أثارت التطورات الأخيرة التي تشهدها أزمة الديون الأوروبية والآخذة في التصاعد، مناقشات بشأن مستقبل اليورو، فمنذ عشر سنوات بدأ تداول اليورو في اتحاد للعملة وكان يضم آنذاك 12 دولة عضوة، قوبل اليورو بإشادة كبيرة ووصف بأنه علامة فارقة بارزة في الدرب الذي تسلكه أوروبا تجاه الوحدة، لكنه أصبح الآن في وضع حرج. وفي ذلك الوقت، كان الناس مقتنعين تماماً بأن أوروبا ستشرع في الإبحار على متن سفينة من النمو والازدهار المشتركين وكانت مشاعر التفاؤل كبيرة. لكن بعد مرور عشر سنوات، لم تكن الصورة وردية. فقد بدأت الدول الأعضاء في منطقة اليورو تنهار الواحدة تلو الآخرى تحت عبء الديون وتحصل على حزم إنقاذ من جيرانها. ويتعين على الجيران أنفسهم الآن مواكبة تكاليف الإقراض الآخذة في التصاعد في الأسواق العالمية.

فوائد كبيرة

ويقول كثيرون إن أزمة الديون هذه تنبثق عن نشأة معيبة لليورو. لكن ما ينبغي ملاحظته الفوائد العظيمة التي حظيت بها المنطقة والعالم نتيجة تطبيق نظام العملة الموحدة. وذكر أكثر من مسؤول أوروبي أن اليورو أكثر من مجرد عملة وأنه حجر الزاوية للرخاء الأوروبي. وبالفعل، يتقاسم كثيرون في القارة الأوروبية وخارجها نفس وجهة النظر.

جانبان متناقضان

وفضلاً عن هذا، وبالنظر إلى وضع اليورو كثاني أكبر عملة احتياطي نقدي على الصعيد الدولي ولكون الاتحاد الأوروبي يعد أكبر كتلة اقتصادية في العالم، فإن احتمالات تدهور العملة الأوروبية تثير سلسلة بشعة من ردود الفعل التي تخلف خسائر عبر العالم كله. وبالنظر إلى الجانب المشرق من القضية، فإن زعماء أوروبا أصبحوا أكثر عزماً على إزالة الثغرات الهيكلية في مشروع العملة الموحدة والتي ظهرت أثناء أزمة الديون المستمرة منذ عامين.

تقوية اللوائح

واتفق الزعماء على تقوية اللوائح المالية داخل منطقة اليورو، وإقامة نظام رقابة لرصد المخاطر المحتملة على الاقتصاد الكلي. والأهم من ذلك كله، قرر الزعماء مؤخراً بدء عمل صندوق الإنقاذ المالي الدائم في يوليو 2012، قبل عام من الموعد المحدد سلفاً. ومن المتوقع أن ينفذ قادة منطقة اليورو مزيداً من الإصلاحات في الأشهر المقبلة لتقوية العملة ولجعل الدول الغارقة في الديون حالياً تستطيع تحمل مسؤولياتها. وتعتمد استدامة وقوة العملة الأوروبية الموحدة على النمو الاقتصادي المستقر والمتوازن في منطقة اليورو. وفي وقت الشدة الحالي، يتعين على أعضاء المنطقة الذي يتمتعون بموارد أكثر عدم التردد في مد يد العون للجيران المثقلين بالديون، ليس فقط لإظهار التضامن ولكن أيضاً كخطوة ضرورية للمحافظة على أنفسهم سالمين على الأمد البعيد.

تضخيم الأزمة

ويرى محللون أن وكالات التصنيف الائتماني العالمية تتحمل مسؤولية كبيرة تحتم عليها عدم تضخيم أزمة الديون الأوروبية الحالية. وقالت «شينخوا» التي تعبر عادة عن وجهة نظر الحكومة الصينية، إن قرار ستاندرد اند بورز خفض تصنيف تسع دول بمنطقة اليورو من بينها فرنسا هو قرار مشروع، لكنها شككت في التوقيت، قائلة إن هناك علامات على انحسار الأزمة.

وقالت «شينخوا» في تعليق: خطوة خفض التصنيف من جانب ستاندرد اند بورز، وإن انطوت على بعض بواعث القلق المشروعة، إلا أنها تجدد الشكوك أيضاً بشأن مصداقية وكالات التصنيف. وأوضحت: في وقت تظهر فيه الأزمة بوادر انحسار، فإن خفض التصنيفات واسع النطاق الذي قامت به ستاندرد اند بورز يثقل كاهل السوق من جديد وينال من ثقة المستثمرين.

القوة والمسؤولية

ورأت «شينخوا» أن مع القوة تأتي المسؤولية. وأوضحت: في هذا السياق ينبغي على وكالات التصنيف أن تستخدم قوتها بحذر لتجنب أن تصبح عنصر تضخيم يبعث على الشؤم لأزمة الديون السيادية الحالية في أوروبا. وقالت الوكالة إن على وكالات التصنيف أن تتحلى بالموضوعية والمهنية في تحليل أوضاع السوق، وإن على المستثمرين أن يقللوا من اعتمادعهم على الوكالات ويصدروا أحكامهم بأنفسهم. وقالت إن فشل وكالات التصنيف في تقييم مخاطر المنتجات المالية قد ساهم في الأزمة المالية لعام 2008. وأضافت: في حين ينبغي تحذير المستثمرين العالميين من المخاطر الرئيسية لفوضى الديون الأوروبية، يجب على وكالات التصنيفات الائتمانية أيضاً أن تقوم بعملها بصدق وألا تكرر أخطاءها السابقة لكي تستعيد ثقة المستثمرين العالميين.