كثف القادة الأوروبيون من تحركاتهم خلال اليومين الماضيين لايجاد حل لازمة منطقة اليورو مع لقاء بين نيكولا ساركوزي وكريستين لاغارد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي في باريس وقمة مصغرة المانية ايطالية في برلين في حين تصدر المانيا اشارات اقتصادية مثيرة للقلق. وفي الوقت الذي أقرت فيه اسبانيا خطة تقشف لخفض النفقات بما يعادل 40 مليار يورو، حاول رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي طمأنة أسواق المال بشأن وضع بلاده المالي ونفى أن يكون الدين العام الكبير للحكومة الإيطالية خطرا على منطقة اليورو.
لقاءات مكثفة
وناقشت كريستين لاغارد مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الوضع الاقتصادي الدولي والوضع في منطقة اليورو التي تغرق في ازمة ديونها اكثر من اي وقت مضى. واستمر اللقاء ثلاثة ارباع الساعة في قصر الاليزية. وتناول البحث ايضا الوضع في اليونان. وكانت لاغارد التقت في برلين منتصف الأسبوع الماضي المستشارة الالمانية انغيلا ميركل ووزير ماليتها فولفغانغ شويبل ووزير الاقتصاد فيليب روسلر في حين يلوح في الافق اتفاق حول الغاء قسم من الديون اليونانية من قبل المصارف الخاصة.
ويتوقع ان يوافق صندوق النقد الدولي والمفوضية الاوروبية والبنك المركزي الاوروبي، وهي الجهات الدائنة لليونان، على تسديد شريحة جديدة من المساعدة المالية المقررة لاثينا لتفادي تخلفها عن السداد. وقال مصدر مقرب من الملف:
منذ ان اتفق الاتحاد الاوروبي والمصارف مبدئيا في اكتوبر، تدهور الوضع الاقتصادي في اليونان. وأضاف: هذا يمكن ان تكون له تداعيات على القدرة على تسديد الديون اليونانية في تلميح الى انه قد يتبين ان المطلوب هو الغاء قسم من ديون المصارف اعلى من نسبة الـ50% التي تحددت في الخريف.
وضع متوتر
واعتبر ساركوزي وانغيلا ميركل اللذان اجتمعا في وقت سابق أن الوضع متوتر للغاية. وقبل اللقاء الذي عقده في برلين، رفع مونتي اللهجة. واعرب عن الاسف بحسب ما جاء في صحيفة داي فلت الالمانية قائلا:
رغم التضحيات، لا يبدي الاتحاد الاوروبي اي التفاتة. وأوضح محذرا: اذا لم ير الايطاليون في مستقبل قريب نتائج ملموسة جراء استعدادهم للتوفير والاصلاح، نتوقع ولادة حركة احتجاج ضد الانضمام لاوروبا في ايطاليا، وستكون موجهة ايضا ضد المانيا التي تعتبر صاحبة فكرة عدم التساهل داخل الاتحاد الاوروبي، وضد البنك المركزي الاوروبي.
نكران الجميل
ووصفت مجلة در شبيغل الالمانية الواسعة الانتشار ماريو مونتي بأنه الضيف الناكر للجميل الذي يشكل مع الرئيس الفرنسي جبهة مشتركة ضد المستشارة وهوسها في التقشف. وربما حصل الثنائي الفرنسي الايطالي على بعض النتائج: فبحسب آخر صيغة لمشروع معاهدة الانضباط المالي فإن صلاحية فرض العقوبات لدى محكمة العدل والمفوضية الاوروبية كانت محدودة.
خصوصا وانه استنادا الى مطلب ايطالي، لم يعد واردا ايضا تطبيق العقوبات المالية الجديدة شبه التلقائية ضد الدول عندما تتدهور الديون العامة مقارنة بالعتبة القصوى المتمثلة في 60% من اجمالي الناتج الداخلي. وتمثل الديون الايطالية نحو 120% من اجمالي ناتجها الداخلي.
رسالة مهمة
لكن مونتي حاول وسط تلك الأجواء طمأنة الأسواق وقال: لا يجب أن يخاف أحد من إيطاليا فهي ليست مصدرا للعدوى المالية في منطقة اليورو. ويمكن للألمان أن يتوقعوا قيام الإيطاليين بدورهم من أجل الاستقرار. ومنذ توليه السلطة أمر مونتي بتكثيف الجهود الرامية إلى محاربة التهرب الضريبي كما أمر بخفض الإنفاق العام لتوفير مليارات اليورو للخزانة العامة. وتأتي تصريحات رئيس حكومة التكنوقراط الإيطالية في الوقت الذي عاقبت فيه أسواق المال إيطاليا طوال الشهور الماضية من خلال فرض سعر فائدة مرتفع للغاية على سنداتها السيادية. ويعد طرح سندات الخزانة غدا وبعد غد اختبارا مهما لموقف الأسواق من حكومة مونتي.
وتراجع عجز الموازنة الإيطالية إلى أدنى مستوى منذ 3 سنوات في الفصل الثالث من العام 2011. وبلغ العجز 4.3% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2011 أي أقل بنسبة 0.3% من الفترة ذاتها من العام 2010. وتراجع العجز في الفصل الثالث من العام 2011 بنسبة 0.8% عنه في الفصل الثالث من العام 2010 حين كان 3.5%. وتسعى إيطاليا إلى التخلّص من العجز في العام 2013.
إشارات مقلقة
وأعلنت المانيا نتيجة اخرى اكثر اهمية مع عجز يصل الى 1% العام الماضي. لكن اول اقتصاد في منطقة اليورو يصدر ايضا اشارات مثيرة للقلق: فهو وان سجل نموا قويا من 3% في 2011، فإن المحرك الاوروبي توقف في نهاية العام، وتراجع اجمالي الناتج الداخلي الالماني بواقع 0,25% في الفصل الاخير من العام. وهذا ما سوف يدل على عودة منطقة اليورو الى الانكماش بعدما لم يسجل الفصل الثالث 2011 سوى نمو من 0,1%، بحسب ارقام يوروستات التي تمت مراجعتها الى الانخفاض.
أزمة إسبانيا
ومررت اسبانيا التي تعاني أزمة مالية طاحنة خطة تقشف تهدف لخفض إنفاقها بما يفوق التوقعات في الوقت الذي أقر فيه البرلمان الاسباني اليوم حزمة أولية من إجراءات خفض النفقات. ونقلت صحيفة ألبايس الاسبانية عن رئيس الوزراء ماريانو راخوي القول للنواب في جلسة خاصة إن الإنفاق العام يجب أن ينخفض بمقدار 40 مليار يورو أي 51 مليار دولار.
وهذا المبلغ هو ضعف التقديرات الأولية لخفض الإنفاق المطلوب. ووصف وزير المالية كريستوبال مونتورو إجراءات التقشف بأنها الأشد منذ قيام الحكم الديمقراطي في اسبانيا بعد رحيل الديكتاتور الجنرال فرانشيسكو فرانكو عام 1975. وتم تمرير إجراءات التقشف بموافقة أعضاء حزب الشعب المحافظ الذي يقوده راخوي حيث يمتلك إلى جانب حليفه الكتالوني حزب سي.آي.يو أغلبية مطلقة في البرلمان.
