ظهرت بوادر سالبة أمس على دخول منطقة اليورو في مرحلة جديدة من الركود. وأعلن مكتب الإحصاء الإيطالي (إيستات) أن اقتصاد البلاد، وهو ثالث اكبر اقتصاد في منطقة اليورو (17 دولة) قد سجل انكماشا نسبته 0.2% في الربع الثالث من العام، في أول تراجع له منذ الربع الأخير من عام 2009. وفي ذات السياق أكد خبراء المعهد الألماني لأبحاث الاقتصاد «دي آي دبليو» أنهم لا يستبعدون تراجع أداء الاقتصاد الألماني بشكل طفيف خلال الأشهر المقبلة.
تراجع فني
وقال خبير المعهد زيمون يونكر، مشيراً إلى ذلك في برلين، إن هناك فعلا مؤشرات على ضعف الطلب على نطاق واسع. وقال يونكر إن إجمالي الناتج القومي في ألمانيا سيتراجع في الربع الأخير من العام الحالي بنحو 0.2%، وإنه لا يستبعد مزيداً من التراجع في هذا الناتج القومي في الربع الأول من عام 2012، وإن هذا التراجع سيكون بذلك بمثابة تراجع فني. وجاء في بيان المعهد أن قطاع الصناعة الألماني على الأخص لمس هذا الركود، وأن أصحاب الشركات والمستهلكين يتعاملون بتحفظ مع استثماراتهم.
وذلك بسبب أزمة الديون، وبمجرد تراجع عدم اليقين لدى الشركات والمستهلكين فإنه من المحتمل أن تساعد عوامل محسنة للأداء الاقتصادي على استرداد الاقتصاد تعافيه ونموه. ورأى خبراء المعهد أنه من الممكن حدوث انتعاش للاقتصاد الألماني خلال عام 2012 ولكن شريطة حل أزمة ديون بعض دول منطقة اليورو، وإلا انعكس ضعف أداء الاقتصاد الألماني في تزايد البطالة، وهو ما يعد يمثابة «سمّ» بالنسبة للطلب الاستهلاكي.
خلاف ألماني
وذكرت تقارير صحافية في ألمانيا أن هناك خلافا بين الحكومة الألمانية والبنك المركزي الألماني (بوندسبنك) يتعلق بمسائل تفصيلية حول منح قروض مساعدات لصندوق النقد الدولي لزيادة موارده. وذكرت صحيفة دي فيلت الألمانية أنه في الوقت الذي ترى فيه الحكومة الألمانية أنه قد تم استيفاء الشروط التي طلبها (بوندسبنك) لضمان القروض، فإن (بوندسبنك) يتبنى موقفا آخر. وأوضحت الصحيفة نقلا عن مصادر في (بوندسبنك) أن المركزي الألماني يطالب بضرورة إشراك البرلمان (بوندستاج) في هذه الخطوة. ورأى البنك أن إطلاع لجنة الموازنة في البرلمان على هذا الإجراء، والذي تم الأسبوع الماضي، غير كاف.
وكان قادة الاتحاد الأوروبي وافقوا في قمة التاسع من ديسمبر الجاري على ضرورة تقديم ما يصل إلى 200 مليار يورو (261 مليار دولار) في شكل قروض إضافية ثنائية إلى صندوق النقد، من أجل أن يكون لديه «موارد مناسبة للتصدي للأزمة»، على سبيل المثال عبر إنقاذ الدول المتعثرة. وكان وزراء مالية دول اليورو قرروا أن تقدم دول المجموعة قروضا بقيمة 150 مليار يورو لتعزيز موارد صندوق النقد الدولي، وسيسهم البوندسبنك بنحو 45 مليار يورو في هذه القروض.
لكنه اشترط إشراك البرلمان في إقرار هذه القروض لتنفيذ هذا الإجراء، وهو ما رفضته لجنة الموازنة في البرلمان الألماني في جلستها التي عقدت الأسبوع الماضي. في المقابل يؤكد البوندسبنك أن إطلاع لجنة الموازنة وحدها على تفاصيل الإجراء أمر غير كاف، ويطالب باستصدار قرار من البرلمان.
اقتصاد إيطاليا
وعدلت «إيستات» بالسلب توقعات النمو للربع الأول والثالث من العام من 1% إلى 0.8% ومن 0.8% إلى 0.7% على الترتيب. كما سجلت إيطاليا في الربع الثالث، (من يوليو إلى سبتمبر)، تراجعا في الطلب على المنتجات والخدمات، مع تراجع الواردات بنسبة 1.1%، في حين زادت الصادرات خلال نفس الفترة بنسبة 1.6%. وتدفع حكومة التكنوقراط الجديدة في ايطاليا برئاسة ماريو مونتي باتجاه تمرير حزمة إجراءات تقشفية في البرلمان، من شأنها تخفيض ديون البلاد، وتحفيز النمو الاقتصادي، والذي تأمل الحكومة في أن ينقذ ايطاليا من افلاس محتمل.
أزمة الديون
وقال تقرير صادر عن بلاك روكي إن دراما أزمة الديون الأوروبية تسير بوتيرة سريعة ومحمومة، فبينما يناضل رؤساء الدول لإيجاد حلول حتى ساعات متأخرة من الليل، تتذبذب عائدات السندات في النهار صعودا وهبوطاً، كما لو كانت أشبه بلعبة «يويو»، ويسعى المصرفيون طيلة الوقت للحصول على تمويلات. ولم تكن قمة الاتحاد الأوروبي التي عقدت في التاسع من ديسمبر الماضي بمثابة أم القمم .
كما كان مأمولاً، ولكننا نعتقد أنها وفرت إطار عمل أوضح للتوصل إلى حل للأزمة. كما قد تساهم نتائج هذه القمة، إلى جانب التدابير الاستثنائية التي اتخذت من قبل البنك المركزي الأوروبي، في الحيلولة دون خروج الأزمة عن نطاق السيطرة. ووفقاً للتقرير تتسم إجراءات البنك المركزي الأوروبي الخاصة بضمان حصول البنوك الأوروبية على التمويل بأهمية حيوية.
لكونها تقلص من احتمال حدوث أزمة ائتمانية كارثية، غير أن المشاكل الأخرى ظلت قائمة، بما في ذلك قيام البنوك بالتخلص من الأصول عالية المخاطر تمهيداً لمعالجة الفجوة الرأسمالية. وأوضح البنك المركزي الأوروبي بأنه سيكون بمثابة الملاذ الأخير لإقراض البنوك، ولكن ليس بالنسبة للسندات الحكومية.
وقد خيب ذلك آمال بعض المستثمرين، ولكننا نعتقد أن البنوك تستطيع، وستقوم بالفعل، بتحمل بعض العبىء. ولا تزال هناك أسئلة كثيرة تبحث عن أجوبة: فهل سيوافق الناخبون على خطط لميزانيات وطنية تدار بشكل مركزي (على مستوى منطقة اليورو)؟ وكيف سيتم فرض القواعد المالية الجديدة؟
وما هي آلية عمل مختلف تمويلات الإنقاذ؟ وكيف ستتمكن أوروبا من خفض عجوزات الميزانية دون التسبب بوقف النمو وحدوث اضطرابات اجتماعية؟، ومن المرجح أن تقوم وكالات التصنيف الإئتماني بخفض تصنيف الديون في منطقة اليورو في المستقبل القريب، ولكن الأسواق أخذت هذه التوقعات بعين الاعتبار، فيما يتعلق بالدول الرئيسية مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.
ونحن نعتقد أن تأثير تصنيفات وكالات التصنيف الائتماني سيتضاءل بمرور الوقت. وأدت أزمة الديون إلى حالة جمود في عمليات التوظيف، إلى جانب تخفيضات في الإنفاق الرأسمالي في مختلف أنحاء منطقة اليورو. ونتيجة لذلك، نتوقع الآن أن يؤدي التباطؤ الاقتصادي إلى خفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو بما يتراوح بين 1 و2%، وسيدفع اقتصادات ألمانيا وفرنسا إلى الدخول في حالة من الركود. كما أن تدابير التقشف قصيرة الأجل قد تساهم في تعزيز التباطؤ الاقتصادي.
