تستفحل الأزمة في أوروبا مع قرب قدوم العام الجديد 2012 حيث ظهرت بوادر أمس على تعمق جراح الكيان الأوروبي أكثر، ففيما أصاب الشلل التام حركة النقل في بلجيكا بفعل إضرابات القطاع العام احتجاجاً على تعديلات في قوانين التقاعد في ظل إجراءات تتخذها الحكومة هنالك للحيلولة دون اتساع نطاق الأزمة، أكدت بيانات صادرة عن الحكومة الدنماركية انكماشاً كبيراً في النمو بسبب تداعيات الاقتصاد العالمي وتراجع حجم الاستهلاك.
وفي الجانب الآخر أقر البرلمان الفرنسي موازنة العام المقبل التي تشتمل على خفض في النفقات وزيادة في الضرائب بمليارات اليورو في إطار إجراءات التقشف التي تتبناها الحكومة. في حين أظهر مسح تراجع ثقة المستهلكين في الاقتصاد الأوروبي في شهر ديسمبر الحالي في ظل المخاوف من الركود والبطالة.
ثقة المستهلكين
وقالت المفوضية الأوروبية التي أصدرت بيانات المسح إن مؤشر ثقة المستهلكين في منطقة اليورو، التي تضم 17 دولة من دول الاتحاد الأوروبي، انخفض إلى سالب 21.2 نقطة الشهر الجاري، مقابل سالب 20.4 نقطة في نوفمبر الماضي. وتجاوز تراجع المؤشر التوقعات حيث كان الخبراء يتوقعون تراجع المؤشر إلى سالب 21 نقطة فقط. ومع وصول معدل البطالة إلى 10.3%، تقف منطقة اليورو حاليا عند أعلى مستوى للبطالة منذ انطلاق العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) قبل 13 عاما. وتراجع مؤشر ثقة المستهلكين في الاتحاد الأوروبي ككل (27 دولة) إلى سالب 9ر21 نقطة، مقابل سالب 20.7 نقطة الشهر الماضي.
تقشف فرنسي
وصوتت أغلبية أعضاء الجمعية الوطنية في فرنسا لصالح مشروع الموازنة الذي يحتوي على خطتي التقشف اللتين أعلنتهما الحكومة خلال الاشهر الثلاثة الماضية. وتشمل الإجراءات زيادة الضرائب على المشروبات الخفيفة وفرض ضريبة جديدة مؤقتة على الأغنياء وخفض مقابل العطلات المرضية لموظفي الدولة. وكانت الجمعية أقرت أول مسودة لمشروع الموازنة في نوفمبر الماضي، في حين رفضها مجلس الشيوخ الذي تسيطر عليه المعارضة. وتتضمن النسخة التي تم إقرارها اليوم التعديلات التي أدخلها مجلس الشيوخ على المشروع الأول.
انكماش دنماركي
وأظهرت بيانات معدلة أن اقتصاد الدنمارك انكمش 0.5% في الربع الثالث من العام مع تراجع الاستهلاك لكن الهبوط جاء أقل حدة من انكماش بلغ 0.8% أعلن عنه منذ شهر. وسجل اقتصاد الدنمارك أسوأ أداء بين اقتصادات منطقة اسكندنافيا وتضرر بفعل الركود العالمي واستمرار ضعف استهلاك الافراد. ونما الاقتصاد 0.1% في الربع الثالث على أساس سنوي في تعديل بالارتفاع من انكماش مبدئي بلغ 0.2% أعلن عنه في نوفمبر.
وقال ستين بوكيان كبير الخبراء الاقتصاديين لدى دانسك بنك ان التعديل بالزيادة لبيانات الربع الثالث لا يغير من الصورة العامة لاقتصاد في أزمة. وقال جهاز الاحصاء ان الناتج المحلي الاجمالي نما 1.3% في الثلاثة أرباع الاولى من 2011 مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. وبلغت قيمة الناتج المحلي الاجمالي في الربع الثالث 444.9 مليار كرونة أي 78.09 مليار دولار وهو معدل من 443.3 مليار كرونة أعلن عنها الشهر الماضي.
أزمة إيطاليا
وانكمش اقتصاد ايطاليا في الربع الثالث من العام ليضع البلاد على المسار فيما يتوقع أن تكون فترة ركود طويلة بفعل أعباء ديون ثقيلة تطلبت اجراءات تقشفية صارمة. وانخفض الناتج المحلي الاجمالي في ايطاليا ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو بسبب هبوط الطلب المحلي. وجاءت البيانات أضعف من التوقعات وتشير الى أن الاقتصاد يواجه صعوبات كبيرة حتى قبل الاجراءات التقشفية الصارمة التي تم تبنيها في الاشهر السابقة في محاولة لكبح جماح تكاليف الاقتراض المرتفعة. وارتفعت عائدات السندات الايطالية في الاشهر السابقة لتتجاوز 7% وهو مستوى ينظر اليه على نطاق واسع باعتبار أنه لا يمكن تحمله. وبلغت العائدات 6.7% أول من أمس الاربعاء.
وقال راج بادياني من اي.اتش.اس جلوبل انسايت الذي يتوقع انكماش الناتج المحلي الاجمالي لايطاليا 1.5% في عام 2012، إن هناك تدفقا لبيانات اقتصادية ضعيفة وعدوى مالية شديدة من أزمة ديون منطقة اليورو أضرت بايطاليا، مما ينذر بركود حاد طويل الامد من المتوقع أن يستمر حتى الربع الاخير من 2012. وهذا سيجعل مهمة رئيس الوزراء الايطالي الجديد ماريو مونتي أكثر صعوبة. وعرض مونتي في وقت سابق هذا الشهر مقترحا بتدبير 34 مليار يورو من خلال زيادة الضرائب وخفض الانفاق، وقال ان ايطاليا تحتاج الى ثالث حزمة تقشفية منذ الصيف نظرا لتدهور آفاق النمو.
طريق وعر أمام عربة الإنقاذ الأوروبية
تواجه جهود إنقاذ منطقة اليورو من أزمتها الاقتصادية الحالية مصاعب كبيرة. ويجري الاتحاد الأوروبي منذ تعرضه لأزمة ديون موهنة مستمرة منذ عامين مجموعة من الاصلاحات لتجاوز وقت المحنة وحفز النمو الاقتصادي. ولكن علاج الأزمة بشكل نهائي قد يستغرق سنوات.
نهج التقشف
كانت الحياة الرغدة السمة المميزة لأوروبا الحديثة. وفيما يلعب نظام الرفاهية الاجتماعية دوراً إيجابياً في خلق المساواة والتناغم الاجتماعيين وتخفيف التوتر الاجتماعي، أدى أيضاً إلى استهلاك مفرط وادخار منخفض وكفاءة متدنية.
والأمر الأكثر أهمية أن هذه الرفاهية ابتلعت كماً كبيراً للغاية من ثروة أوروبا ما أدى إلى مشكلة لم تعد الدول الأوروبية المثقلة بالديون قادرة على تجاهلها بعدما لعبت دوراً إلى حد ما في تأجيج أزمة الديون السيادية. ويعتقد بشكل عام أن التقشف هو طوق النجاة. ولخفض الانفاق الحكومي وتقليل العجز في الميزانيات، لجأت دول مثل اليونان واسبانيا وأيرلندا وبريطانيا إلى إجراءات تقشفية شملت خفض أجور القطاع العام وإلغاء وظائف، وتجميد معاشات تقاعد، وزيادة سن التقاعد.
وحتى إيطاليا، التي ظل سن التقاعد بها ما دون 60 عاماً، قررت رفع الرقم إلى 67 عاماً بحلول عام 2026. غير أن هذه الإصلاحات قوبلت بمعارضة قوية وأثارت الغضب عبر أرجاء أوروبا. فنظم عمال بدول كثيرة مظاهرات واضرابات للمطالبة بالإبقاء على نظام الرفاهية واحتجاجاً على التقشف.
ولفت خبراء إلى أن اصلاح نظام الرفاهية القديم ليس أمراً سهلاً، وقالوا إنه يتعين على الحكومات عمل توازن بين الحاجة الملحة إلى خفض العجز ومعارضة الشعوب لـ"تضحيات" التقشف، وبين الحاجة العاجلة إلى خفض الإنفاق والرغبة القوية في تجنب الركود. ولكن الاتحاد الأوروبي أثناء مكافحته لأزمة الديون يولي أهمية كبرى للنمو الاقتصادي الذي بدونه يصبح تخطي الأزمة أكثر صعوبة. وشددت الكتلة الاقليمية مراراً وتكراراً على أهمية استثناء الابتكار والتعليم من عملية خفض النفقات.
إصلاحات مالية
وشرع الاتحاد الأوروبي منذ اندلاع أزمة الديون في إجراء اصلاحات مالية ونقدية بهدف منع الأزمة من الانتشار على الأمدين القصير والمتوسط وللمضي قدماً باصلاحات نقدية لاقتلاع الأزمة من جذورها.
وفي مايو 2010 دشنت الدول الأعضاء في منطقة اليورو صندوق انقاذ مالي مؤقتاً أطلقت عليه اسم "هيئة الاستقرار المالي الأوروبية "، والذي دعمته بالتزامات من دول منطقة اليورو بتوفير 750 مليار يورو (990 مليار دولار) على أن تصل قدرته الاقراضية إلى 440 مليار يورو.
والشهر الماضي اتفق وزراء مالية منطقة اليورو على تعزيز قوة هيئة الاستقرار المالي الأوروبية عن طريق جعلها كمؤسسة حماية توفر الوقاية من المخاطر جزئياً بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة لحاملي الأسهم وعبر تشكيل صندوق استثماري يسمح للمستثمرين الأجانب بشراء سندات حكومية. كما يحاول الاتحاد الأوروبى اطلاق صندوق انقاذ دائم دون تأخير.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتفق زعماء الاتحاد الأوروبي على المضي قدماً في اطلاق آلية الاستقرار الأوروبي بقوة اقراض تصل الى 500 مليار يورو، قبل عام من الموعد الاصلي المحدد سلفاً في يوليو 2012. واضافة الى هذه الجهود الهادفة الى منع تفشي ازمة الدين، لجأ الاتحاد الاوروبي الى تصحيح احد العيوب المؤسسية الجذرية فيه، تحديداً عدم التوافق بين نظام نقدي متكامل للغاية ونظام مالي مجزأ. وقررت جميع دول الاتحاد الأوروبي باستثناء بريطانيا اقامة ميثاق مالي بين الحكومات الأوروبية لفرض ضوابط مالية اكثر صرامة، كخطوة رئيسية نحو اقامة اتحاد مالي في المستقبل.
تحولات سياسية
وزلزلت ازمة الدين أيضاً المشهد السياسي الأوروبي. وقامت القوى السياسية بتعديل مبادئ سياستها الخاصة بأزمة الدين الجارية من اجل كسب المزيد من الأصوات. وخلال اقل من عامين، شهدت القارة انهيار سلسلة من الحكومات في ايرلندا والبرتغال واليونان واسبانيا وايطاليا. ولجأت كل من اليونان وايطاليا الى قادة تكنوقراط لإبعاد البلاد عن حافة الفوضى. وفي البلاد التي كانت بمنأى عن تغيير السلطة، وقعت احزابها الحاكمة تحت ضغوط متزايدة كما حدث في فرنسا والمانيا.
وقد اضحت حكومة المحافظين التي وصلت الى السلطة في بريطانيا العام الماضي اكثر محافظة. وفي بعض الحالات، ساهمت التحولات السياسية بدورها في حل الأزمة بما جلبته من اصلاحات ضرورية. وفي العامين الماضيين، كانت اليد العليا لأحزاب يمين الوسط المؤيدة لآلية السوق في الانتخابات في العديد من الدول، في حين اصبحت الاستراتيجيات المقترحة من احزاب يسار الوسط خلال الحملات الانتخابية مماثلة على نحو متزايد لاستراتيجيات احزاب يمين الوسط من اجل التغلب على الأزمة وكسب المؤيدين.
نكسات متوقعة
لا شك ان كل هذه الاصلاحات والتغيرات وضعت الاتحاد الأوروبي على المسار الصحيح. بيد ان هناك احتمالاً كبيراً بأن تواجه الإجراءات التي اتخذت بالفعل نكسات، وان تؤدي ازمة البنوك المتصاعدة الى صعوبة في معالجة ازمة الدين.
