أثار محتجو حركة احتلوا وول ستريت والذين انتشروا في معظم بلدان العالم تساؤلات كبيرة حول الثغرات المتولدة من النظام الرأسمالي. وقال دوج تشالمرز، الأستاذ الفخري في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا إن كل ما يقومون به هو التعبير عن أنفسهم وجعل أصواتهم مسموعة. وأضاف إنهم غاضبون بسبب انعدام المساواة وحصانة الأثرياء. وأضاف: عدم المساواة الاقتصادية تؤجج مشاعر الغضب وحركة احتلوا وول ستريت لا تزال متميزة في جذب الانتباه إلى القضية الأساسية وهي مسألة التفاوت في الدخل التي خرجت عن السيطرة، ولم يشتتوا مجهودهم في الدعاية لأفكار مناهضة الحرب، ومناهضة الحكومة، أو قضايا الطبقة العاملة، التي حفزت معظم الحركات.

 

معدلات الدخل

وتظهر الأرقام أنه في الفترة ما بين عامي 1979 و2006 ارتفع معدل الدخل السنوي للطبقة المتوسطة من الأميركيين بعد الضرائب بنسبة 21%، في حين تشير الأرقام إلى أن الزيادة كانت 11% للأشخاص الأكثر فقراً و256 في المائة لنسبة الـ 1% الأكثر غنى. زاد نصيب الدخل الإجمالي للطبقة العليا التي تمثل 1% من قرابة 8% في الستينات إلى أكثر من 20% اليوم. ويزيد التفاوت في الدخل في الولايات المتحدة عنه في أية دولة صناعية متقدمة أخرى.

وقال روبرت سي ليبرمان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا إن مثل هذا التفاوت يكشف عدم التوازن في الاقتصاد. وأضاف ليبرمان ان مستوى التفاوت الاقتصادي هذا، لم تشهده الولايات المتحدة منذ عشية الكساد الكبير، مما يدل على اقتصاد سياسي يزداد فيه تركيز المنح المالية بين نخبة ضئيلة في الوقت الذي يتحمل مخاطره طبقة متوسطة عرضة للخطر بشكل ملحوظ ولا تلقى أية حماية.

التعاملات المالية

وفي الوقت الذي يشكو فيه الناس من أنه في حين تم مد سلك للألياف الضوئية تبلغ تكلفته 300 مليون دولار بين بورصة شيكاغو التجارية وبورصة نيويورك لتوفير تعاملات مالية آلية فائقة السرعة، فإن قطارات الركاب بين المدينتين تعمل بأسرع بالكاد مما كانت عليه في الخمسينات. وفي الوقت الذي يزداد فيه الأغنياء ثراءً، مستمتعين بقوة متنامية، تعاني الطبقة الوسطى والفقراء من ركود الأجور والدين الوطني وتدهور البنية التحتية. وتمخض انعدام المساواة عن استقطاب سياسي وانعدام الثقة والاستياء بين الذين يملكون والذين لا يملكون وإيذاء النظام السياسي الديمقراطي بسبب زيادة صوت المال، كما أثار غضب المحتجين وأدى إلى نزولهم إلى الشوارع.

 

المعلومات والعولمة

ويلقي بعض المحللين باللوم في التفاوت على القوى الاقتصادية، التي تشتمل على ثورة المعلومات والعولمة. ووسع التحول من اقتصاد تهيمن عليه الصناعة إلى آخر خاضع لهيمنة قطاع الخدمات من فجوة الثروة بين النخبة والعاملين في الصناعات الأرخص. ويعترض البعض الآخر، قائلين إن القوى الاقتصادية تعتبر عوامل مهمة ولكنها ليست الحاسمة في ذلك. ففي أوروبا، التي عانت من تغييرات مشابهة، يقل التفاوت بكثير، على حد قولهم.

ويقول جورج باكر، الكاتب في مجلة نيويوركر إن العامل الرئيسي هو السياسة والسياسة العامة متمثلة في معدلات الضرائب، وخيار الإنفاق، وقوانين العمل، واللوائح، وقواعد تمويل الحملات. ومنذ أواخر السبعينات، أدى عدد من التغييرات المهمة في السياسات إلى أن تميل قواعد اللعبة باتجاه الأغنياء.

وأضاف ليبرمان أن مجلس الشيوخ خفض معدلات الضرائب على الدخول العالية مراراً وتكراراً ويسر المعاملة الضريبية بالنسبة لأرباح رؤوس الأموال وغيرها من الدخول الاستثمارية، مما نتج عنه أرباح مفاجئة بالنسبة للأشخاص الأغنى في البلاد. وقال إن سياسات العمل جعلت من الصعب على النقابات تنظيم العمال وإقامة قوة موازنة للقوة المتنامية للشركات. وفى الوقت ذاته، سمح تحرير الأسواق المالية للبنوك بإيجاد أدوات مالية أكثر تعقيداً لإثراء المديرين والمستثمرين الأثرياء. كما أسهمت الزيادة الهائلة في جماعات الضغط في هذا التفاوت. ففي عام 1974، كانت هناك 145 شركة فقط تمثلها جماعات ضغط مسجلة في واشنطن، ولكن وفقاً لباكر، فإن الشركات الآن تنفق 3 مليارات دولار سنوياً على 3 آلاف جماعة ضغط. وأضاف "إن الشركات لا توفر جميع نفقات جماعات الضغط أو الحملات تلك، ولكنها تقوم بها بشكل أكبر وأفضل من أي طرف آخر.

 

مستوى التأثير

لكن باكر يرى أنه ليس هناك تأثير لحركة وول ستريت واضح على عملية صنع القرار السياسي، فبمقارنة حركة احتلوا وول ستريت بالحركات الاحتجاجية في الستينات نجد أنها كانت مختلفة جذرياً. وقال إن الحركات الاحتجاجية في الستينات أصبحت ممكنة بسبب ازدهار جديد وكانت موجهة مباشرة لحرب غير عادلة في فيتنام وإلى عقلية محافظة في الجيل الذي عانى من الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية.