شهدت أسواق النفط تقلبات مستمرة في عام 2011، إلا أنها مالت إلى الاستقرار المصحوب بارتفاع تدريجي، حيث كان للأحداث التي جرت في البلدان العربية تأثيرات مباشرة على كل من الأسعار ومستويات الإنتاج، خصوصاً وان هذه الأحداث شملت بعض البلدان العربية المنتجة كليبيا التي انخفض إنتاجها من مليوني برميل يومياً في فبراير إلى مئة ألف برميل فقط في شهر أغسطس الماضي.

وساهم ارتفاع الإنتاج في بلدان الفائض، كالمملكة العربية السعودية والتي ارتفع إنتاجها اليومي إلى 9.8 ملايين برميل يومياً ليعوض تراجع الإنتاج في البلدان الأخرى ويساهم بصورة فعّالة في استقرار الأسعار وحفظ التوازن بين معدلات العرض والطلب في الأسواق العالمية.

وقد أدت هذه التطورات الإقليمية والعالمية إلى ارتفاع متوسط سعر برميل نفط خام دبي إلى 101 دولار للبرميل للأشهر العشرة الأولى من العام الجاري، مقابل 75 دولارا للبرميل للفترة نفسها من العام الماضي، أي بنسبة ارتفاع قدرها 34.6% عن متوسط أسعار عام 2010.

وإذا ما أضيف إلى ذلك زيادة الإنتاج والذي وصل إلى 16.5 مليون برميل يومياً في دول مجلس التعاون، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية ارتفاع عائدات النفط في دول المجلس بنسبة 30.7% في العام الجاري لتصل إلى 608 مليارات دولار، مقابل 465 مليار دولار في عام 2010.

وأتاح هذا الارتفاع في العائدات لدول المجلس التعامل بمرونة مع التطورات المالية وارتفاع الأسعار العالمية، وبالأخص أسعار المواد الغذائية، حيث قامت دول المجلس بزيادة الإنفاق في موازناتها السنوية، وبالأخص في بند الرواتب والأجور من خلال اعتمادات إضافية لموازنات عام 2011.

وفي نفس الوقت ساهم ارتفاع عائدات النفط في استقرار الأوضاع الاقتصادية في دول المجلس وتحقيقها لمعدلات نمو جيدة، وذلك على الرغم من استمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية وأزمة الديون في كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، خصوصاً وأن المؤسسات المالية والمصرفية الخليجية لم يكن لديها انكشافات مهمة على المؤسسات الأوروبية التي تعاني من أزمات الديون.

وضمن الأمور الإيجابية لارتفاع أسعار النفط، تأتي قضية تعويض البلدان المصدرة للنفط عن جزء من خسائرها الناجمة عن استمرار تدهور الدولار الأميركي، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط بنسبة كبيرة إلى زيادة العائدات بنفس النسبة تقريباً، خصوصاً أن عملات معظم البلدان المنتجة للنفط مرتبطة بالدولار، مما أدى ارتفاع قيمة الواردات من خارج منطقة الدولار، وبالأخص من البلدان الأوروبية واليابان.

وعلى الرغم من زيادة حجم النقد المتداول في دول المجلس وانعكاسه على حجم السيولة لدى البنوك والتي أصيبت «بتخمة» في السيولة، إلا أن ذلك لم يجد له انعكاساً على أسواق المال الخليجية، «البورصات» وذلك لتأثرها بالانخفاضات والتقلبات الحادة في أسواق المال العالمية من جهة ولأحجام الاستثمار المؤسسي عن العودة إلى أسواق المال الخليجية من جهة أخرى.

ونظراً لهذه التطورات الإيجابية في أسواق النفط، فإنه يتوقع أن تحقق دول المجلس فوائض مهمة في موازناتها السنوية لعام 2011، وذلك رغماً عن زيادة الإنفاق العام، مما سيمنح دول المجلس المزيد من المرونة في التعامل مع المستجدات الاقتصادية والمالية المتقلبة.

وفي الحقيقة، فإنه لم يكن من السهولة المحافظة على استقرار أسواق النفط وبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة في ظل الأجواء السياسية الأمنية المشحونة التي شهدتها المنطقة العربية والأزمات المالية التي شهدها العالم في عام 2011، إلا أن دول مجلس التعاون والبلدان الأعضاء في منظمة الأوبك وبالتعاون مع البلدان المنتجة للنفط من خارج المنظمة استطاعت احتواء هذه التداعيات، سواء من خلال فائض الطاقة الإنتاجية التي تتمتع بها دول المجلس، أو من خلال التنسيق المتواصل بين البلدان المصدرة للتقليل من الجوانب السلبية لتداعيات هذه الأحداث.

لذلك، فإنه من الأهمية بمكان أن تواصل البلدان المصدرة للنفط، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي مواصلة هذا النهج في أسواق النفط العالمية والذي وفر لها المرونة اللازمة للحفاظ على التوازن في هذه الأسواق وعلى بقاء الأسعار عند مستويات تتناسب واحتياجات دول المجلس، خصوصاً وأن الأحداث والتقلبات التي جرت في العام الحالي سيكون لها انعكاسات على أسواق النفط في العام القادم.

وإذا ما تحقق هذا التوازن من خلال التعاون بين البلدان المنتجة، فإنه سيكون بمقدور دول المجلس توفير المتطلبات اللازمة للاستمرار في الإيفاء باحتياجاتها التنموية المتزايدة والناجمة عن تنفيذ المزيد من مشاريع البنية الأساسية وزيادة الإنفاق وارتفاع قيمة الواردات الناجم عن ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، وكذلك دعم مشاريع التنمية للاستمرار في تحقيق معدلات نمو جيدة في الأعوام القادمة.