يبدأ الاقتصاد العالمي اليوم أول أيام العام 2012 واهناً ومتألماً من الضربات الموجعة التي لحقت به جراء أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو والولايات المتحدة الأميركية الأمر الذي يلقي بظلال قاتمة على الاقتصاد الحقيقي.
وقال غان هاتزيوس كبير خبراء الاقتصاد في مؤسسة غولدمان ساكس الأميركية للأنشطة المصرفية الاستثمارية والأوراق المالية إن أكبر المخاطر تكمن في التأثيرات المضاعفة بين الديون السيادية وأسواق المال والاقتصاد الحقيقي وتوقع هاتزيوس حدوث ركود في أوروبا خصوصاً في منطقة اليورو، حيث إن متوسط توقعات العام هو انكماش بنسبة 0.8%.
وسيكون الركود أخف إلى حد ما في ألمانيا، لكنه أكبر في إسبانيا وإيطاليا. وفي الولايات المتحدة توقع المزيد من نفس ما شهده العام الماضي أي عدم حدوث تغير كبير بالمقارنة بعام 2011 بما يعني معدل نمو يتراوح بين 1.2 إلى 2% مع استمرار معدل البطالة المرتفع عند نحو 9%.
ركود فعلي
وأشار هاتزيوس إلى أن العالم يشهد بالفعل ركوداً في المؤشرات الاقتصادية، على سبيل المثال في مؤشرات ثقة الشركات وأوضاع أسواق المال لا تزال محكومة، علاوة على الآثار العكسية للسياسات المالية من زيادة الضرائب وخفض الإنفاق خصوصاً في الدول التي تقع في محيط منطقة اليورو.
وبالنسبة لتوقعات 2012 قال هاتزيوس: بالنظر إلى منطقة اليورو، انكمش الاقتصاد بنسبة 4% في عام 2009، والآن نتوقع انكماشاً بحوالي 1%. وإذا تفاقمت أزمة الديون بشكل أكبر وتعرضت منطقة اليورو للانفراط، فإن الانهيار الاقتصادي قد يكون بالتأكيد أكثر سوءاً من الوضع قبل عامين.
وأكد أن أكبر المخاطر تكمن في التأثيرات المضاعفة بين الديون السيادية وأسواق المال والاقتصاد الحقيقي. وقال إنه يتعين على إيطاليا وإسبانيا إعادة تمويل حجم كبير جداً من السندات الحكومية في عام 2012. وأضاف: إذا لم يتم الوفاء بتلك الاحتياجات بأسعار فائدة مرنة من جانب الأسواق أو البنك المركزي الأوروبي إذا دعت الضرورة فحينئذ سيكون هناك خطر تفاقم الأزمة وبما يؤدي إلى ركود أكبر.
الإجراء المطلوب
وحول الإجراءات المطلوبة للحيلولة دون انهيار منطقة اليورو قال هاتزيوس: في ضوء الآثار العكسية للسياسة المالية المتوقعة، أصبحت هناك حاجة إلى سياسة نقدية توسعية على نحو أكبر بكثير من جانب البنك المركزي الأوروبي. وعبر هاتزيوس عن اعتقاده بأن الاتحاد المالي الكامل أمر مستبعد نسبياً، لكنه أشار إلى إمكانية أن يقوم البنك المركزي الأوروبي بدور أكبر عما يقوم به حتى الآن، ويمكن أن يكون لذلك تأثير إيجابي على الأوضاع المالية والاقتصاد الحقيقي.
الدرس الأميركي
وأوضح هاتزيوس أنه بالمقارنة بالأزمة التي نشأت عن الانهيار المالي الأميركي عامي 2008 2009 وأزمة الديون الأوروبية وطريقة معالجة كل منهما، فإنه عندما تبدأ مختلف العوامل في إحداث أزمة سيقوم الاقتصاد الحقيقي والنظام المالي والسياسة الحكومية بتغذية بعضها البعض بشكل فعلي، وحينئذ سيكون العالم في حاجة إلى جهد قوي جداً لإحداث استقرار في النظام. وأضاف: هذا هو ما استطاع تحقيقه متخذو القرار الاقتصادي في الولايات المتحدة خصوصاً بعد انهيار مصرف ليمان براذرز. وحتى ذلك الحين كان عملاً مجزأ قطعة قطعة، وبعد ذلك أصبح أكثر حسماً بشكل أكبر. وحتى الآن لم يحدث ذلك في أوروبا، حيث إنه لم تحدث إعادة توجيه راديكالية للسياسات خصوصاً السياسة النقدية في منطقة اليورو.
خيارات عديدة
وأشار هاتزيوس إلى أن كلاً من البنك المركزي الأوروبي ومجلس الاحتياطي الأميركي في وضع يسمح لهما القيام بالكثير. وأوضح: البنك المركزي الأوروبي في بعض المجالات لديه هامش كبير للمناورة عن مجلس الاحتياط. وبالطبع الوضع معقد للعمل كبنك مركزي في منطقة عملة مؤلفة من سبع عشرة دولة. ورغم ذلك فإن البنك لديه بشكل جوهري مهمة دراسة الاستقرار الاقتصادي والمالي لمنطقة اليورو.
وعما إذا كانت الاختلافات الثقافية هي التي أدت إلى أن تقوم الولايات المتحدة بتدخل أكثر قوة عبر السياسة النقدية قال هاتزيوس: في الولايات المتحدة، لديهم رؤية أكثر براغماتية للسياسة النقدية. وبالنسبة للأميركيين، هي مجرد أداة في نهاية المطاف ليس من أجل إبقاء التضخم عند حوالي 2% في الأجل المتوسط، وإما أيضاً لإحداث استقرار في المدى القصير. وفي أوروبا، هناك استعداد قليل على استخدام السياسة النقدية لتنظيم الطلب على مستوى الاقتصاد الكلي.
أصل الأزمة
وشرح هاتزيوس أسباب الأزمة وأصلها بالقول: السبب الرئيسي هو الأخطاء التي ارتكبت عند إنشاء الاتحاد النقدي الأوروبي. الاقتصادات في الدول المنفردة تنمو بشكل مختلف جداً وهناك تحرك محدود جداً فقط للعمال بين دول اليورو، كما أن انتقال التدفقات المالية محدودة. وقال هاتزيوس إن الأميركيين كانوا أكثر سرعة في تعلم الدروس من الأزمة الاقتصادية السابقة ودعم ذلك بالقول: على سبيل المثال أصبحت نسب احتياطيات رأس المال بالبنوك الأميركية أعلى من نظيرتها في البنوك الأوروبية. ورأى هاتزيوس أن الأميركيين قلقون لأن انتعاش اقتصادهم لا يزال هشاً جداً، وأي صدمة شديدة في أوروبا يمكن أن تدفع الولايات المتحدة مرة أخرى إلى الركود أيضاً.
طريق طويل
وفي سياق متصل قالت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل انه يجب على أوروبا التعاون بشكل أوثق إذا كانت تريد نجاح اليورو كعملتها المشتركة. وأضافت ان مازال أمام أوروبا طريق طويل قبل التغلب على مشكلتها المتعلقة بالديون السيادية. وقالت ميركل إنها ستفعل كل ما في وسعها لتعزيز اليورو، ولكنها أوضحت ان هذا لن ينجح إلا إذا استفادت أوروبا من أخطائها. وأكدت ميركل أنه لا يمكن لأي عملة مشتركة ان تنجح بشكل حقيقي إلا إذا تعاونت أوروبا بشكل أكبر مما فعلت. وأضافت ان الطريق للتغلب على ذلك مازال طويلاً ولن يكون خالياً من النكسات ولكن في نهايته ستخرج أوروبا من الأزمة أقوى مما دخلتها. وقالت ميركل أيضاً انه على الرغم من ان الاقتصاد الألماني يسير بشكل جيد فإن العام المقبل سيكون بلا شك أكثر صعوبة من هذا العام.
دفاع مستميت
ودافعت ميركل عن العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) وعن الانتقادات الموجهة إليها وقالت إنها جعلت الاقتصاد الألماني أقوى.
وأوضحت: العديد منكم شعروا بالقلق إزاء أمن العملة لكنها سهلت الأمور خلال الـ10 أعوام التي تم خلالها تداول عملات اليورو المعدنية والورقية.
وتابعت: اليورو سهل الحياة اليومية للجميع منذ ذلك الحين وزاد اقتصادنا قوة. وأكدت ميركل أن اليورو حمى أوروبا في الأزمة المالية والاقتصادية عام 2008 من أمور أسوأ كان من الممكن أن تحدث.
الديون الأميركية
وفي الجانب الآخر من الأطلسي أكدت وزارة الخزانة الأميركية ان الحكومة ستبلغ الحد الأقصى للديون البالغ 15,2 تريليون دولار خلال هذا الأسبوع، وأنها باتت على بعد 100 مليار دولار من هذا الحد. لكن الوزارة شددت على أنها ستتخذ الإجراءات لضمان ألا تتخلف الحكومة الأميركية عن سداد ديونها. وقال مسؤولون أميركيون ان الرئيس باراك أوباما سيرجئ الطلب من الكونغرس الموافقة على مبلغ 1,2 تريليون دولار لزيادة سقف الدين الحكومي وذلك لمنح النواب فرصة تمضية إجازاتهم قبل درس الطلب.
غير ان مسؤولًا بارزاً في البيت الأبيض قال ان القرار مجرد مناورة إجرائية لا ينبغي ان تثير قلق الأسواق.
وما ان يطلب الرئيس رفع سقف الديون حتى يعطى الكونغرس مهلة 15 يوماً للاعتراض على الطلب. لكن وبما ان نواب الكونغرس يمضون عطلات عيد الميلاد ورأس السنة، فقد طلب رئيسا مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس إرجاء تقديم الرئيس طلبه، حسبما قال نائب المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ايرنست في هاواي حيث يمضي أوباما أجازة أيضاً.
السيناريو المقبل
وكان الكونغرس وافق في 31 يوليو على زيادة سقف ديون البلاد على الفور بمقدار 400 مليار دولار، ومن ثم رفعها على مراحل لاحقة حسب الضرورة.
ولا يمكن عرقلة زيادة سقف الديون إلا في حالة اتخذ مجلسا الكونغرس، النواب والشيوخ، قرارات بمعارضة ذلك. وحتى إذا رفض الكونغرس زيادة سقف الديون، فإن لدى أوباما صلاحية رئاسية لاستخدام الفيتو ضد أي تحرك معارض. ولا يتوقع المسؤولون ان تتكرر المواجهة بين الجمهوريين والبيت الأبيض حول زيادة سقف الديون التي أثارت مخاوف من تخلف الحكومة الأميركية عن سداد ديونها للمرة الأولى في التاريخ. ففي سبتمبر رفض مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون تحركاً لعرقلة زيادة سقف الديون بمقدار 500 مليار دولار.
غير ان مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون تبنى قراراً رمزياً برفض رفع سقف الديون. لكن مع اقتراب موسم الانتخابات الرئاسية سيكون من شأن طلب أوباما مجدداً زيادة الاقتراض إطلاق معركة سياسية جديدة. وإذا لم تنجح معارضة زيادة سقف الديون التي تضخمت بسبب الحروب في العراق وأفغانستان، فسيرتفع سقف الاقتراض إلى حوالي 16,4 تريليون دولار.
وستؤجل المشكلة بشكل مؤقت حتى أواخر العام الجديد، حيث من المتوقع ان تحتاج البلاد لزيادة سقف ديونها مجدداً بعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2012.
ومن المقرر ان يعاود مجلس النواب جلساته في السابع عشر من يناير الجاري بينما يعود مجلس الشيوخ للعمل في واشنطن في 23 من الشهر نفسه.
