توقع روبرت سي دول، كبير خبراء الأسهم الاستراتيجيين بوحدة «الأسهم الأساسية» في شركة «بلاك روك»، أن يشهد المستثمرون في عام 2012 تباطؤاً في النمو الاقتصادي حول العالم، وفي حين يرجح أن يتعرض الاقتصاد الأميركي لضغوط خلال العام، إلا أنه سيحافظ على تحقيق نمو إيجابي على الأرجح ، بينما ستنزلق أوروبا إلى حالة من الركود مع تجنبها انتشار عدوى الأزمة المالية. ومن المرجح أن تستمر الضغوط بالنمو نتيجةً للآثار الناجمة عن «أزمة الائتمان» العالمية، بما فيها استمرار شطب الديون الذي سيحد من السياسات النقدية في كثير من أنحاء العالم. فعلى الرغم من استمرار أزمة الديون، إلا أن بيئة من النمو الاقتصادي المتواضع ستسمح لأرباح الشركات في النمو، وسوف تمهد هذه الخلفية لارتفاع أسواق الأسهم بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

ووفقاً لروبرت دول، فإن أهم المخاطر العالمية في هذا العام تتمثل في حدوث انهيار مالي في أوروبا، وهو أمر من شأنه أن يدفع اقتصاديات الدول المتقدمة، وربما أيضاً الاقتصاديات الناشئة، إلى ركود جديد. حيث يقول: «سيتمثل العامل الحاسم للاقتصاد العالمي في عام 2012 في نجاح الجهود المتواصلة لمعالجة قضايا الديون والائتمان في أوروبا. وسيكون الفشل في تقدم هذه الجهود كارثياً». ويضيف: «في الوقت ذاته، نحن لسنا في حاجة لأن تحل أوروبا جميع مشاكلها ليتاح للعالم التمتع بعام جيد في 2012، فنظراً لأن الأسواق أخذت مسبقاً تبعات الأزمة الأوروبية بعين الاعتبار، فإن تجنب الكارثة يعد كافياً في حد ذاته».

وإلى جانب التحرك الأوروبي نحو حل أزمة الديون تشمل قائمة «ما يمكن أن يسير في الاتجاه الصحيح» في عام 2012 التي وضعها الخبير الاستراتيجي روبرت دول، اتجاه الولايات المتحدة الأميركية نحو اعتماد سياسة مالية تتسم بالمسؤولية، وظهور نهضة صناعية فيها وانتعاش سوق الإسكان و/أو تعزز الثقة. بينما تشمل قائمة «عوامل القلق الرئيسية» حدوث أزمة مصرفية شاملة في أوروبا، وحالة ركود مزدوج حقيقي في الولايات المتحدة، وحدوث هبوط حاد للنمو في الصين، وتفاقم الصراع الطبقي في الولايات المتحدة، وتأزم الأوضاع في الشرق الأوسط، ما يدفع بسعر برميل النفط إلى مستوى 150 دولاراً أميركياً.

يوضح دول بقوله: «من المرجح أن يمضي العالم في عام 2012 في طريق وسطي من شأنه أن يجنبه الآثار المتطرفة سواء كانت إيجابية أو سلبية، ولكنه سيترك أيضاً مجموعة من القضايا المهمة التي لم تحل. ومع ذلك، ينبغي أن يكون هذا الطريق الوسطي جيداً بما يكفي لمساعدة المستثمرين على الخروج من حالة الترقب، وتشغيل أموالهم، والانتقال إلى أصول ذات مخاطر أعلى. وهو أمر من شأنه أن ينعكس إيجابياً على أسواق الأوراق المالية».

 

تباين في أداء الدول

وهناك إجماع ضمن معهد بلاك روك للاستثمار على أن العالم سيشهد على الأرجح في عام 2012 تصاعد حدة «التباين» في الأداء بين الأسواق الناشئة الأسرع نمواً وأسواق العالم المتقدمة المثقلة بالديون، سواء من حيث النمو الحقيقي لاقتصادياتها أو من حيث أسعار الأصول بها. وفي ظل سيناريو «التباين»، ستقود الاقتصادات الناشئة (بما فيها الصين) طريق النمو، في حين يتذبذب اقتصاد الولايات المتحدة ويشهد الاقتصاد الأوروبي حالة من الركود يتبعها انتعاش بطيء في عام 2013.

في الوقت نفسه، يرى معهد بلاك روك للاستثمار أيضاً إمكانية حقيقية لحدوث سيناريو «الانهيار» الذي يثيره خروج أزمة الديون الأوروبية عن نطاق السيطرة. وسينجم عن حدوث هذا السيناريو ركود اقتصادي عالمي، وأزمة ائتمان وخسائر حادة في جميع فئات الأصول في جميع أنحاء العالم.

الاقتصاد الأميركي

ويتوقع روبرت دول أن تتضافر عوامل تتراوح بين تسجيل الشركات أداء قوياً، واستمرار تحسن الاستهلاك، ومعاناة القطاع الحكومي من العجز المالي في توفير نمو اقتصادي إيجابي متواضع في الولايات المتحدة خلال عام 2012. وبينما قد تكون هناك بعض خيبات الأمل والمفاجآت الإيجابية على مدى العام، يتوقع دول تحقيق معدل نمو يتراوح ما بين 2-2.5%. ويقول: «كما هو الحال مع العالم بشكلٍ عام، يمكن لاقتصاد الولايات المتحدة أن يتمتع بعام جيد وذلك فقط من خلال الاستمرار في المضي قدماً رغم الصعوبات». ويضيف: «المخاوف من الركود يمكن أن تعاود الظهور، لكن الركود لن يحدث إلا إذا تدهورت الأوضاع في أوروبا بشكل كبير، الأمر الذي يمكن أن يقود إلى حدوث سيناريو الانهيار الذي حدده معهد بلاك روك للاستثمار. وبشكل عام نتوقع أن تواصل معدلات البطالة تراجعها بشكل طفيف مع استمرار النمو المخيب للآمال في ما يتعلق بعدد الوظائف الجديدة». كما يتوقع نمو أرباح الشركات الأميركية بمعدلات معتدلة، ولكنها من المستبعد أن تتجاوز التقديرات وذلك للمرة الأولى منذ الكساد الكبير. ويوضح دول: «لقد واصلت أرباح الشركات تجاوز التوقعات منذ بداية الانتعاش الاقتصادي في عام 2009، ولكن نمو الأرباح سيتباطأ في عام 2012 كما حدث في عام 2011، وستفشل في تجاوز التوقعات خلال العام الحالي. وبشكل عام ستكون تقارير الأرباح مقبولة، ولكن دون مستوى التميز». وفي حين أن تقديرات الأرباح لعام 2012 لمؤشر (ستاندارد آند بورز 500) تحوم حول معدل 108 دولارات تقريباً في الوقت الراهن، يرى روبرت دول أن معدل 103 دولارات مرجح أكثر، مع معدل نمو في الأرباح يبلغ نحو 6%. في الوقت نفسه، من المرجح أن ترتفع أسعار السندات بشكل طفيف في عام 2012 إذا انحسر تأثير «عامل الأزمة» الذي أبقى الأصول عالية المخاطر رخيصة وعائدات السندات منخفضة. ويضيف روبرت: «إذا تراجعت مخاطر الديون الأوروبية، ينبغي أن تحقق الأصول عالية المخاطر بشكلٍ أفضل، مع انخفاض في هوامش الائتمان».

 

أسهم وول ستريت

سوف تحقق الأسهم الأميركية في وول ستريت مكاسب ثنائية الرقم في عام 2012 ما سيؤدي إلى ارتفاع طفيف في مضاعفات أسعار الأسهم للمرة الأولى منذ الركود. ويوضح دول بقوله: «بعد تراجعها بنسبة 15٪ في عام 2011، سوف تزيد تقييمات الأسعار في عام 2012 مع تحسن الثقة على خلفية تحقيق معدل نمو اقتصادي مقبول إلى جانب استمرار انخفاض معدلات التضخم وأسعار الفائدة». ويضيف: «إذا تحقق سيناريو استمرار النمو الذي نتوقعه، فإن ذلك سيكون كافياً لتعزيز ثقة المستثمرين، ما يؤدي إلى تدفق رؤوس الأموال إلى الأسهم». ويضع دول المستوى المستهدف لمؤشر ستاندارد آند بورز 500 في نهاية العام عند مستوى يفوق 1,350 نقطة (أغلق المؤشر على مستوى 1,257 نقطة في يوم التداول الأخير من عام 2011). ومع نمو الأرباح بمعدلات معقولة وتقييم الأسهم بكونها رخيصة، ينبغي أن تتفوق أسواق الأسهم الأميركية على الأسواق الأخرى للعام الثالث على التوالي، ويقول روبرت دول بهذا الشأن: «لقد كان أداء الأسواق الناشئة متدنياً بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى تشديد السياسات النقدية نتيجة المخاوف من تصاعد التضخم، ما أدى إلى حدوث تباطؤ اقتصادي، ورغم ذلك سوف تستأنف أسواق الأسهم الناشئة أداءها المتفوق، وربما خلال عام 2012».