صوت البرلمان اليوناني في ساعة مبكرة من صباح أمس لصالح خطة تقشف قاسية فرضها الدائنون بهدف تفعيل خطة لإنقاذ البلاد وبقائها ضمن منطقة اليورو، بهدف الحصول على برنامج إنقاذ ثان من الإتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لتفادي الإفلاس، فيما احتشد آلاف المواطنين في شوارع أثينا محتجين على الخطة ما أدى الى مواجهات مع الشرطة. حيث شهدت عدة مناطق من البلاد تظاهرات عنيفة. وذكرت وزارة الصحة ان 54 شخصا اصيبوا بجروح في العاصمة أثينا.

وصوت 199 نائباً بـ"نعم" على خطة التقشف من أصل 300 فيما صوت 79 نائباً بـ"لا" و5 صوتوا بـ"حاضر" وامتنع الباقون على التصويت.

وصوت 22 نائباً من حزب (باسوك) الاشتراكي و21 نائباً من حزب الديمقراطية الجديدة بـ"لا" ضد قرارات حزبيهما اللذين يدعمان الحكومة الإئتلافية، ما أدى إلى طردهم من الحزبين.

وتعتبر هذه المرة الأولى في تاريخ اليونان التي يطرد فيها هذا العدد من النواب من أحزابهما في الوقت عينه.

وكان رئيس الحكومة الإئتلافية لوكاس باباديموس حذر أمس من الفوضى التي قد تعم البلاد في حال لم يصوت البرلمان لصالح خطة التقشف.

وتشمل الخطة عدة إجراءات غير شعبية تطال تخفيض 22% من قيمة الحد الأدنى للأجور وتخفيض إضافي بالرواتب التقاعدية وغيرها، وتهدف إلى الحصول على قرض جديد بقيمة 130 مليار يورو من المفوضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

 

مولوتوف وحجارة

وشهدت العاصمة أثينا ليل أمس أعمال عنف رافقت التصويت في البرلمان، ورمى محتجون يرتدون أقنعة قنابل مولوتوف وحجارة وردت عليهم الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع.

وأدت الإشتباكات إلى اشتعال النيران بعدد من المحال التجارية والمقاهي والمصارف.

وقالت وسائل الإعلام المحلية إن الاشتباكات أدت إلى إصابة أكثر من 50 متظاهراً بجروح بالإضافة إلى 40 شرطياً.

ودعا الحزب الاشتراكي باسوك وحزب الديموقراطية الجديدة اليميني المشاركان في حكومة الائتلاف الوطني برئاسة لوكاس باباديموس الى اقرار الخطة محذرين من اغراق البلاد في الفوضى واعلانها عاجزة عن السداد، واخراجها من منطقة اليورو. ولكن الفوضى كانت مستعرة في شوارع العاصمة اليونانية حيث نزل قرابة 80 الف شخص الى الشوارع واشتبكوا مع الشرطة وقام بعضهم باشعال النار في نحو اربعين مبنى او متجرا في وسط العاصمة، كما اعلنت وزارة حماية المواطن في بيان. والتهمت النيران متجرا فاخرا قبل ان يتمكن رجال الإطفاء من إيجاد طريق لاخمادها بسبب الانتشار الكثيف للمتظاهرين وحيث كانت تدور مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين ملثمين.

وفي سالونيكي تجمع نحو 20 الف شخص، واحصت الشرطة تخريب ستة مصارف.

مواجهات مع الشرطة

وبدأت التظاهرات في الثالثة بعد الظهر، وسرعان ما اندلعت المواجهات عندما حاولت مجموعة من المتظاهرين امام البرلمان اختراق الطوق الامني الكثيف الذي فرضته الشرطة حول المبنى. ورد عناصر الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع فانسحب المتظاهرون الى الشوارع المحاذية التي تحولت الى ساحة معركة حيث كان المتظاهرون يرشقون الحجارة وزجاجات المولوتوف على الشرطة التي ردت بالغاز المسيل للدموع.

وحطم ملثمون واجهات المخازن في الشوارع الرئيسية وسط العاصمة.

ولبى المتظاهرون دعوات نقابتي العاملين في القطاعين الخاص والعام واليسار الراديكالي.

وقال المؤلف الموسيقي اليوناني ميكيس ثيودوراكيس الذي انضم الى المتظاهرين في اثينا قبل التصويت على خطة التقشف: ان "النواب يستعدون للتصويت على تدابير ستؤدي الى موت اليونان لكن الشعب لن يستسلم".

 

مناقشات حادة

وشهد البرلمان الذي احاطه نحو ثلاثة الاف عنصر من الشرطة، مناقشات حادة بين مؤيدي الحكومة والمعارضة اليسارية.

وطلب وزير المال ايفانغيلوس فينيزيلوس وقد بدا عليه التوتر من النواب التصويت "بحلول مساء أمس الأول" حتى لا يعلن افلاس البلاد. وشدد الوزير الذي يخوض منذ اسابيع مفاوضات شاقة مع الدائنين، على ان دول مجموعة اليورو التي قد تجتمع غدا الاربعاء وهي تنتظر من النواب تبني الخطة قبل ان تفرج عن خطة الانقاذ الثانية لليونان والتي تنص على قرض جديد لا تقل قيمته عن 130 مليار يورو، وشطب 100 مليار من ديون اليونان.

واوضح وزير المال ان البلاد تأمل بمباشرة هذه العملية الاخيرة مع دائنيها في القطاع الخاص في موعد اقصاه 17 فبراير.

بدوره، دعا ممثل دائني القطاع الخاص تشارلز دالارا النواب الى الموافقة على الخطة محذرا في مقابلة مع صحيفة كاثيميريني من ان الوقت ينفد.

وشدد رئيس الوزراء اليوناني لوكاس باباديموس على "المسؤولية التاريخية" الملقاة على عاتق النواب لكي لا تغرق البلاد في الفوضى.

واكد باباديموس انه يدرك "التضحيات المؤلمة" المطلوبة من المواطنين اليونانيين، لكنه قال ان الخيار الاخر اي الافلاس، سيدفع البلاد الى "فوضى اقتصادية لا يمكن السيطرة عليها والى انهيار اجتماعي".

 

موافقات مسبقة

وكانت الحكومة الائتلافية اليونانية وافقت بالاجماع ليل الجمعة السبت على خطة التقشف التي يطالب بها الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي.

ولقيت كل هذه الاجراءات تأييد الحزبين الممثلين في الحكومة الائتلافية (الاشتراكي والمحافظ) لكنها ادت الى جدل وانقسامات تمثلت باستقالة ستة وزراء خلال الاسبوع اثنان من الحزب الاشتراكي، واربعة من حزب لاوس اليميني المتطرف ليعلن بذلك انسحابه من الحكومة احتجاجا على تدابير التقشف.

وقبل بداية التصويت، شدد رئيس الوزراء لوكاس باباديموس على ضرورة "التقدم مع اوروبا والعملة الموحدة" او اغراق البلاد "في البؤس، والافلاس، والتهميش، او الاستبعاد من منطقة اليورو".

وبدورهما، دعا رئيس حزب الديموقراطية الجديدة اليميني انتونيوس ساماراس ورئيس حزب باسوك الاشتراكي جورج باباندريو النواب الى اقرار خطة التقشف. وقال ساماراس ان التصويت هو من "الاصعب في التاريخ" بسبب الضغوط المفروضة على الشعب اليوناني.

وبعد التصويت اعلن كل من الحزبين شطب نحو عشرين من النواب من الكتلة النيابية لانهم صوتوا ضد الخطة.

ودان رئيس الوزراء باباديموس "العنف واعمال التخريب والتدمير" التي رافقت التظاهرات في كلمته امام البرلمان.

وكان لا بد من الحصول على تأييد النواب لفتح الطريق لحصول اليونان على المساعدة الضرورية لكي تتمكن من الايفاء بديونها في مارس حيث يتعين عليها تسديد 14,5 مليار يورو.

 

ضغط أوروبي

وقبل بداية التصويت، شدد وزيرا خارجية ومالية المانيا الضغوط على اثينا. وقال وزير المالية ولفغانغ شوبل ان "الوعود التي قدمتها اليونان لا تكفي. عليهم من خلال البرنامج الجديد، اولا تفعيل بنود البرنامج السباق والعمل على الادخار".

وتنص خطة التقشف على برنامج زمني جديد لعمليات الخصخصة والاصلاحات البنيوية، وعلى خفض هائل في رواتب القطاع الخاص.

وتحدد الخطة سقف العجز في الميزانية بأقل من 2,06 مليار يورو في 2012 قبل ان يبلغ في 2013 فائضا اوليا لا يقل عن 3,6 مليارات يورو، يفترض ان يرتفع الى 9,5 مليارات في 2014.

وترى النقابات اليونانية في هذه الاجراءات "ابتزازا" من مانحي الاموال، وان تطبيقها يحفر "قبر المجتمع" اليوناني. ودعا اليسار والشيوعيون الى تنظيم انتخابات مبكرة على اعتبار انه ليس امام اليونان ما تخسره.