أثارت وكالة فيتش العالمية للتصنيف الائتماني مزيداً من المخاوف في الأسواق العالمية أمس بعد خفضها التصنيف الائتماني للبرتغال إلى مستوى عديم القيمة مستشهدة بالاختلالات المالية الكبيرة في البلاد والمديونية العالية وركود الاقتصاد. وتتوقع الوكالة أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي للبرتغال بنسبة 3% العام المقبل.
إضراب عام
وتشهد البرتغال اضطرابات اقتصادية عارمة. ولاقى إضراب عام احتجاجا على خفض الإنفاق الحكومي مشاركة كبيرة من العمال في البرتغال وفقا لتقارير إعلامية. وتعطلت حركة النقل العام على نطاق واسع بينما توقف عمليا عمال جمع القمامة والخدمات البريدية عن القيام بأعمالهم. ومن المتوقع أن يكون للإضراب تأثير قوي على حركة الطيران مع إلغاء شركة الخطوط الجوية البرتغالية "تاب" 121 رحلة من أصل رحلاتها البالغة 140 رحلة. ودعا للإضراب الذي يستمر لمدة 24 ساعة أكبر اتحادين للنقابات العمالية في البلاد. وتم تنظيم الإضراب احتجاجا على سياسات التقشف لحكومة رئيس الوزراء بيدرو باسوس كويلو الذي يسعى للوفاء بالشروط التي تم الاتفاق عليها مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. وقدمت الجهتان للبرتغال برنامج إنقاذ بقيمة 78 مليار يورو أي 110 مليارات دولار.
قمة مصغرة
في الأثناء عقدت قمة مصغرة حول أزمة ديون منطقة اليورو بين قادة المانيا انغيلا ميركل وفرنسا نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء الايطالي ماريو مونتي، في ستراسبورغ شرق فرنسا. وهذه هي المرة الاولى التي ينضم فيها رئيس الوزراء الايطالي الجديد الذي خلف في 13 نوفمبر سيلفيو برلوسكوني، إلى الثنائي الالماني الفرنسي الذي استدعاه للمشاركة في البحث عن حلول للازمة. وتأتي هذه القمة المصغرة على خلفية خلاف بين المانيا وفرنسا حول دور البنك المركزي الاوروبي في التصدي للازمة. وتريد فرنسا أن يشكل البنك المركزي حاجزا أمام امتداد الازمة وذلك من خلال القيام بدور المقرض في آخر لحظة للدول الاعضاء من خلال شراء ديونها لدى اصدار سندات بشأنها. في المقابل ترفض المانيا هذا الخيار قطعيا معتبرة انه يشجع على التضخم والتراخي في ميزانيات الدول.
إنقاذ اليورو
وفي سياق متصل دعا وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه البنك المركزي الاوروبي إلى لعب دور أساسي من أجل انقاذ منطقة اليورو. وقال جوبيه: ما زالت لدينا أسس متينة، ان ما ينقصنا هو الثقة، وهذا هو ما يجب استعادته، اظن -وآمل ان يتبلور التفكير- ان على البنك المركزي الاوروبي ان يلعب دورا اساسيا من اجل استعادة الثقة. وردا على سؤال حول النتيجة الهزيلة التي حققها اصدار سندات خزينة المانية قال الوزير الفرنسي ان الازمة تطال كل الاقتصادات بما فيها الاكثر متانة. ويشكل تدخل البنك المركزي الاوروبي المكثف في سوق الديون، كما تريده فرنسا، الموضوع الخلافي الاول مع المانيا التي ترغب بمراجعة المعاهدات الاوروبية لتعزيز الانضباط في الميزانيات العامة للدول الاعضاء. وأضاف جوبيه أن فرنسا لم تعارض أبدا مراجعة المعاهدات لكن ذلك يأخذ وقتا. وتضغط فرنسا بشدة من أجل دور أكبر للبنك المركزي الأوروبي لوقف أزمة الديون من الانتشار إلى الدول الرئيسية مثل فرنسا نفسها. وتدخل البنك بالفعل في سوق السندات الثانوية خلال الصيف لدفع تكاليف الإقراض لإيطاليا وإسبانيا للتراجع.
مخاوف الانكماش
وطغت مخاوف الانكماش على المشهد العام في القارة الأوروبية. و أظهرت دراسة أن منطقة اليورو تتجه نحو تباطؤ اقتصادي خلال الأشهر المقبلة ، وذلك رغم التحسن المفاجئ في ثقة المستثمرين. يأتي ذلك في الوقت الذي تجددت فيه اضطرابات أسواق السندات الأوروبية بعد فشل ألمانيا في تغطية أحدث طرح لسنداتها. وظل مؤشر مديري المبيعات الأوروبي الذي يقيس مشاعر قطاعات الخدمات والتصنيع في الشركات دون 50 نقطة وهو ما يعني استمرار توقعات الانكماش. وفي الوقت نفسه، تراجع الطلب الصناعي في منطقة اليورو في شهر سبتمبر الماضي بنسبة 6.4% بعد ارتفاعه بنسبة 1.4% خلال أغسطس الماضي. وتأتي هذه البيانات مع تجدد الاضطرابات في أسواق السندات الأوروبية حيث يبدو أن المستثمرين يبتعدون عن سندات دول المنطقة التي تعاني أزمة ديون كبيرة. وغطى الاكتتاب على سندات الخزانة الألمانية لاجل عشر سنوات حوالي 35% فقط من حجم الطرح البالغ قيمته 6 مليارات يورو مما يشير إلى أن المستثمرين قرروا الابتعاد عن سندات المنطقة التي تعاني أزمة ديون طاحنة. وقال رودولف بانكهاوس، المحلل الاقتصادي في مؤسسة إتش.إس.بي.سي ترينكهاوس: لم اشاهد أبدا أن السندات الألمانية لا تستطيع بيع مثل هذا الجزء الكبير من الطرح.
موازنة صارمة
وكانت المفوضية الأوروبية الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي قد اقترحت إقرار قواعد تنظيمية أكثر صرامة للموازنة في دول منطقة اليورو بالإضافة لاقتراح سبل للمضي في تنفيذ فكرة سندات اليورو المثيرة للجدل في مرحلة متقدمة. ووفقا لخطط المفوضية الأوروبية، ستطالب السلطات الاوروبية الدول الاعضاء في منطقة اليورو والتي تعاني من عجز في الميزانية يتجاوز المعدل المسموح به لدول الاتحاد الأوروبي، بإعادة تخطيط ميزانياتها في حال اتضح أنها غير كافية للوفاء بمعايير العجز. والتراخي في تطبيق قواعد انضباط الميزانية يعد أحد الأسباب الرئيسية للمشكلات المالية التي تواجهها منطقة اليورو بسبب أزمة الديون المستمرة. ويشار إلى أن 14 دولة من 17 دولة عضو في منطقة اليورو، بينها ألمانيا، تنتهك حاليا حاجز العجز المسموح به حاليا وهو 3% من إجمالي الناتج المحلي لكل دولة. ومن المتوقع أن يكون أبرز مقترحات المفوضية الأوروبية هو أن سلطات بروكسل يمكن أن تطلب من دول اليورو التي تخطت نسبة عجز الموازنة سحب خطط موازناتها الوطنية إذا بدت غير كافية. وأشارت المؤسسات الأوروبية على مدار الأسابيع الماضية إلى أنه فى إطار الجهود المبذولة لحل أزمة ديون منطقة اليورو فإن دول اليورو سوف يتعين عليها أن تفقد جزءا من سيادتها الوطنية.
