رسمت تصريحات عدد من المسؤولين الأوروبيين صورة قاتمة حول الاوضاع في منطقة اليورو وتضمنت تلك التصريحات تحذيرات مباشرة من إمكانية انفراط عقد اليورو في ظل الارتفاع الحالي في أسعار الفائدة على سندات العديد من البلدان الأوروبية.

وتدور مخاوف من أن أسعار الفائدة المنخفضة جدا ربما تثني ايضا البنوك عن التعامل في أسواق المال بين البنوك. وحذر المستشار النمساوي فيرنر فايمان من ان هناك خطرا حقيقيا لان تتفكك منطقة اليورو ما لم تنفذ المجموعة قواعد جديدة وتتقيد بها.

وقال فايمان إنه لابد من إيجاد المزيد من الشروط والقواعد الاساسية والحفاظ عليها. وأوضح: عندما لا يكون بالإمكان ايجاد ذلك فان دولا كثيرة في منطقة اليورو لن يصبح بمقدورها دفع اسعار الفائدة المرتفعة جدا للسندات السيادية.

وأضاف المستشار النمساوي عندما سئل عن احتمالات تفكك مجموعة اليورو: النتيجة التالية ستكون أنك لن تجد أحدا يشتري السندات السيادية وعندئذ فان منطقة اليورو ستضطر للتفكك بسبب هذا. في الأثناء جدد وزير المالية الألماني فولفجانغ شويبله رفضه لإصدار سندات أوروبية مشتركة ، نافيا أن يكون ذلك وسيلة لحل أزمة الديون الراهنة في منطقة اليورو.

 الضمان المشترك

وقال شويبله في تصريحات لصحيفة باساور نويه بريسه الألمانية إن الضمان المشترك للديون أمر مستبعد وفقا للمواثيق الأوروبية: وأضاف: لا يمكن أن يكون هناك سندات أوروبية مشتركة. وسيصبح عبئا على الاقتصاد الألماني إذا قمنا بضمان ديون جميع الدول.

وفي الوقت نفسه أكد شويبله ضرورة تنفيذ قواعد ميثاق الاستقرار النقدي والنمو الأوروبي وإجراء تعديلات في معاهدات الاتحاد الأوروبي. وقال: تعين أن يكون هناك مؤسسة أوروبية تراعي أن يتم ضبط موازنات الدول الأعضاء إذا لم تطابق القواعد السارية. إننا بحاجة إلى تعديلات سريعة في المعاهدات من أجل تلك النقاط. وأضاف شويبله: يتعين أن نظهر أن العملة المشتركة لـ17 دولة قادرة على العمل ولو كنا استطعنا تحقيق اتحاد مالي حقيقي ومستقر ومستدام في أوروبا لكنا في موقف جديد ومختلف تماما.

وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أكدت من قبل رفضها لإصدار سندات أوروبية مشتركة ، حيث قالت أول من أمس في بيان حكومي حول أزمة الديون في منطقة اليورو أمام البرلمان الألماني (بوندستاج) إنه ليس من الممكن في الوقت الراهن الاستعانة بمثل هذه السندات كتدابير إنقاذ لمواجهة أزمة الديون.

وأضافت أن الضمان المشترك لديون الآخرين مسألة ليست محل تفكير. وتعتزم ميركل عقد قمة مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي غدا الاثنين لبحث خطة لإصلاح الاتحاد النقدي ، تشمل تشديد العقوبات بحق دول اليورو المخالفة لقواعد الاستقرار المالي وضبط الميزانية ، كما تتضمن هذه الخطة تشديد الرقابة على خطط الموازنة لدول المجموعة. ويعقد زعماء الاتحاد الأوروبي قمة يومي الثامن والتاسع من الشهر الجاري لإجراء مشاورات حول سبل حل أزمة الديون في منطقة اليورو.

 حل ضروري

وفي سياق متصل حذر يورغن ستارك وهو أبرز صانعي السياسة وعضو المجلس التنفيذي بالمركزي الاوروبي من ان الفشل في ايجاد حل عاجل لازمة ديون منطقة اليورو سيؤدي إلى كارثة مالية واقتصادية واسعة النطاق. وقال في كلمة في مؤتمر في نيويورك: يتعين وقف ازمة الديون السيادية المستمرة والمتسعة لتفادي كارثة اقتصادية ومالية في منطقة اليورو وما وراءها. لم يعد هناك بلد لديه حصانة من فقدان ثقة السوق في ماليته العامة.

وجدد ستارك تحذيراته من انه ينبغي ألا يعهد إلى البنك المركزي الأوروبي بمهمة حل الأزمة مؤكدا أن تلك وظـــــيفة السياسيــين. وقال ايضا أن أسعار الفائــــدة المنخفضة بشدة تنطوي على مخاطر. وقال إن الحفاظ على اسعار الفائدة عند مســـتوى منخفض جدا لفترة طويلة ربما يضعف الحافز المالي لتسديد الديون لكل من القطاع المصرفي والقطاع غير المالي.

 شكوك بريطانية

في إطار الجدل الدائر حول معاهدة الاتحاد الأوروبي قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون انه غير مقتنع بالحاجة إلى تغيير معاهدة الاتحاد الاوروبي لحل ازمة منطقة اليورو لكنه سيعمل على ضمان حماية مصالح بلاده اذا ادخلت اي تعديلات على المعاهدة.

وقال كاميرون بعد اجتماع مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في باريس ان الازمة لها تأثير مقلق على الاقتصاد البريطاني ودعا الى انجاح القمة الاوروبية التي ستعقد هذا الاسبوع حيث ستعرض الخطط الفرنسية الالمانية على زعماء الاتحاد الاوروبي. وقال كاميرون ان بريطانيا تريد المساعدة في حل الازمة لكنه كرر القول بانه اذا تم الاتفاق على اعادة التفاوض على معاهدة الاتحاد الاوروبي فان أي تعديلات لا بد أن تكون في مصلحة بريطانيا.

ولمح كاميرون -الذي يواجه ضغطا من أعضاء معارضين للاتحاد الاوروبي في حزبه المحافظين- الى انه قد يحاول استغلال أي مفاوضات بشأن تغيير المعاهدة لاستعادة بعض السلطات من بروكسل الى لندن. لكنه اوضح أن الاولوية هي حل الازمة الذي قال انه سيعـــطي دفعة للاقتصاد البريطاني الذي يواجه صعوبات أكبر من أي خطوة أخرى.

وقال كاميرون ان منطقة اليورو تحتاج لان تقف مؤسساتها خلف العملة لاقناع الاسواق بأن لديها الموارد اللازمة وأنها تتمتع بتنافسيـــــة حقيقية. واوضح وقال كاميرون قبل أن يركب قطارا للعودة الى لندن: هاتان المسألتان لا تتطلبان تغيير المعاهدة .. لكن اذا حدث تغيير في المعاهدة عندئد سأعمل على ضمان حماية وتعزيز مصالح بريطانيا.

تهدئة المخاوف

وحاول ساركوزي -الذي أوضح في كلمة سابقة رؤيته لتغيير معاهدة الاتحاد الاوروبي لزيادة السيطرة المركزية على ميزانيات الدول تهدئة مخاوف كاميرون الذي يرى أن اعادة ترتيب الحوكمة في الاتحاد الاوروبي قد يقلل النفوذ البريطاني.

وقال كاميرون بعد اجتماعه مع ساركوزي الذي استمر أكثر من ساعة: ناقشنا الازمة في منطقة اليورو التي لها تأثير مقلق على الاقتصاد البريطاني والحاجة الى نتيجة ناجحة للقمة الاوروبية المقبلة.

 خطة تقشف

وتتمحور المخاوف الأكبر في احتمالية انتشار الأزمة إلى المزيد من الدول الأوروبية. وبدا ان قبرص ستكون هي الأكثر تأثراً بأزمة اليونان خلال الفترة المقبلة. وقررت الحكومة القبرصية اتباع خطة تقشف صارمة خلال الفترة المقبلة، خشية أن تتعرض لأزمة مالية ضاغطة كالتي تعرضت لها جارتها اليونان.

 وقال ستيفانوس ستيفانو المتحدث باسم الحكومة القبرصية إن الحكومة عقدت جلسة أزمة قادها رئيس الدولة ديميتريس كريستوفياس قررت فيها تجميد مرتبات العاملين بالحكومة مدة عامين كاملين على وضعها الراهن، إضافة إلى رفع قيمة ضريبة المبيعات من 15 % إلى 17%.

وأضاف المتحدث أن ممثلين عن أحزاب المعارضة حضروا جلسة الأزمة تلك. وكان كريستوفياس أعلن من قبل أن البلاد في حالة "طوارئ" حاليا.

 ارتباط وثيق

ويرتبط قــــطاع البنوك القبرصي ارتبـــــاطا وثيقا بالبنوك اليونانية، كما أن كثيرا من المودعين في هذا القطاع هم من اليونانيين. وكان التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي أوضح أن اقتصاد الجزيرة القبرصية "هش ومثير للمخاوف".

وكانت قبرص حصلت على عضوية الاتحاد الأوروبي عام 2004 ، كما دخلت منطقة اليورو في 2008. ويعد اقتصاد قبرص من بين أصغر الاقتصادات في منطقة اليورو حيث تقدر قيمته الإجمالية بـ 17.5 مليار يورو.

وفي مؤشر على خطورة الأزمة اتفقت الحكومة والمعارضة على التدابير التقشفية.

وستخضع الرواتب التي تفوق 2500 يورو سواء كانت في القطاع العام او الخاص او لدى الموظفين المستقلين، الى زيادة في الضرائب المفروضة عليها تبعا لجدول تدريجي في حين سترتفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة من 15% الى 17%.

واوضح ستيفانو ان الحكومة تسعى الى ادخار 200 مليون يورو اضافية من خلال وضع سقف للمساعدات العائلية والمنح الدراسية تبعا للمداخيل وعبر مكافحة التهرب الضريبي. وكانت المفوضية الاوروبية حضت قبرص على اتخاذ تدابير تقشفية لتقليص مستوى العجز في ميزانيتها.

وسيقدم وزير المال كيكيس كازامياس يوم الخميس المقبل للبرلمان مشروع موازنة يأخذ في الاعتبار التدابير الاخيرة. وبحسب كازامياس فان هذه التدابير من شأنها ان تخفض العجز في الميزانية الى ما دون 3% اعتبارا من العام المقبل. وتواجه قبرص خطر التعرض لغرامة توازي 0,2% من اجمالي ناتجها المحلي اذا لم يتراجع العجز في ميزانيتها الى ما دون مستوى 3% العام المقبل.

وقال وزير المال القبرصي: التدابير التي اقريناها ستظهر لمن هم خارج قبرص اننا مصممون على بذل جهود لحل المشاكل التي نواجهها في الميزانية بأنفسنا.

وباتت السلطات القـــــبرصية لا تتوقع ان يبلغ النمو سوى 0,2% عام 2012 خلافا للتوقعات الاولية التي حددت مستوى النمو المتوقع ب1,5%. ويستحــوذ القطاع العام القبرصي على ثلـث النفقات العامة، وبذلك قررت الحكومة والمـــــــــعارضة، اضافة الى تجميد رواتب الموظفين في القطاع العام لعامين، تخفيض الراتب الذي يتـــقاضاه الاشخاص الذين يتم توظيفهم في القطاع العام بنسبة 10% والغاء 1000 وظيفة في هذا القطاع.