استخدم الشيوعيون قبل انهيار الاتحاد السوفيتي إستراتيجية اقتصادية انطلاقاً من الوضع الواقعي القائم آنذاك، بدءاً من سياسة الـ"نيب" أي السياسة الاقتصادية الجديدة إلى نشر التعاونيات واعتماد الخطة الخمسية الأولى من أجل بناء الاشتراكية، وكانت الصفة الأساسية دائماً تحديد الحلقة الرئيسية بدقة، لتعبئة الجماهير الشعبية حولها.

ولكن محاولة حل المشاكل الاقتصادية للاشتراكية بوسائل رأسمالية، وضعت الأسس الأولية لتفسخ المجتمع الاشتراكي، وقد بدأت هذه العملية في الاقتصاد في زمن البريسترويكا ولكن سرعان ما انتقلت إلى المجال الاجتماعي، وبعد فترة قصيرة أصبحت الروح الاستهلاكية البرجوازية سائدة في الأخلاق العامة للمجتمع.

وأعطت الإجراءات الاقتصادية الاجتماعية السلبية للعناصر المعادية في البناء الفوقي السياسي إمكانية تقوية العمل المخرب، وهذه العناصر عرقلت بدورها وبكل الأساليب التطور الاقتصادي في الاتجاه المواتي لمتطلبات الاشتراكية، لذلك بدأت تبرز بشكل متزايد تلك الظاهرة التي أطلق عليها تسمية "الركود".

ظواهر سلبية

واستدعت الظواهر السلبية في المجال الاجتماعي الاقتصادي، الاستياء المشروع لدى المواطنين، ولكن بما أن أساس هذه الظواهر، أي إدخال العناصر الرأسمالية إلى الاقتصاد الاشتراكي كان مغلفاً بغطاء من الشعارات الاشتراكية، فإن هذا الغلاف هو الذي غدا موضعا للانتقاد عوضاً عن المضمون.

ومن هذه العناصر كانت عملية الإصلاح النقدي، آخر عملية إصلاح للعملة السوفيتية في 22 يناير 1991، ودعيت العملية باسم إصلاحات بافلوف تيمناً باسم واضعها، وزير المالية ورئيس الوزراء في الاتحاد السوفيتي فيما بعد فالنتين بافلوف.

وكان إصلاح المصادر النقدية قد تم إقراره للتخلص من الأموال الفائضة التي كانت في التداول الشعبي، إذ كان يعتقد أن الإصلاح النقدي يمكن أن يحل ولو جزئيا مشكلة النقص في سوق السلع الأساسية في الاتحاد السوفييي. ولكن "السبب الرسمي" الذي أعلن للإصلاح النقدي، كان يكمن في مكافحة العملة السوفيتية المقلدة، والتي أدخلت سراً إلى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية من الخارج.

الآلية النقدية

وكانت الآلية النقدية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في ظروف هبوط في الإنتاج في هذا الوقت، تعمل من خلال العملات المتداولة في الاتحاد السوفييتي مثل صكوك الروبل غير النقدية والروبل الداخلي، والروبل القابل للتحويل من العملات الأجنبية وكان يساوي 4.6 أضعاف الروبل الداخلي ، والروبل الصادر عن مجلس التعاضد الاقتصادي وروبل شهادات بنك الاقتصاد الخارجي، وسندات الوزارة الاتحادية للأسطول التجاري البحري.

وتجلت المقدمات الأساسية للإصلاح في، أنه بحلول منتصف عام 1990 كان على القيادة السوفييتية إدخال إصلاحات على الاقتصاد السوفييتي، منها اعتماد مبدأ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وبها تمت عملية البدء بتفكيك أسس الاشتراكية، وكما كان أشهر الإصلاحات، تلك التي دعا إليها الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف في العديد من برامج التنمية الاقتصادية، ألا وهي اقتصاد السوق ، وبرنامج ما يسمى ببرنامج الـ 500 يوم ، الذي أعلن عنه الاقتصادي الفتي آنذاك غريغوري يافلينسكي، وكما اقترحت الحكومة السوفييتية برنامجها الخاص بالإصلاحات، والتي لم تنكر فيه الحاجة إلى الانتقال إلى علاقات السوق، مقترحة بذلك أن تمتد عملية التحول لفترة طويلة، وشدد برنامجها على الإبقاء على قسم كبير من القطاع العام في الاقتصاد، تتم مراقبته من قبل السلطات المركزية المختصة، وبمقارنة هذه البرامج، أعطى الرئيس الأفضلية لبرنامج الحكومة، حيث بدأ بتنفيذها في يناير 1991.

تبادل الصكوك

ووقع الرئيس ميخائيل غورباتشوف في 22 يناير ، مرسوماً نص على التوقف عن قبول التبادل بصكوك الروبل فئة الـ 50 والـ100 روبل، من إصدار العام 1961، والتوقف عن اعتمادها في سحوبات الودائع الشعبية، وتبديلها بعملات أخرى، وتحديد سحب الودائع بـ500 روبل، وتم الإعلان عن المرسوم في النشرة المسائية للأخبار، حين كانت عملياً جميع المراكز المالية والتجارية مغلقة.

وادعت السلطات آنذاك، أن هذا الإجراء كان لتجميد دخل غير مكتسب شرعاً، ويعني أن المضاربين والفاسدين ورجال الأعمال المشبوه بهم قاموا باقتناء الأموال المزيفة، نتيجة الانكماش النقدي، وكذلك لوقف التضخم. وكان وراء مبادرة الإصلاح النقدي التي أصدرها وزير المالية في الاتحاد السوفييتي فالنتين بافلوف، مذكرة سرية تم تقديمها في صيف العام 1990 للرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف ولرئيس الوزراء السوفيتي نيكولاي ريجكوف، وأفادت المذكرة، أن الأوراق النقدية السوفييتية فئة القيمة العالية تركزت بأعداد كبيرة في الخارج، وبين يدي من يعمل باقتصاد الظل.