منذ سنوات قليلة كان من الصعب تصور قيام زعماء أوروبا بالتوسل للحصول على الأموال للإنقاذ المالي من الصين. ولكن العالم قد تغير. فانفجار النظام المالي في عام 2008 في الولايات المتحدة وأوروبا إضافة إلى أزمة الديون السيادية الأوروبية التي برزت العام الماضي قد سارعت لتحول الزخم الاقتصادي لآسيا. وفي عام 2012 من المحتمل أن تقع كل من الولايات المتحدة وأوروبا في الركود الاقتصادي.

وتقول صحيفة الفايننشال تايمز عن التغيير الدرامي في الثروات: أثمر درجة من التفوق بين بعض الآسيويين. ويرى ميغناد ديساي الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد أنه ليس هناك أزمة الرأسمالية وإنما أزمة الرأسمالية الغربية التي تشيخ باستمرار فهو يرى أن الرأسمالية الحيوية قد انتقلت مع الابتكار والطاقة والجشع المحض للنمو نحو الشرق.

واللورد ديساي ليس وحده الذي يستشعر نوعاً من القصاص العادل الأخلاقي. فالبلدان الآسيوية ختم عليها من جانب الغرب لعدة قرون، كما يقول ديساي وحتى وقت قريب جداً خضعت للتوبيخ بوصفها (سلة القضايا) غير القادرة على إطعام ذاتها. الآن كما يقول ديساي هو شعب الجنوب بشكل عام وآسيا بشكل خاص هم من يديرون ويولدون جيل الثروات لرأسمالية على نحو أفضل.

 

أزمة الرأسمالية

وترى الصحيفة أن أزمة الرأسمالية في الغرب تزعزع بعمق كبير مناطق الشرق الآسيوي، فخلافاً لليابان وكوريا الجنوبية وعدد قليل من الدول الصغيرة الأخرى مثل سنغافورة والبلدان الآسيوية المماثلة لا تزال فقيرة في معظمها أو متوسطة الدخل في أحسن الأحوال.

والعديد منها رسم الطريق نحو مستقبل مزدهر عبر الاعتماد التدريجي وبصورة أكبر للسياسات (الرأسمالية) التي تتضمن فتح اقتصاداتها أمام قوى السوق من خلال تخفيف سيطرة الدول على البنوك وكذلك أسعار الفائدة وتحركات العملة. لكن هذا المسار لتحقيق الازدهار يبدو الآن أكثر خطورة من ذي قبل فهو فريسة للكساد وللكوارث المالية.

ويرى تشانغيانغ ري كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي أن هناك الكثير من التشويش والارتباك وهو نابع من حقيقة أن الحكومات الغربية قد تغيرت لهجتها جذرياً منذ أزمة آسيا المالية في عام 1997.

 

ممارسات متناقضة

ثم يأتي صندوق النقد الدولي الذي هو أشبه بزوجة الأب فيما تقوم الولايات المتحدة بتقديم وصفات جذرية للاقتصادات مثل تايلند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية. قيل لهم إنه على حكوماتهم خفض الإنفاق الحكومي حتى في عز طحن أزمة الركود الاقتصادي ورفع أسعار الفائدة وقطع الصلات بين البنوك والدولة والتحرير. اليوم الاقتصادات الغربية تقدم وصفات علاجية مخالفة لها تقريباً فهي تقوم بلي السياسة المالية والنقدية وخفض أسعار الفائدة واستخدام أموال الدولة لإنقاذ البنوك.

ومن المنظور الآسيوي هذه الممارسات تجعل الغرب يبدو منافقاً في أحسن الأحوال. وفي أسوأ الأحوال يبدو كما لو أن الافتراضات حول أفضل السبل لتشغيل الاقتصاد كلام فارغ.

ويقول تشانغيانغ ري: نحن نشعر بالمرارة فنحن أردنا أن نمارس هذه السياسات التدخلية، ولكن كان ممنوعاً علينا ذلك وبالتالي ما هو النموذج الذي ينبغي علينا لاتباعه الآن فالصين اتجهت لإصلاحات السوق تدريجياً؟ وأتساءل هنا: ما هي أفضل سرعة لتحقيق ذلك؟ وهم يتساءلون الآن إن كانت الغاية محقة أم لا.

 

الموقف الياباني

ريتشارد كو، كبير الاقتصاديين في معهد أبحاث نومورا، ينظر إلى الأزمة من منظور اليابان. فهو يقول: تم توبيخنا سنوات من قبل صانعي السياسة الغربيين لعدم شطب مشاكل تتعلق بقروضهم على نحو أسرع وكذلك لعدم اتخاذ تدابير جذرية للسياسة النقدية ولكن ما لم يفهموه هو أنه كان في فترة ما بعد انهيار ركود للميزانية العمومية حيث كان القطاع الخاص مديناً له ولم يعد يرغب في الاقتراض فيما لم تعد الحلول الاقتصادية العادية تعمل فالكتب الاقتصادية لا تحتوي على إجابات لمشاكل الرأسمالية الحالية.

ويضيف ريتشارد كو قائلاً: ما مررنا به في السنوات الـ20 الماضية في اليابان وما تمر به اليوم الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة هو أنه وحتى مع أسعار الفائدة الصفرية لا يريد الناس الاقتراض هم فقط يسددون ديونهم الراهنة. وتقول صحيفة الفايننشال تايمز: إنه إذا كان ريتشارد كو محقاً في هذا التحليل فإن الاقتصادات الغربية الآن من المرجح أن تمر بفترة طويلة على الطريقة اليابانية من النمو البطيء. وقد لا يكون العزاء في ذلك بكبير ولكن اليابان على الأقل ستكون قادرة على القول: "لقد قلنا لكم ذلك».

وتطرح أزمة الرأسمالية في الغرب تساؤلات عديدة للإشراف السليم للاقتصادات الآسيوية. والفكرة الرئيسية الموحدة تكمن في معرفة ما هو الدور النشط الذي يمكن أن تلعبه الدول؟ الاقتصادات الآسيوية تعرضت لانتقادات من الخبراء الغربيين لكونها تتدخل بشكل كبير.

وحتى وقت قريب كانت خطة معظمهم تتمثل في الإزالة التدريجية لتوجيه الدول. إلا أن فشل نظرية السوق العقلاني في الغرب والمزالق الواضحة للقوانين جعلت بعض صانعي القرار في آسيا أكثر حذراً من الاندفاع نحو التحرير.