أكد تقرير صادر عن البنك الدولي، أن ارتفاع معدلات الشيخوخة لا تقوض النمو فحسب، بل تجعل تحسين الماليات العامة أمراً صعباً للغاية.

وأوضح التقرير: على مدى السنوات الخمسين المقبلة من المتوقع أن تنكمش القوى العاملة في أوروبا بواقع 50 مليون شخص، وهو ما قد يهدد قدرتها على تنمية الاقتصاد بمعدلات مطردة، وستكون هناك حاجة للهجرة، التي تمثل مسألة صعبة للأوروبيين في ظل ارتفاع البطالة، لزيادة حجم قوة العمل.

 

فرص ضئيلة

وقال البنك: إن الفرص ضئيلة لأن تحقق أوروبا انتعاشاً اقتصادياً قوياً، حتى إذا جاء الركود المنتظر خفيفاً، وإن أوروبا تواجه نمواً ضعيفاً في المستقبل المنظور، تحت عبء ديون قد لا تصل إلى مستويات يمكن السيطرة عليها قبل عام 2030. وأضاف البنك أن إصلاحات رئيسية في الحكومات وعادات العمل هي وحدها التي ستنقذ أوروبا من تداعيات انكماش القوى العاملة وشيخوختها وارتفاع الديون والإنفاق العام.

وقال البنك في تقرير «النمو القوي قد يجعل مشكلات الدين تتلاشى، لكن احتمالات التعافي القوي ضئيلة». وتوقع البنك استمرار ضعف الناتج الاقتصادي حتى 2016 مع خفض الأسر والحكومات للديون واستمرار الحذر بين المستثمرين.

 

أزمة ثقة

وتسببت أزمة الديون السيادية لمنطقة اليورو في أزمة ثقة في أوروبا، من المرجح فيما يبدو أن تدفع القارة إلى الركود في أوائل 2012 بينما كانت تتعافى لتوها من الأزمة المالية التي عصفت بها في 2008-2009. ويركز الاتحاد الأوروبي على خفض عجز الميزانية لاستعادة ثقة المستثمرين وتفادي أزمة أخرى.

لكن البنك الدولي قال إن هذه المهمة ما زالت ضخمة، متوقعاً ألا تعود منطقة غرب أوروبا إلى مستويات الدين العام قبل الأزمة والبالغة 60% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030. وبحسب بيانات الاتحاد الأوروبي ستكون استونيا وفنلندا ولوكسمبورغغ وسلوفاكيا وسلوفينيا فقط من دول منطقة اليورو السبع عشرة تحت هذا المستوى في 2012.

 

تفاوت كبير

ومع سقوط الاقتصاد الأوروبي في الركود مجدداً، يواجه الاتحاد الأوروبي معضلة صعبة في تعزيز النمو وخفض الديون، كما يواجه تفاوتاً متزايداً في الإنتاجية بين الشمال الغني والجنوب والشرق الفقيرين. وقال فيليب لو أورو، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون أوروبا وآسيا الوسطى، اثناء عرض التقرير في بروكسل «لن تحل الأزمة دون نمو».

وقال التقرير إنه سيتعين على الحكومات في أوروبا أن تخفض حجمها أو تزيد كفاءتها، مشيراً إلى أن نمو حجم الحكومة بعشر نقاط مئوية يخفض معدل نمو الاقتصادات الأوروبية المتقدمة في الأجل الطويل بمقدار الثلث.

 

نموذج النمو

 

وقبل قمة زعماء الاتحاد الأوروبي بشأن النمو التي تعقد الأسبوع المقبل في بروكسل، قال البنك الدولي، إن هذه المنطقة التي يحسدها العالم منذ زمن على ارتفاع مستويات المعيشة تحتاج «توافقاً اجتماعياً» جديداً لمعالجة قضايا أكبر. وأكد التقرير أن نموذج النمو الأوروبي ظل قاطرةً للتقارب الاقتصادي خلال العقود القليلة الماضية، ووفر الرخاء لمئات الملايين من الناس في القارة.

وقال نائب رئيس البنك الدولي لأوروبا وآسيا الوسطى: يتعين على أوروبا إجراء تعديلات على نموذجها الاقتصادي، وليس التخلي عنه. فمع مواجهة ديناميكيات الدين السلبية الضارة والاتجاهات الديمغرافية غير المواتية، يدعو العديد من الأوروبيين إلى استحداث نموذج نمو جديد.

ورغم أنه من الجيد أنه ليس هناك أي تهاون في أوروبا، فإن فقدان الثقة يمكن أن يكون خَطِراً. وهناك العديد من السمات الجذابة بنموذج النمو الأوروبي أدت إلى رخاء مشترك لم يشهده أحد من قبل في أوروبا أو في أي مكان آخر. وهذه العناصر يجب أن يتم تعزيزها والبناء عليه.

 

آلية التقارب

من جانبه، قال إندرميت جيل، رئيس الخبراء الاقتصاديين بمكتب منطقة أوروبا وآسيا الوسطى بالبنك الدولي وأحد المؤلفين الرئيسيين للتقرير: يمكن للمرء أن يقول دون مبالغة إن أوروبا اخترعت «آلية التقارب الاقتصادي»، التي تستوعب البلدان الفقيرة وتساعدها على أن تصبح في مصاف الاقتصادات مرتفعة الدخل.

ويقلق الناس في شرق آسيا وأميركا اللاتينية بشأن «شرَك البلدان متوسطة الدخل»، لأن عدداً قليلاً من البلدان نمت بسرعة من دخل منخفض إلى دخل مرتفع. والبلدان التي فعلت ذلك خلال العقود القليلة الماضية إما كانت محظوظة مثل القلة القليلة التي عثرت على النفط أو قوية جداً وجريئة، مثل نمور شرق آسيا.

ولكن في أوروبا، حقق أكثر من اثنا عشر بلداً نامياً دخلاً مرتفعاً. ولكي ينجزوا عملاً جيداً في أوروبا، فإن كل ما احتاجوا إليه هو أن يكونوا منظمين ومنضبطين. وهذا هو ما يجعل النمو الاقتصادي في أوروبا فريداً من نوعه. ولأن التكامل التجاري والمالي سمة جوهرية من سمات الاقتصاد المتكامل في أوروبا، فإنه لا ينبغي أن يكون من الصعب إعادة تفعيل آلية التقارب.