يتساءل بعض المحللين عما إذا كان يعقل أن تثقل حكومة لندن على مصارفها في مثل هذه الظروف الصعبة بضريبة على التعاملات البنكية؟ ويجيب وزير المالية البريطاني جورج أوسبورن على ذلك بوضوح قائلا: إن فرض ضريبة على التعاملات المصرفية سيكون قذيفة مسددة إلى قلب لندن. ورأى الوزير البريطاني أنه إذا قررت أوروبا اعتماد هذه الضريبة وحدها، أي بدون الولايات المتحدة والصين فإن ذلك سيكون انتحاراً اقتصادياً.
حملة واسعة
وشنت الصحف البريطانية حملة واسعة ضد الجهود الألمانية الرامية لفرض ضريبة على التعاملات المالية في أوروبا. ويقول محللون إنه عندما يذكر اسم سياسي ألماني في صحيفتين بريطانيتين في نفس اليوم دون أن يكون هذا الاسم هو أنغيلا ميركل فلابد أن يكون شيئا ما قد حدث. وهذا هو ما حدث خلال الساعات الماضية مع اسم السياسي الألماني فولكر كاودر، رئيس الكتلة البرلمانية للحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه المستشارة الألمانية ميركل، حيث ذكر الاسم في جميع الصحف البريطانية. وكان كاودر قد أقدم خلال مؤتمر حزبه المسيحي الديمقراطي في لايبتسيج على شن هجوم مباشر على الموقف الرافض لبريطانيا فيما يتعلق بفرض ضريبة على التعاملات المالية في أوروبا، وهو ما أثار استياء البريطانيين قبل يومين من زيارة رئيس وزرائهم ديفيد كاميرون لبرلين. وأشارت صحيفة نيو ستيتسمان البريطانية لذلك بعنوانها: الآن، بريطانيا ضد ألمانيا، في حين اقتبست صحيفة ديلي ميل الشهيرة على صفحتها الأولى عددا من العبارات التي انتقد فيها كاودر بريطانيا، وهو اقتباس لا يمكن فهمه إلا بشكل خاطئ بالشكل المذكور حيث قالت الصحيفة نقلا عن كاودر: أوروبا تتحدث الألمانية الآن.
معلومة معروفة
ويأتي ذلك على الرغم من عدم حدوث شيء جدير بالذكر أصلا، فقد أفصح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من خلال عبارته الشهيرة التي خاطب بها كاميرون اغلق فمك عن الوجهة التي على بريطانيا أن تسلكها، ولم يفعل كاودر الآن سوى تأكيد معلومة معروفة بالفعل في ألمانيا مفادها بأن بريطانيا، الدولة غير العضو في اتحاد منطقة اليورو، لا تسعى سوى لتحقيق ميزات خاصة بها، وليست مستعدة لإدراك أن هذه ليست هي الرسالة التي يجب أن يعيها البريطانيون. ورأى كاودر أن بريطانيا تتحمل كدولة بالاتحاد الأوروبي جزءا من المسؤولية عن أوروبا بل وعن مشروع اليورو نفسه. ووصلت هذه الرسالة للبريطانيين، وذلك لأن الكلمات الواضحة لكاودر، الذي يوصم في بريطانيا بأنه حليف ميركل، اعتبرت في الجزيرة البريطانية بمثابة إعلان حرب على مدينة لندن، أكبر مركز مالي في أوروبا. كما أن حي البنوك في بريطانيا أصبح وكأنه مرادف للجشع والاستغلال، وذلك بعد أن أعطت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة للبنوك الحرية الكاملة في الثمانينيات من خلال سياستها التي قامت على تحرير هذه المصارف من القيود.
خيار وحيد
ويرى معظم المحللين والمعلقين أن الحكومة البريطانية بقيادة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ومعه وزير ماليته جورج أوسبورن لم يعد أمامها خيار آخر غير الاحتجاج على ضريبة المعاملات المالية التي يسعى الأوروبيون لاعتمادها، وذلك لأن لندن أصبحت ذات أهمية بالغة للاقتصاد البريطاني. وأعلنت جهات الإحصاء الرسمية في بريطانيا آخر بيانات البطالة التي تنذر بالخطر حيث بلغت نسبة البطالة في بريطانيا 8.3%. وفي الوقت نفسه صحح البنك المركزي البريطاني توقعاته بالنسبة لنمو الاقتصاد في بريطانيا عام 2011 من 1.5% إلى 1% وأقر بأن هذه النسبة لن تزداد عام 2012 وذلك بعد أن كان المركزي البريطاني يتنبأ بنسبة نمو 2.2%. ولا يزال معدل التضخم في بريطانيا عند 5%.
مخاوف متزايدة
وفي هذه الأجواء تزايدت المخاوف في لندن من حدوث موجة من تسريح الموظفين العاملين في القطاع البنكي. وأوضح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أمام جمع من المصرفيين في لندن خلال مأدبة عشاء الأسبوع الماضي أنه سيناضل من أجل تخفيف موقف الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بهذه الضريبة واتهم بروكسل بأنها "غير واقعية" واتهم مؤسسات الاتحاد الأوروبي بـالتدخل الذي لا معنى له والضوابط السخيفة التي تعوق النمو أكثر مما تدعمه. وعلى أي حال فقد أضاف كاميرون قائلا إنه من الأفضل لبريطانيا البقاء في الاتحاد الأوروبي بدلا من مغادرته وهو ما يراه جزء كبير من الجناح اليميني داخل حزبه جديرا بالمناقشة على الأقل.
