أصبحت الهشاشة هي الصفة الملازمة للمؤسسات المالية في منطقة اليورو ولو أن احتمال انهيارها أصبح مستبعداً إلى حد ما في الفترة الحالية.
وقال غاري دوغان، الرئيس الأول للاستثمارات في الخدمات المصرفية الخاصة في بنك «الإمارات دبي الوطني: بطبيعة الحال، فإن الأخبار الصحفية التي تركز أغلبها على مكانة المملكة المتحدة لم تعر اهتماماً لحقيقة أن السياسيين الأوروبيين لم ينجحوا حتى الآن في تقديم خطة قادرة على تغيير اتجاه الأزمة بشكل جذري؛ فمنطقة اليورو لا تزال مثقلة بكميات هائلة من الديون التي سيتواصل تأثيرها خلال العام القادم.
وكل ما قدمته القمّة الأوروبية هو مجرد خطوات محدودة تجاه الحل، وهي خطوات صغيرة لا ترتقي إلى مستوى القفزات العملاقة المطلوبة. ونعتقد أن وتيرة الأزمة ستبقى متعلقة بردود أفعال السوق، وليس بالاستراتيجيات التي يعتمدها صانعو السياسات. ومن هنا، نجدد نصيحتنا بتوخي الحذر.
العنصر الغائب
ويعدّ المال العنصر الذي ما زال غائباً حتى الآن عن محاولات إنقاذ منطقة اليورو، إذ يجب على دول هذه المنطقة سداد ديون بقيمة 1.1 تريليون يورو خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2012.
كما سيتوجب على بنوك هذه المنطقة تسديد ديون بقيمة 665 مليار دولار في النصف الأول من عام 2012 أيضاً. وقد اقترح قادة منطقة اليورو اللجوء إلى البنك المركزي الأوروبي، وصندوق الاستقرار المالي الأوروبي، وآلية الاستقرار الأوروبية، وبدؤوا الآن تجاوز نطاق القارة الأوروبية عبر اللجوء إلى صندوق النقد الدولي. ولا يستطيع المرء، بغض النظر عن وجهة نظره حيال الموضوع، أن يقول بثقة أن منطقة اليورو ستكون قادرة على ضمان أسواق سنداتها خلال الأشهر الـ12 القادمة لأنها تفتقر إلى التمويل اللازم.
وقد توقف البنك المركزي الأوروبي عن شراء السندات بكميات كبيرة نتيجة الإصرار الألماني على ألا يكون هذا البنك الملجأ الإقراضي الأخير. ومن المفترض أن يقدّم صندوق الاستقرار المالي الأوروبي مبلغ 440 مليار يورو، ولكن الغالبية لا تعلم من أين سيأتي هذا المال؛ فقد بذل الصندوق جهوداً كبيرة لجمع 11 مليار يورو في الأسواق العامة. وبالنسبة لآلية الاستقرار الأوروبية.
فهي لن تكون جاهزة قبل يوليو، وهو ما قد يكون وقتاً متأخراً بالنسبة للأزمة؛ عدا عن أن تأسيس هذه الآلية يعتبر مسألة غير دستورية في بعضأرجاء أوروبا. وبناء على ذلك، لم يبق سوى صندوق النقد الدولي؛ فقد وافقت منطقة اليورو على إقراض مبلغ 220 مليار يورو إلى صندوق النقد الدولي عن البنوك المركزية للدول الأعضاء في المنطقة.
ومن ثم يقوم صندوق النقد الدولي بإقراض هذه المبالغ مجدداً إلى بنوك منطقة اليورو. أما السبب وراء اتباع هذه الطريقة الملتوية في التعامل مع الأمور، فهو عدم الرغبة باستشارة سكان منطقة اليورو. والخلاصة أنه لا توجد مؤسسة مخولة لطباعة ما يكفي من الأموال لإنقاذ القارة، وليس هناك من ملجأ إقراضي أخير، أو أي ملجأ آخر.
الحل المقنع
ووقع موضوع ضرورة إيجاد حل مقنع لأزمة منطقة اليورو في تناقض واضح بعد أن صدرت بيانات تظهر أن بنوك هذه المنطقة ما زالت تبيع ديون منطقة اليورو السيادية بكميات كبيرة؛ حيث باعت البنوك على مدى الأشهر الـ9 الماضية 65 مليار يورو من الديون السيادية الخاصة بمنطقة اليورو.
وفيما يعمل السياسيون على وضع خطة من شأنها إقناع البعض بوجود تقدم حقيقي على مسار الأزمة، إلا إن تحركات البنك المركزي الأوروبي ما زالت مترددة وغير حاسمة إلى حد ما. وعلى سبيل المثال، أتت خطوة البنك بتخفيض أسعار الفائدة بمعدل 50 نقطة أساس متماشية تماماً مع التوقعات، ولكن كان من الأجدر به أن يقدّم مفاجأة سارة للسوق عبر خفض أسعار الفائدة بمقدار كبير يزيد على 75 نقطة أساس.
الشعور الإيجابي
ويتمثل السؤال الرئيسي بالنسبة للمستثمرين في مدى إمكانية استمرار الشعور الإيجابي الأولي الذي ساد الأسواق بعد القمّة، إذ من المرجح أن تكون التوجهات الاستثمارية في منطقة اليورو متعلقة بتحركات أسواق السندات والنقد. وقد شهدت الأرباح الإيطالية والإسبانية هبوطاً حاداً، حيث أن معدل الأرباح الإيطالي الذي وصل إلى ما يزيد على 7% خلال السنوات العشر الماضية شهد هبوطاً إلى 5.75%.
ولكي تواصل السندات الإيطالية والإسبانية بقاءها عند مستويات أدنى، فقد يكون المطلوب هو استمرار التدخل من قبل مؤسسات على غرار البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي بهدف شراء السندات، ولكن مصداقية عمليات الشراء التي تنفذها الهيئات الحكومية ستبقى محدودة إذا لم تعتمد الحكومتان الإيطالية والإسبانية منهجاً مستقراً وصارماً لانضباط الميزانية. وفي إسبانيا، ما زالت الحكومة الجديدة صامتة منذ انتخابها مطلع الشهر الجاري، بينما لا تزال الحكومة التكنوقراطية في إيطاليا تعكف على تقييم مستوى الدعم الذي تحظى به الإجراءات التي أعلنتها مؤخراً.
