تفاقمت المخاوف العالمية أمس إثر الإعلان عن دخول الاقتصاد الإسباني في مرحلة جديدة من الركود فيما أدت أزمة الديون السيادية التي تهز القارة الأوروبية إلى مزيد من الإرباك في الأسواق. وتواجه العديد من الدول الأوروبية وعلى رأسها اليونان وإيطاليا اختباراً صعباً في ظل المتغيرات الدراماتيكية التي شهدتها أروقتها السياسية خلال الساعات الماضية مع تفاقم الأزمة الاقتصادية.
ووضعت اليونان حدا لأربعة أيام من التوتر والقلق عبر تكليف النائب السابق لرئيس البنك المركزي الأوروبي لوكاس باباديموس تشكيل حكومة ائتلافية مهمتها إنقاذ البلاد من الإفلاس وتفادي خروجها من منطقة اليورو.
وفي روما شهدت جلسة لمجلس الشيوخ الإيطالي الذي يضم ماريو مونتي الشخص الأقرب للفوز بمنصب رئيس وزراء إيطاليا مداولات عاصفة بشأن مجموعة من الإجراءات التقشفية. جاء هذا في وقت ناقش فيه مسؤولون ألمان وفرنسيون خططا لإصلاحات جذرية للاتحاد الأوروبي تتضمن إقامة منطقة لليورو أكثر تكاملا وربما أصغر حجما.
واتخذت أزمة ديون منطقة اليورو بعدا جديدا هذا الأسبوع بعد أن اتسعت لتشمل إيطاليا وهو ما تسبب في صعود عوائد السندات الإيطالية إلى مستويات قياسية مع تصاعد المخاوف بشأن ديونها السيادية المرتفعة. وأدت الأزمة حتى الآن إلى خطط للإنقاذ المالي لليونان وأيرلندا والبرتغال وهي اقتصادات صغيرة نسبيا.
ركود إسباني
وأعلن المكتب الوطني للإحصاء في العاصمة الإسبانية مدريد تسجيل اقتصاد البلاد ركودا في الربع الثالث من العام الحالي. وذكر المكتب أن إجمالي الناتج المحلي لإسبانيا ارتفع خلال الفترة بين مطلع يوليو حتى نهاية سبتمبر الماضيين بنسبة 0.8% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
وكان إجمالي الناتج المحلي لإسبانيا حقق في الربع الثاني ارتفاعا بنفس النسبة مقارنة بنفس الفترة من عام 2010، مقابل 0.2% في الربع الأول.
خطر حقيقي
في الأثناء قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إن إيطاليا تمثل خطرا واضحا ومباشرا على منطقة اليورو. وأوضح أن ما يحدث في إيطاليا تحذير لأي دولة وأي حكومة ليس لديها خطة يعتمد عليها للتعامل مع تنامي الديون والعجز ومفاده أنه يجب عليها إيحاد خطة والالتزام بها.
وأضاف أن إيطاليا ثالث اكبر دولة في منطقة اليورو. وضعها الحالي خطر واضح ومباشر على منطقة اليورو وأن لحظة الحقيقة تقترب بسرعة. وتابع: إذا كان زعماء منطقة اليورو يريدون إنقاذ تكتل العملة الموحدة فعليهم وعلى الحكومات ومؤسسات منطقة اليورو التصرف الآن فكلما أرجأوا التصرف زاد الخطر.
تقشف إيطالي
وجرى استقبال مونتي مفوض الاتحاد الأوروبي السابق بحفاوة عندما دخل قاعة مجلس الشيوخ في روما حيث اختار الرئيس الإيطالي جورجيو نابوليتانو مونتي ليمنحه مقعدا في مجلس الشيوخ مدى الحياة. وكان رئيس الوزراء سلفيو برلسكوني تعهد بتقديم استقالته بمجرد مصادقة الهيئة التشريعيةــ مجلسي النواب والشيوخ ــ على الإجراءات والتي من المتوقع أن تتم اليوم.
وكان حزب المحافظين الحاكم وأحزاب يسار الوسط المعارضة رضخت في وقت سابق لضغوط أسواق المال ووافقت على الإسراع بالمصادقة على الإصلاحات التي لم يتم الاتفاق على تفاصيلها النهائية بعد. وتشمل حزمة الإصلاحات خفض الضرائب لتحفيز النمو وبيع أصول الدولة ورفع سن التقاعد حتى 67 عاما بحلول 2026 وضمان مزيد من المرونة في سوق العمل. ويعتقد أن نابوليتانو يفضل تشكيل حكومة موسعة يرأسها مونتي كي تتمكن من التعامل مع مشكلات الديون.
يونكر يستبعد
واستبعد جان كلود يونكر رئيس مجموعة اليورو احتمال طرد أي دولة من منطقة اليورو قائلا إن مثل هذه الخطوة غير ممكنة بمقتضى المعاهدات الأوروبية. وقال يونكر: أستبعد افتراض طرد أي دولة من منطقة اليورو وفي الواقع فإن المعاهدة ليس لها أي أداة تسمح لنا بعمل ذلك.
وأوضح يونكر الذي يزور البرتغال لمناقشة خطة الإنقاذ المالي انه متأكد من أن العضوية الحالية لمنطقة اليورو لن تتغير في السنوات المقبلة. وأضاف: اعتقد انه مع مرور 10 سنوات فإن جميع الدول في منطقة اليورو سيبقى لديها اليورو وأنا مقتنع أنه في غضون عشر 10 سنوات سيكون هناك المزيد من الأعضاء في منطقة اليورو.
تحولات كبيرة
وفي أول تصريح عام له، اعتبر لوكاس باباديموس البالغ من العمر 64 عاما أن مستقبل اليونان هو في منطقة اليورو على الرغم من أن وضعها الحالي عند مفترق طرق حاسم صعب للغاية. ودعا إلى وحدة وتعاون الأحزاب لإنجاز المهمة الشاقة التي تنتظره، لكنه امتنع من جهة أخرى عن تحديد عمر حكومته التي يرغب اليمين في أن تنتهي مع انتخابات مبكرة سريعة.
وبالتزامن تقريبا، حضه الاتحاد الأوروبي، ابرز جهة دائنة للبلاد التي تقف على شفير الإفلاس، -- في بيان مشترك من رئيسه ورئيس مفوضيته هيرمان فان رومبوي وجوزيه مانويل باروزو -- على طمأنة شركائه بالنسبة إلى التعهدات بإجراءات التقشف التي اتخذتها أثينا لتقليص العجز والديون.
وقد تم تحديد مهمة باباديموس من جهة أخرى بصورة دقيقة حول هذا الخط من قبل الأحزاب الثلاثة التي تمثل الغالبية الاشتراكية والمعارضة اليمينية والتي أوصلته إلى السلطة. واتفقت الأحزاب انه يترتب عليه «تطبيق قرارات قمة منطقة اليورو العائدة للسادس والعشرين من أكتوبر والسياسة الاقتصادية المرتبطة بهذه القرارات»، كما أوضحت رئاسة الجمهورية.
وبوضوح، فإن أمامه إنجاز ورشتين عملاقتين: مواصلة إجراءات تنقية الموازنة وإنهاء المفاوضات مع البنوك التي تملك الديون اليونانية لإلغاء 100 مليار يورو من الديون التي تفوق قيمتها 350 مليار يورو.
ومع التضحيات الجديدة التي ستترتب على ذلك بالنسبة إلى اليونانيين، يمكن للبلد أن يأمل بالإنقاذ من الإفلاس على الفور عبر تحديده أخيرا موعدا نهائيا هو الخامس عشر من ديسمبر لقبض قروض جديدة حاسمة بقيمة ثمانية مليارات يورو، وفي وقت لاحق البقاء في منطقة اليورو.
تضارب آراء
وفي حين كانت النقابة الشيوعية بامي تعد لتظاهرة في وسط أثينا للتنديد باختيار رئيس وزراء فرضته الطغمة الثرية والاتحاد الأوروبي رحبت نقابة أصحاب العمل من جهتها باختيار باباديموس. وأعلنت نقابة أصحاب العمل أن هذا التكنوقراطي الاشتراكي الليبرالي الذي كان المحرك للبنك المركزي الأوروبي إلى جانب جان كلود تريشيه، وأحد مهندسي انضمام اليونان إلى اليورو عندما كان في منصب حاكم البنك المركزي اليوناني، يشكل آخر أمل للبلاد.
شرط أن يحظى بدعم اليونانيين. وفي ألمانيا، تمنت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل كل النجاح الممكن لكل من يتولى قيادة اليونان مؤكدة في الوقت نفسه أن هدف ألمانيا الوحيد منذ بدء الأزمة هو استقرار منطقة اليورو في شكلها الحالي.
رهان وطني
ورحبت معظم الصحف اليونانية بنهاية المسلسل السياسي الذي أدى إلى تعيين باباديموس رئيس وزراء جديد مبرزة أن هذا الخيار يشكل رهانا وطنيا لمواجهة الأزمة التي تعصف بالبلاد. وقالت اثنوس إن عهدا جديدا يتمثل في الرهان باباديموس قد بدأ معتبرة قرار الأحزاب الثلاثة، الاشتراكي واليمين واليمين المتطرف لتشكيل حكومة وحدة وطنية، خطوة تاريخية أنعشت اليونان وشركاءها الأوروبيين.
كذلك عنونت صحيفة «تا نيا» (الموالية للاشتراكيين) بالقول إن «الحكومة الجديدة مدعوة إلى ربح الرهان الوطني الكبير المتمثل في إبقاء البلاد في منطقة اليورو وذلك بعد خمسة أيام من مسلسل تراجيدي هزلي للبحث عن رئيس وزراء توافقي.
وتكهنت تا نيا وعدد من وسائل الإعلام أن تظل وزارة المال الأساسية توكل إلى افانجيلوس فينيزيلوس، الشخصية البارزة في الحكومة الاشتراكية المنتهية ولايتها. كما يتوقع أن يشارك اليمين (حزب الديمقراطية الجديدة) في الحكومة الجديدة بما لا يقل عن أربعة من قياديه بمن فيهم المفوض الأوروبي ستافروس ديماس وكذلك مشاركة اثنين من قادة اليمين المتطرف (لاووس) في الحكومة الجديدة كما أفادت تا نيا.
واعتبرت صحيفة كاثيميريني الليبرالية أن الحكومة الجديدة «تطوي صفحة وتحفز الأمل» وان خيار باباديموس «قرار مهم يتحمل مسؤوليته رجالنا السياسيون رغم انه تم في آخر لحظة». وشددت «الفثروس تيبوس» على أن الرأي العام تنفس الصعداء عندما حصل الاتفاق حول الحكومة الجديدة ذلك «ليس لأن الناس يحلمون أن يمسك رجال المصارف بزمام البلاد بل لأن بالنهاية عين رئيس وزراء ليقود البلاد نحو انتخابات».
وأبرزت صحيفة «نفتيمبوريكي» المالية الترحيب بالحكومة الجديدة «على الصعيدين الاجتماعي والسياسي»، معتبرة انه على الرغم من أنها حكومة انتقالية فهي مدعوة «لتلعب دوراً حاسماً يتمثل في تجديد الآفاق الأوروبية للبلاد».
لكن صحيفة الفتيروتيبيا اليسارية شددت على أن «بروكسل هي التي فرضت حكومة التعاون بين ابرز الأحزاب» مشيرة إلى أن هذا الخيار «يشبه كثيرا خيار إيطاليا لأن في الحالتين تبين أن النظام السياسي عاجز عن إدارة الأزمة».



