وقع 25 بلدا من الاتحاد الاوروبي أمس خلال قمة في بروكسل معاهدة جديدة تفرض مزيدا الانضباط الميزاني في اوروبا التي تواجه ازمة الديون التي عصفت بمنطقة اليورو. ووصف رئيس الاتحاد الاوروبي هرمان فان رومبوي خلال حفل توقيع المعاهدة بمناسبة انعقاد قمة في بروكسل الخطوة بانها مرحلة مهمة لتعزيز الثقة في الاتحاد الاقتصادي والنقدي.
وتنص المعاهدة على فرض قواعد ذهبية للموازنة حول توازن الحسابات العامة وعلى فرض عقوبات تتسم بتلقائية اكبر على البلدان التي يتخطى عجزها السنوي العام حدود ال 3% من اجمالي الناتج المحلي. واعتبر رئيس الإتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبوي، توقيع المعاهدة بأنه "خطوة هامة" في معالجة الأزمة، و"خطوة أساسية لاستعادة الثقة بالإتحاد الأوروبي واقتصاده وعملته الموحدة". وأضاف رومبوي أن جهود احتواء أزمة الديون بدأت بالفعل تؤتي ثمارها. وأوضح: نرى مؤشرات واضحة على الاستقرار في الأسواق المالية ولكن لا يجب أن نشعر بالرضا عن الذات وعلينا أن نظل حذرين ومستعدين للتحرك.
ووقعت المعاهدة 25 فقط من الدول ال27 الاعضاء في الاتحاد الاوروبي. اما البلدان اللذان امتنعا عن التوقيع فهما بريطانيا والجمهورية التشيكية. وبات يتعين ان يصادق عليها 12 على الاقل من البلدان الموقعة قبل دخولها حيز التنفيذ. واي بلد من الاتحاد الاوروبي لا يصادق على المعاهدة لن يستفيد من مساعدات مالية يقدمها شركاؤه عبر الآلية الاوروبية للاستقرار التي تعد صندوق اغاثة يبدأ نشاطه هذا الصيف. وقد تواجه عملية التصديق هذه تعقيدات في ايرلندا التي اعلنت عن اجراء استفتاء حول هذا الموضوع.
القاعدة الذهبية
وأعلن الإتحاد الأوروبي في بيان أن العناصر الأساسية في المعاهدة تتضمن بنداً يتطلب أن تكون موازنات الدول الموقّعة عليها متوازنة أو في حالة فائض، وهو معيار يجب أن تتم تلبيته إذا كان لم يتجاوز العجز الحكومي الهيكلي 0.5% من الناتج المحلي. وأضاف البيان أن هذه القاعدة الخاصة بالموازنة والتي تعرف بـ"القاعدة الذهبية" يجب أن تدرج في قوانين الدول الموقعة على المعاهدة ويفضل أن يتم إدراجها في الدستور في غضون عام من دخول المعاهدة حيز التنفيذ. وتتضمن المعاهدة بنوداً حول تنسيق الدول الأعضاء لسياساتها الإقتصادية والحوكمة في منطقة اليورو، ومن بين ذلك عقد اجتماعات قمة اليورو مرتين كل عام.
إشارة قوية
وعبرت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل عن اعتقادها بأن المعاهدة الجديدة تشكل اشارة قوية تؤكد أن أوروبا تستخلص العبر من أزمتها المالية. وأضافت: فهمنا الاشارات التي ارسلتها الاسواق المالية ونتطلع الى مستقبل تكون فيه اوروبا موحدة سياسيا. وطالبت برلين بهذه المعاهدة الجديدة مقابل استمرار تضامنها المالي مع البلدان الضعيفة في منطقة اليورو. وقالت ميركل إن أوروبا حصلت على فرصة لالتقاط أنفاسها في مواجهة الأزمة المالية التي تحاصرها منذ أكثر من عامين بفضل المساعدة المالية غير المسبوقة من جانب البنك المركزي الأوروبي.
لكن ميركل حذرت من ضياع فرصة استعادة ثقة الأسواق إذا لم تتحرك أوروبا بسرعة لعلاج اقتصادها وإعادة العافية له. ودعت ميركل دول الاتحاد الأوروبي إلى زيادة قدراتها التنافسية في السوق العالمية باعتبار ذلك وسيلة وحيدة للتغلب على مشكلاتها المالية. وقالت إن أمام السياسيين الآن وقتا لتحسين القدرات التنافسية والنمو وسوق العمل. وأضافت: فقط إذا أنجزت أوروبا ذلك سوف يكون لنا مستقبل حقيقي يتيح خفض عجز الميزانية وفي نفس الوقت نضمن الرخاء وفرص العمل للشعوب في أوروبا.
تفاؤل يوناني
وقال وزراء مالية دول منطقة اليورو إن الصورة بالنسبة للأزمة المالية اليونانية تبدو أفضل بعد شهور من الأنباء السيئة حيث حققت اليونان تقدما ملحوظا في تنفيذ شروط المانحين الدوليين في حين اعتبرت مؤسسة مالية دولية مقرها لندن أن ما تم شطبه من ديون مستحقة على اليونان لا يصل إلى درجة إشهار إفلاس.
وقال وزير مالية ألمانيا فولفجانج شويبله: في ضوء ما سمعته حتى الآن فإن اليونان تبدو كأنها حققت تقدما كبيرا. وأضاف وزير مالية فرنسا فرانسو باريو: نحن فعلا راضون عما تحقق من تقدم في اليونان ونمضي في الاتجاه الصحيح واعتقد أننا نستطيع الاتفاق على هذا. وحتى رئيسة صندوق النقد الدولي الأشد تحفظا في العادة كريستيان لاغارد قالت: هناك انطباع إيجابي قوي عن العمل الجاد الذي يتم في اليونان.
وبدأت منطقة اليورو بتفعيل خطة انقاذ مالية غير مسبوقة تسمح بتفادي افلاس اليونان، معتبرة ان اثينا استوفت الشروط التي تم تحديدها في مجال التقشف والاصلاحات. واستجابت اليونان للشرط المسبق الاخير ليل الاربعاء الخميس مع تبني البرلمان اليوناني مشروع قانون ينص على تخفيض النفقات الصحية. والخطة الثانية من الدعم المالي التي وعدت بها اثينا تشمل مساعدة عامة بقيمة 130 مليار يورو والغاء جزء من الديون من جانب المصارف الدائنة في البلاد بحدود 107 مليارات يورو.
الى ذلك، ستضاف حوالى 35 مليار يورو من برنامج المساعدة الاول لليونان الذي تقرر في مايو 2010، اي دعم مالي اجمالي يفوق 270 مليار يورو. وفى الوقت نفسه، ذكر البنك المركزى الأوروبى ان سندات الديون القابلة للتداول فى السوق التى تصدرها اليونان أو تضمنها بالكامل ستصبح من حيث المبدأ ذات أهلية عند تنشيط برنامج تعزيز الضمانات وكذا عدد من الاجراءات التى تهدف إلى مساعدة اليونان فى برنامج التعديل الخاص بها.
ربيع أوروبا يركز على تحفيز النمو
اختتم كبار قادة الاتحاد الأوروبى قمة الربيع بتركيزهم ، للمرة الأولى منذ قرابة عامين، على تحفيز النمو من التعامل مع أزمة الديون. كما اتفقت القمة على منح صربيا وضع دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبى وإعادة تعيين هيرمان فان رومبوى فى منصب رئيس المجلس الأوروبى لمدة عامين ونصف العام. وقال رئيس المفوضية الأوروبية ان الوقت قد حان كي يتحرك الاتحاد الأوروبى من حالة الأزمة إلى حالة النمو .وقال إن أوروبا تحرز "تقدما ملحوظا" فى بعض الأولويات.
وضرب مثالا على ذلك بالانجاز الذي حققه الاتحاد الأوروبى فى تعزيز الحكومة الاقتصادية ، واستقرار الاسواق المالية والقطاع المصرفى، وتدعيم جدران الحماية المالية. وذكر انه ومن ثم، تحولت الأضواء إلى النمو.
ولكن ربما يكون التحول أيضا "ضرورة حتمية" لأن الاجراءات التقشفية السابقة الرامية إلى انهاء مشكلات الديون ادت إلى زيادة البطالة وتسببت فى ركود آخر يحوم فى أفق المنطقة. وكان الاتحاد الأوروبي طوال الشهور الماضية يتحدث عن أهمية عدم التركيز على إجراءات التقشف الاقتصادي والتركيز على إجراءات نمو الاقتصاد لكن أزمة الديون الأوروبية كانت تبدد هذه الدعوات. وبلغ معدل البطالة في منطقة اليورو التي تضم 17 دولة من دول الاتحاد الأوروبي 10.7% خلال يناير الماضي وفي الاتحاد الأوروبي ككل الذي يضم 27 دولة أوروبية 10.1% خلال الشهر نفسه.
وكان المعدل الأعلى من نصيب أسبانيا وبلغ 23.3% ثم اليونان وبلغ 19.9% والبرتغال 14.8% بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي "يورو ستات". وخرج اجتماع مشترك بين المفوضية الأوروبية وممثلي نقابات العام وأصحاب العمل في الاتحاد الأوروبي بنتيجة مفادها أن الموقف بالنسبة للتطورات الاقتصادية وعلى سبيل المثال بالنسبة للبطالة مازال خطيرا و في العديد من الدول الأعضاء مأساويا.
لكن البعض رأى أن الإجراءات الأخيرة لمعالجة أزمة ديون منطقة اليورو مثل حزمة قروض الإنقاذ المالي لليونان ومعاهدة ضوابط عجز الميزانية لدى الدول الأعضاء ستتيح لقادة الاتحاد الأوروبي فرصة لكي يركزوا على إجراءات تحفيز الاقتصاد.

