إيراني عن حريق في خط أنابيب في السعودية رغم أن الأسعار تخلت في وقت لاحق عن مكاسبها بعد أن نقلت شبكة سي. ان. بي. سي التلفزيونية عن مسؤول نفطي سعودي قوله: إن التقرير غير صحيح.
استمرار الإمدادات
من جهة أخرى أشارت بيانات وثلاثة مصادر في قطاع النفط إلى أن ناقلة نفط إيرانية عملاقة رست قرب سنغافورة الأسبوع الماضي وصلت إلى مصفاة تابعة لشركة رويال داتش شل وأفرغت نحو 1.5 مليون برميل من النفط. وأظهرت قاعدة بيانات رويترز فريت فندامنتلز للشحن البحري أن الناقلة دلفار وهي من الأسطول التابع لشركة الناقلات الوطنية الإيرانية وصلت إلى المصفاة التي تبلغ طاقتها 500 ألف برميل يومياً الواقعة في جزيرة بوكوم.
وذكر وسيط شحن في سنغافورة أن شل اشترت الشحنة. وفي رد عبر البريد الإلكتروني قالت شل: لا نعلق على أنشطتنا التجارية. تلتزم شل بكافة العقوبات القابلة للتطبيق. وكانت دلفار التي تبلغ حمولتها 270 ألف طن وصلت يوم 23 فبراير قبالة جزيرة كاريمون الإندونيسية وهي نقطة تخزين بحرية رئيسية قرب سنغافورة أكبر مركز لتجارة النفط في آسيا وتستخدم عادة في نقل النفط من سفينة لأخرى وليس من المعتاد أن ترسو عندها ناقلات تابعة لشركة الناقلات الوطنية الإيرانية.
ثم تحركت الناقلة صوب مياه سنغافورة يوم 26 فبراير بعد أن أفرغت طناً من المكثفات في ناقلة أصغر متجهة للصين.
وكانت الناقلة الأصغر التي تبلغ طاقتها 60 ألف طن متجهة إلى مجمع نفطي في هويتشو حيث تدير كل من مؤسسة تشاينا ناشونال أوفشور أويل كورب ورويال داتش شل مجمعاً للكيماويات. وذكرت مصادر في صناعة النفط أن شل الإنجليزية الهولندية تعد واحداً من أكبر مستهلكي النفط الإيراني في العالم إذ تشتري نحو 100 ألف برميل يومياً لأنشطتها في أوروبا ونفس الكمية تقريباً لعملياتها في اليابان بموجب اتفاق مع شركة شوا شل اليابانية ينتهي في مارس. وفي الثاني من فبراير رفض بيتر فوسر المدير التنفيذي لشل خلال إعلان نتائج الشركة أن يحدد حجم الإمدادات الإيرانية التي لا تزال الشركة تشتريها. وقال: ستمتثل شل للعقوبات وبالتالي سنحصل على الخام من أماكن أخرى.
مخاوف متزايدة
تزيد العقوبات الأمريكية الصارمة الجديدة على إيران المخاوف من عدم قدرة شركات التأمين التي توفر الغطاء للنفط الإيراني على سداد مطالبات التعويض الغربية في حال وقوع حادث لكن أكبر شركة تأمين إيرانية أبدت ثقتها بقدرتها على ذلك. وتحظر العقوبات الأمريكية على المؤسسات المالية التعامل مع البنك المركزي الإيراني وأثارت المخاوف بشأن كيف ستتمكن شركات التأمين الإيرانية التي ترتبط بعلاقات مع الحكومة من سداد المطالبات الغربية.
تبادل الأموال
وتعتمد شركة كيش الخاصة وهي شركة التأمين الرئيسية التي تتعامل معها شركة الناقلات الوطنية الإيرانية - أكبر شركة ناقلات إيرانية حيث تمتلك 40 ناقلة تقريباً ـ على شركة سنترال انشورنس أوف إيران الحكومية في عمليات إعادة التأمين. ومن المرجح أن تتم أي مطالبة ضدها عبر بنك يخضع للعقوبات. ويعني هذا أن أي شركة شحن أمريكية ربما لا تتمكن من الحصول على أموال تأمين من كيش في حال وقوع حادث لناقلة تابعة لشركة الناقلات الوطنية الإيرانية مما يترك الشركة الأمريكية مدينة بمئات الملايين من الدولارات عن خطأ لم ترتكبه.
وقال أنصاري دزفولي نائب المدير العام لشركة كيش: لا يسعنا القول: إنها مشكلة كيش لأن الشركة مستعدة لسداد الخسائر. وتابع: نفعل ما في وسعنا للتوصل إلى حل قانوني وسننجح في ذلك. وأضاف: إن المطالبات قد تستغرق تسويتها أعواماً بينما قد تكون العقوبات مؤقتة. ولم تواجه كيش أي مطالبات منذ تأسيسها العام الماضي.
بنود قهرية
وفي سياق متصل ذكرت مصادر في صناعة النفط أن المشترين اليابانيين للنفط الإيراني قد يطلبون من طهران إدراج بند التعرض لظروف قهرية في عقود الصفقات ما لم يتمكنوا من السداد أو تحميل النفط الإيراني بسبب نقص التغطية التأمينية للناقلات جراء عقوبات الاتحاد الأوروبي. وأضافت المصادر: إن من المتوقع أن تطلب بعض شركات التكرير إدراج البند عندما يبدؤون المفاوضات على العقود محددة الأجل التي تبدأ من أبريل لتجنب صعوبات غير متوقعة في تحميل الخام الإيراني.
ولن تتمكن شركات تأمين الشحن اليابانية سوى من توفير جزء يسير من التغطية للناقلات التي تقل النفط الإيراني بموجب عقوبات الاتحاد الأوروبي التي يبدأ سريانها في الأول من يوليو وتقول المصادر: إن شركات الشحن اليابانية ستجد على الأرجح صعوبة في نقل الخام من إيران ما لم يتم حل المسألة حينها.
الضغوط ترغم الهند على إلغاء شحنة من طهران
قالت مصادر في صناعة النفط: إن أكبر شركة شحن هندية اضطرت إلى إلغاء شحنة نفط هندية الشهر الماضي بعدما رفضت شركات تأمين أوروبية توفير تغطية للشحنة بسبب تشديد العقوبات على طهران. وأعلن الاتحاد الأوروبي في يناير عقوبات جديدة تحظر على شركات التأمين الأوروبية توفير تغطية لسفن تنقل النفط أو منتجات النفط الإيرانية إلى أي مكان في العالم.
وإيران ثاني أكبر مورد للنفط للهند بعد السعودية إذ تقدم نحو 12% من واردات النفط الهندية مقابل 11 مليار دولار سنوياً. وكانت الناقلة مهراجا أجراسين المملوكة لشركة الشحن الهندية الحكومية محجوزة في بداية الأمر لشركة انديان أويل كورب للتكرير لنقل خام إيراني في منتصف فبراير لكنها لم تتمكن من توفير الغطاء التأميني اللازم.
وقال مصدر في قطاع الشحن مطلع على الصفقة: "تقدم الرابطة الأوروبية للحماية والتعويض تغطية للعقود المبرمة قبل 23 يناير على أساس حالة بحالة وحتى الأول من يوليو». وقالوا إنه ليس بوسعهم تغطية العقود التي أبرمت بعد 23 يناير. وأكد اثنان من وسطاء الشحن إلغاء حجز الناقلة. وذكرت المصادر أن الشركتين الهنديتين أبرمتا الصفقة في السوق الفورية بعد 23 يناير.
وكان النفط الخام كمية إضافية على الصفقات السنوية بين انديان أويل كورب للتكرير وشركة النفط الوطنية الإيرانية. وكان انديان أويل الحكومية أبرمت اتفاقاً لشراء 30 ألف برميل يومياً من شركة النفط الوطنية الإيرانية في السنة المالية التي تنتهي في 31 مارس. أسعار النفط المرتفعة تهدد الانتعاش العالمي الهش
قال محللون إن ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها خلال تسعة أشهر لتصل إلى المستوى الذي بلغته عندما اندلعت الاضطرابات في ليبيا بالنصف الأول من عام 2011 يهدد انتعاش الاقتصاد العالمي الهش من جديد. وتظل التوقعات بشأن أسعار البترول تميل الى الارتفاع بسبب إيران.
وفي الوقت نفسه، قال إيان تايلور رئيس «فيتول جروب» أكبر شركة لتجارة البترول فى العالم: إن خام برنت قد يرتفع إلى 150 دولاراً للبرميل إذا شنت إسرائيل هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية. وذكر وزير الخزانة الأميركي تيموثي جيثنر في تقرير إعلامي ان الولايات المتحدة لم تستبعد إمكانية استغلال احتياطيها الاستراتيجي من البترول بعد دراسة متأنية للظروف.
واستخدمت الوكالة الدولية للطاقة الاحتياطي الاستراتيجي في يوليو 2011 وعرضت 60 مليون برميل من البترول رداً على تعطل إمداد البترول في ليبيا، غير أن المحللين يعتقدون ان الدول المتقدمة لا يمكنها إيجاد أسباب مشروعة لاتخاذ مثل هذه الإجراءات مرة أخرى. لأن تعطل الإمدادات من ليبيا كان بسبب الحرب ولكن انخفاض هذا العام بسبب العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الغرب.
ويعتمد بعض السياسيين على عروض بتوفير كميات إضافية من السعودية، أكبر مصدر في «أوبك»، والتي قامت بزيادة انتاجها وتعزيز الصادرات لتعويض النقص الناجم عن الحرب في ليبيا بـ 2011. غير ان مؤسسة جي بي سي الاستشارية للطاقة قدرت انه نتيجة للافتقار للاستثمارات وانخفاض الصادرات فإن إنتاج ايران قد ينخفض إلى 300 ألف برميل يومياً هذا العام.
وقالت مؤسسة جولدمان ساش في تقرير لها: إن قدرة الأوبك على توفير كميات إضافية تراجعت إلى مستوى «منخفض على نحو خطير» وقد لا تملأ الفجوة التي تركتها إيران. وتقدر مؤسسة ج.ب. مورجان ان سعر خام برنت هذا العام قد يصل الى 127.5 دولاراً. وتعتقد مؤسسة ميريل لينش ان أسعار البترول قد ترتفع الى 200 دولار للبرميل خلال حوالي خمسة أعوام.
ونتيجة لأسعار البترول المرتفعة، ترسل الحكومة الأميركية إشارات متضاربة بشأن ما اذا كانت مستعدة لبدء سياسة التخفيف الكمي . الأمر الذى قد يؤدي لارتفاع التضخم وعدم تحقيق نمو في فرص العمل. والأسوأ منذ ذلك ان ارتفاع اسعار البترول يضيف إلى الآثار السلبية التي تعاني منها الدول الأوروبية بسبب انكماش اقتصادها نتيجة أزمة الديون. وتوقعت المفوضية الأوروبية الأسبوع الماضي انكماشاً نسبته 0.3% في اقتصاد منطقة اليورو العام الحالي واظهرت البيانات التي نشرت هذا الأسبوع نشاطاً اقتصادياً ضعيفاً في أقوى اقتصادين أوروبيين، ألمانيا وفرنسا.
الانتعاش الاقتصادي
وتمكنت الولايات المتحدة من إنعاش اقتصادها من أسوأ ركود على مدى أجيال منذ بداية عام 2012. وانخفض معدل البطالة الى 8.3 في المائة بيناير، وهو أدنى مستوى خلال ثلاثة أعوام تقريباً. وفي الوقت نفسه، أعلنت بعض كبريات الشركات الأميركية مثل جنرال موتورز وكريسلر عن عودتهما لتحقيق أرباح.
غير أن تصاعد أسعار البترول يهدد النمو الاقتصادي الضعيف. وحذّرت وكالة الطاقة الدولية بأن السوق يعود إلى نفس الوضع المتوتر على نحو استثنائي الذي ساد النصف الأول من عام 2008. وساعد ارتفاع أسعار البترول في دفع أسعار التجزئة الأميركية للبنزين إلى مستويات قياسية في مثل هذا الوقت من العام. ووصلت أسعار ضخ الغاز الى 3.65 دولارات للغالون، بارتفاع بنسبة 5% منذ يناير. ويدرس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جولة اخرى من سياسة التخفيف الكمي لدفع الاقتصاد الراكد.
