رسم خبراء صورة قاتمة عن الأوضاع المالية في 2012 وقالوا إن الجهود التي بذلها قادة الاتحاد الأوروبي خلال الأسابيع الماضية لاحتواء أزمة الديون السيادية لمنطقة اليورو قد تأخرت بحيث لم تعد قادرة على إنقاذ المنطقة التي تضم 17 دولة من شبح الركود الأمر الذي يعرض مجمل الاقتصاد العالمي لخطر كبير ويدفعه نحو الهاوية. وفي مؤشر على فقدان الثقة في إمكانية إنقاذ منطقة اليورو ذكرت صحيفة وول ستريت جرنال ان مصرفين عالميين على الاقل اتخذا اجراءات لعقد صفقات بالعملات السابقة لدول في منطقة اليورو مع تصاعد ازمة الدين الاوروبي في الاشهر الاخيرة. وقالت الصحيفة المالية نقلا عن مصادر قريبة من الملف ان هذين المصرفين حاولا وضع انظمة للتمكن من القيام بصفقات باللير الايطالي او الدراخما اليونانية لكنهما واجها صعوبات.

واتصل مسؤولون فنيون في المصرفين بالشركة البلجيكية سويفت التي تدير شبكة تستخدم للصفقات المالية الدولية من اجل الحصول على مساعدتها التقنية ورموز العملات للاعداد لانظمة انقاذ في حال تفكك منطقة اليورو، حسبما ذكرت هذه المصادر. لكن الشركة رفضت اعطاء اي معلومات خوفا من ان يغذي ذلك التكهنات ويزيد من ضعف منطقة اليورو. وقالت الصحيفة ان المصارف تدرس كل جوانب تأثير خروج دولة او اكثر من منطقة اليورو، بدءا من اتفاقات القروض وانتهاء بآمن موظفيها في هذه الدولة.

 

عام أسود

وبعد عام من اضطراب أسواق المال وتراجع ثقة المستثمرين وسلسلة المحاولات الفاشلة من جانب القادة السياسيين للاتحاد الاوروبي للخروج من براثن الأزمة فإن كل المؤشرات الرئيسية والدراسات الاقتصادية تشير إلى أن منطقة اليورو تتجه نحو عام اقتصادي أسود. وقال مارتن فان فلايت المحلل الاقتصادي في آي.إن.جي بنك إن اقتصاد منطقة اليورو ينزلق بالتأكيد إلى مستنقع الركود وإن كان ذلك يتم ببطء.

وكانت سلسلة من البيانات الرسمية التي صدرت مؤخرا قد أشارت إلى تباطؤ الاقتصاد في منطقة اليورو حيث تراجعت الصادرات وكذلك انكمش الناتج الصناعي وتراجعت الطلبيات الدفترية لدى المصانع ومبيعات التجزئة خلال الشهور الأخيرة الماضية. في الوقت نفسه فإن معدلات البطالة بلغت أعلى مستوياتها منذ إطلاق العملة الأوروبية الموحدة قبل 13 عاما.

 

مؤشر الثقة

وفي تأكيد على الصورة القاتمة للاقتصاد الأوروبي ذكرت مؤسسة ماركيت البحثية ومقرها لندن أن مؤشر ثقة مديري المشتريات الذي تصدره دوريا انخفض إلى أقل من 50 نقطة وهو ما يعني دخوله دائرة الانكماش حيث إن المؤشر يشير إلى النمو عندما يكون أكثر من 50 نقطة ويشير إلى الانكماش عندما ينخفض عن هذا المستوى.

وقال كريس وليماسون كبير المحللين الاقتصاديين في "ماركيت" إن منطقة اليورو عانت خلال الربع الأخير من العام الحالي من أسوأ نتائج فصلية منذ عامين ونصف العام حيث أشارت بيانات المؤسسة إلى أن الاقتصادات في المنطقة ستنكمش بنسبة 0.6% من إجمالي الناتج المحلي خلال الشهور الثلاثة الأخيرة من العام الحالي.

 وبعد أن بدا أن اقتصادات منطقة اليورو تقف على أقدام ثابتة في 2010 مدعومة بالأداء الجيد للاقتصاد الألماني أكبر اقتصاد في أوروبا فإن المنطقة فقدت قوة الدفع الاقتصادية خلال العام الحالي في الوقت الذي يحاول فيه قادتها السياسيون احتواء ازمة الديون السيادية. وفي الوقت نفسه فإن محاولات البحث عن حلول لأزمة الديون القائمة منذ نحو عامين أثارت خلافات داخل المؤسسات السياسية للدول الأعضاء.

وكانت ألمانيا بشكل خاص لاعبا أساسيا في هذه الخلافات السياسية بين شركاء اليورو حيث دعت البنك المركزي الأوروبي إلى لعب دور أكبر في مواجهة الأزمة ودعت دول المنطقة إلى تبني قواعد أشد صرامة للسيطرة على عجز الميزانية لديها.

 

عمق المخاوف

وفي إشارة إلى عمق المخاوف بشأن اقتصادات منطقة اليورو انضم البنك المركزي الأوروبي إلى الجهود الرامية إلى تطويق الأزمة من خلال خفض سعر الفائدة مرتين وضخ مليارات اليورو في أسواق المال من خلال برنامج لشراء سندات الخزانة التي تصدرها دول منطقة اليورو المتعثرة ماليا مثل إيطاليا وأسبانيا والبرتغال.

وفي الوقت نفسه فجرت محاولات الحكومات الأوروبية احتواء الأزمة المالية سلسلة من المظاهرات المناهضة للسياسات الحكومية في المدن الأوروبية الرئيسية وقد تحولت في حالات عديدة إلى أعمال عنف ووصلت إلى حد الإطاحة بحكومات الدول الموجودة في قلب الأزمة وهي إيطاليا والبرتغال واليونان وأسبانيا. واتفق قادة الاتحاد الأوروبي في وقت سابق من الشهر الحالي على ما يسمى "الميثاق المالي" بهدف تشديد ضبط موازنات الدول الأعضاء وهو ما أظهر للأسواق المالية على الأقل إصرار القيادة الساسية على التعامل الصارم مع الأزمة المالية.

وفي محاولة إضافية لإبقاء اقتصادات رئيسية في منطقة اليورو في طريق الانضباط المالي أقيلت حكومتان منتخبتان في اليونان وإيطاليا لتحل محلهما حكومتان مؤلفتان من التكنوقراط وملتزمتان بخفض عجز الموازنة ومعدل الدين العام.

 

انقسام حاد

وفي المقابل فإن الانقسام الحاد داخل الاتحاد الأوروبي حول سبل التعامل مع الأزمة ظهر من خلال الجهود الفرنسية الألمانية لتشديد قواعد ضبط الموازنة في حين رفضت بريطانيا المشاركة في هذه الجهود. وقد تعرضت اقتصادات منطقة اليورو لمشكلة إضافية خلال الشهور الماضية مع تزايد تهديدات مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية بخفض تصنيف كل دول المنطقة على خلفية أزمة الديون السيادية وهو ما يلقي بظلال كثيفة على اقتصادات المنطقة خلال العام الجديد. ورغم الامال التي أثارها اتفاق قادة الاتحاد الأوروبي الأخير حول قواعد ضبط الموازنة فإن كل المؤشرات تقول إن الأزمة المالية صارت الان أكثر استحكاما مقارنة بما كانت عليه خلال الشهور الـ12 الماضية، حيث امتدت الازمة إلى اثنين من الاقتصادات الرئيسية بالمنطقة هما إيطاليا وأسبانيا.

 

تحدٍ كبير

وعندما التقى الزعماء الأوروبيون مؤخرا فى بروكسل فى بداية ديسمبر من العام الجاري، كان الجميع يعلم انهم يواجهون مهام تشكل تحديا كبيرا وهى ان مستقبل العملة الموحدة الأوروبية معلق فى الميزان، واسعار الفائدة آخذة فى الارتفاع ، وأزمة الديون تهدد بحدوث ركود آخر.

لكن التمزق بين وضع نهاية للأزمة والرغبة في الحفاظ على سيادية الميزانية، اصاب الزعماء الأوروبيون المستثمرين بخيبة الأمل مرة أخرى عندما خرجوا بحل في منتصف الطريق للمشكلة.

وبالنسبة لمعظم خبراء الاقتصاد، يعد حدوث ركود متوسط فى المنطقة أمرا حتميا تقريبا، فيما لا تؤدي الانقسامات بين بعض الدول الأساسية حول كيفية انقاذ هؤلاء اللاعبين الضعفاء من عبء ديونهم الذي لا يصدق سوى إلى جعل الامور اكثر سوءا.

وقال هونغ بينغ فان رئيس جهاز الرقابة الاقتصادية العالمي التابع لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة إنه وما لم يستطع الأوروبيون الخروج ببعض الإجراءات الجوهرية لاستعادة ثقة السوق واحتواء مشكلة الديون والحيلولة دون ان تمتد إلى بلدان اكبر، قد تسقط أوروبا مرة أخرى في حالة ركود كبيرة.

 

 

3 سيناريوهات

وفي تقرير الاقتصاد العالمي للعام المقبل الذي صدر مؤخرا عن مؤسسة ميريل لينش التابعة لبنك اوف اميركا، يقدم خبراء الاقتصاد ثلاثة سيناريوهات لنمو إجمالي الناتج المحلي الأوروبي الذي لم يكن بهذا القدر من الأهمية بالنسبة للعالم بأسره مثل الآن.

ووفقا لما قدموه من سيناريوهات، فان السيناريو الجيد يتصور ان أوروبا ستحقق نموا نسبته 1% فى عام 2012، والسيناريو السيئ يتصور ان ركودا متوسطا سيحدث مع تسجيل نمو نسبته ــ 0.6% اما السيناريو الأسوأ يتصور حدوث أزمة كبيرة مع تسجيل نمو نسبته ــ 2.5%.