أكد كبير اقتصاديي مصرف دويتشه بنك إن عام 2012 سيكون عاما حاسما بالنسبة لليورو وإن إيطاليا ستلعب في ذلك الدور الحاسم. وقال توماس ماير في تصريح لصحيفة «فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج»: سيكون السؤال عما إذا كان اليورو سيستمر أم لا...

وأشار ماير إلى أن إيطاليا ستنزلق إلى ركود عميق مطلع عام 2012 وقال: إذا نجحت إيطاليا في الخروج من ذلك قبل الانتخابات المزمعة في مايو 2013، وهو ما أتوقعه، فمن الممكن أن تكون مثالا يحتذى به لجميع دول جنوب أوروبا، وإلا فستتفكك منطقة اليورو.

وأكد كبير اقتصاديي مصرف دويتشه بنك، أكبر بنك في ألمانيا، أنه لم يعد من المستبعد أن تخرج إحدى الدول من منطقة العملة الأوروبية الموحدة مضيفا: لم يعد الحديث عن احتمال خروج اليونان من الاتحاد من المحظورات.

 

أزمة اليونان

وأوضح أن هناك خطرا من أن تسفر الانتخابات المقررة العام المقبل في اليونان عن حكومة لا تريد مواصلة عملية التكيف مع الوضع الاقتصادي المتأزم أو أنها لا تمتلك القدرة على ذلك وهو ما من شأنه أن يؤدي على الأرجح لوقف برامج المساعدات، وعندها سيضطر اليونانيون لطبع نقود خاصة بهم لتسديد فواتيرهم.

يشار إلى أن إيطاليا هي الأكثر ديونا في أوروبا بعد اليونان مقارنة بقوة اقتصادها وأن إجمالي ديونها يبلغ نحو 1.9 تريليون يورو وهو ما دعا رئيس الحكومة الإيطالية ماريو مونتي إلى أن يعتمد برنامج تقشف شديد.

ويتضمن برنامج التقشف الذي اعتمده مونتي، المفوض الأوروبي السابق، زيادة الضريبة المضافة بواقع 2% وزيادة الضرائب على التبغ والبنزين وفرض ضريبة عقارية على المنزل الأول.

ويخشى بعض الخبراء من أن لا يستطيع اليورو تحمل عجز إيطاليا صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا عن تسديد ديونها.

 

العملة الاوروبية الموحدة

وفرض اليورو نفسه على ملايين الاوروبيين منذ اعتماده قبل عشر سنوات بدون ان ينجح في الفوز بقلوبهم ولا في فرض نفسه على الاسواق التي باتت اليوم تشكك في وجوده حتى.

وبعدما بدأ التداول بالعملة الاوروبية الموحدة منذ العام 1999 في الاسواق المالية، ظهرت في الحياة اليومية لمواطني 12 دولة اوروبية في الاول من كانون الثاني/يناير 2002 مع سحب العملات الوطنية مثل الفرنك الفرنسي والمارك الالماني وغيرها من التداول.

واليوم باتت منطقة اليورو تشمل 332 مليون شخص في 17 دولة بلغت فيها الكتلة النقدية قيد التداول في منتصف 2011، 14,2 مليار ورقة مالية و95,6 مليار قطعة نقدية بقيمة تقارب 870 مليار يورو، بحسب ارقام البنك المركزي الاوروبي.

وتثني الاوساط السياسية والاقتصادية الاوروبية على فوائد اليورو فتذكر المفوضية الاوروبية على موقعها الالكتروني انه اتاح "خيارات اوسع واسعارا اكثر استقرارا للمستهلكين والمزيد من الامان والفرص للشركات والاسواق" فضلا عن كونه "مؤشرا ملموسا الى هوية اوروبية".

 

مشاعر الارتياب

لكن مع اندلاع ازمة اليورو التي انطلقت من اليونان عام 2010 قبل ان تمتد تدريجيا الى منطقة اليورو برمتها، عادت المآخذ القديمة الى الظهور فغلب التشكيك في جدوى اليورو والاتحاد الاوروبي وازدادت مشاعر الارتياب ما بين بلدان شمال منطقة اليورو وبلدان جنوبها لتصل الى حد غير مسبوق.

وبالرغم من فوائد العملة الموحدة في مجالات مثل السفر، يقول اندري سابير الخبير الاقتصادي في مركز بروغل للابحاث حول السياسات الاقتصادية في اوروبا ان "المستهلكين لم يكونوا يوما مرتاحين كثيرا (لليورو) وبقيت لديهم تلك الفكرة التي ظهرت منذ بدء اعتماده بانه يعني زيادة في الاسعار".

وان كان البنك المركزي الاوروبي حرص على الحفاظ على استقرار الاسعار مع بقاء نسبة التضخم بحدود 2% سنويا منذ 1999، الا ان تركيز المستهلكين انتباههم على اسعار مواد الاستهلاك اليومي مثل الخبز والبنزين اثار ظاهرة تضخم شعر بها جميع سكان الدول التي انتقلت الى اليورو.

واوضح سابير ان الذين ما زالوا يقارنون الاسعار باليورو مع الاسعار بعملاتهم الوطنية السابقة "يقومون بتلك (المقارنة) حتما مع الاسعار قبل عشر سنوات" ما يولد ذلك الانطباع بحصول تضخم قوي الذي ما زال منتشرا لدى العديد من الاوروبيين اليوم.

 

الهوية الاوروبية

اما الهوية الاوروبية التي كان يفترض ان يرسخها اليورو، فقد تلقت ضربة قوية مع ازمة الديون الاوروبية والمفاوضات الشاقة والمطولة بحثا عن حل لها والتي واكبتها مشاعر ريبة ونقمة اذ اتهم الالمان اليونانيون ب"الخمول" فيما بدرت عن بعض الايطاليين والفرنسيين مؤخرا مواقف تنم عن عداء للالمان.

الشركات من جهتها تثني على فوائد اليورو، ولا سيما في المانيا حيث يشير يورغن بيبر المحلل في مصرف ميتسلر الالماني الى ان قطاع صناعة السيارات الذي يحتل حيزا مهما من الاقتصاد الالماني حقق مدخرات تتراوح بين 300 و500 مليون يورو في السنة على صعيد كلفة التعاملات المصرفية منذ اعتماد العملة الموحدة.

لكن سابير يلفت الى ان اليورو لم يكن سوى "عامل من بين عوامل عديدة" حركت الاقتصاد الاوروبي الذي حقق اساسا اندماجا واسعا منذ معاهدة ماستريخت واسقاط الحدود بين دول فضاء شينغن عام 1993، ثم توسيع الاتحاد الاوروبي الى اوروبا الشرقية اعتبارا من 2004، فضلا عن العولمة.

وقال فيليب وايت الباحث في مركز الاصلاح الاوروبي في لندن ان "كل شيء كان يسير على ما يرام حتى قيام الازمة المالية التي كشفت عن الثغرات المؤسساتية في منطقة اليورو".

وادى انعدام الاندماج المالي وقلة الرقابة على النظام المصرفي مع الوقت الى نقاط خلل كبرى.

وقال الباحث البريطاني ان التدني الشديد في نسب الفوائد في اوروبا الجنوبية الذي واكب الانتقال الى العملة الموحدة، حث الحكومات وكذلك المؤسسات والاسر على الاسراف في الاقتراض في حين ان العديد من دول الشمال "اساء تقدير المخاطر".

واتفقت دول منطقة اليورو في ديسمبر على تعزيز الانضباط المالي من خلال ارسائه في المعاهدات الاوروبية، لكن بدون ان تصل الى عتبة الفدرالية.

لكن بالرغم من هذه المشاكل، الا ان احدا لا يفكر جديا في العودة الى العملات الوطنية السابقة، رغم ظهور حنين اليها ولا سيما لدى الالمان الذين كانوا متمسكين بالمارك لكونه رمز معجزتهم الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية والذين يتهيأ لهم انهم يدفعون دائما ثمن ازمات الدول المجاورة لهم.