سعى رئيس صندوق الإنقاذ الأوربي إلى بكين الجمعة الماضي محاولا اقناع الصين بالاستثمار في الصندوق ومساعدة اوروبا على اجتياز محنة ديونها المتعاظمة من خلال ضخ الصين لمليارات الدولارات لحل أزمة الديون السيادية الأوروبية وربما ينم تحفظ كلاوس ريجلنغ كبير المسؤولين التنفيذيين عن الصندوق تقديم تفاصيل أكبر عن خطط الإنقاذ الصينية لأوروبا عن تردد وقلق أوروبي من احتمالات أن تضطر أوروبا لدفع فاتورة سياسية واقتصادية وتجارية باهظة للصين مقابل الإنقاذ الصيني لمستقبل وحدتها وربما مستقبل وجودها ككل.
فالمخاوف الأوروبية تجاه الصين قد يراها الكثير من الساسة والمحليين الاقتصاديين مبررة. فعلى الصعيد التجاري يجلس الاتحاد الأوربي مع الصين على جبل من الخلافات التجارية بدءاً باتهاماته للصين بالتلاعب بمعدل سعر صرف عملته مما يصب في صالح التجارة الصينية على حساب التجارة الأوروبية على حد اتهامات الأوربيين ووصولا بجبل الخلافات الأوروبية الصينية والتي تكدست على شكل قضايا لا تزال تتربع على أرفف منظمة التجارة العالمية بانتظار الحكم بشأنها فيما ظلت قضية الاعتراف بوضع اقتصاد السوق الكامل للصين حجر عثرة في طريق تنمية العلاقات بين الصين والاتحاد الاوروبي لسنوات طويلة .
من يعرف التنين الصيني جيدا يدرك بأن الصين لن تقدم صك بياض للأوروبيين وبأنها ستستغل الضعف الأوروبي لصالحها على كافة الأصعدة . فتجاريا نتوقع أن تطالب الصين القادة الأوربيين بالكف عن إنتقاداتهم التجارية لعملة وتجارة الصين واتهامهم لها بالتلاعب في عملتها لتحقيق أرباح تجارية طائلة على حساب تجارة الأوربيين. وسياسيا نتوقع أن تطلب الصين أن يكف الأوروبيون عن توجيه الانتقادات للصين بشأن ملف حقوق الإنسان فيها وخاصة في إقليم التبت إلى جانب مراجعة العديد من الملفات الأمنية والاتفاقيات العسكرية للأوروبيين والتي يقلق البعض منها الصين.
عوائد الاستثمار
واقتصاديا وماليا لن تقدم الصين دولارا واحدا إلا وهي واثقة مائة بالمائة بأن الدولار سيجر دولارات وآلاف ملايين وربما مليارات من عوائد الاستثمار الصيني في الصندوق الأوروبي ولن نستغرب إذا ما طالبت الصين بأن يكون الجزء الأكبر من استثماراتها في الصندوق الأوربي مقوم بعملتها ( اليوان ) وربما حديث رئيس صندوق انقاذ اوروبا بأن الصندوق مخول باصدار ديون بأي عملة يريد وانه قد يصدر سندات باليوان اعتمادا على ما إذا كانت بكين تريد ذلك ينم عن الحاجة المفرطة للأوربيين للدعم الصيني والقلق في نفس الوقت من الثمن الذي ستدفعه أوروبا لإنقاذها .
إلى جانب أن ذلك مما يفتح الطريق أمام العملة الصينية لتكون عملة دولية بالطبع هذا الحلم الصيني بإنهاء هيمنة الدولار الأميركي على أسواق المال والاقتصاد العالمي وهذا بالتأكيد لن يحدث بين ليلة وضحاها ولكن الأزمات المالية والاقتصادية التي عصفت بالعالم منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي لن تجعلنا نستغرب من حدوث تحول في موازين القوى الاقتصادية والمالية في العالم والتي بدأنا نرى اليوم رياحها تهب حاملة تحول في الثقل الاقتصادي من الغرب إلى الشرق . .
الرغبة الصينية بإنقاذ اوروبا من عثرتها جامحة ولكنها في الوقت ذاته متأنية فمساهمة الصين في إنقاذ الأوروبيين سيعطي لبكين القيادة في إدارة النظام المالي العالمي . حيث إن قادة البلدان 17 الأوروبية في الاتحاد اتفقت الأسبوع الماضي على توسيع صندوق الإنقاذ الأوروبي على أمل حل مشكلة ديون استمرت منذ ما يقرب العامين في حين أن هذا التوسيع سوف يأتي من خلال وجود صندوق ضمان الديون التي تصدرها البلدان الضعيفة ماليا.
إحتياطات وفوائض
فالقادة الأوروبيون يريدون توفير أموال من الصين والتي تمتلك احتياطات أجنبية تقدر بنحو 3.2 ترليونات دولار من أجل زيادة الأموال للترسانة المالية وخاصة أن الصين تبحث عن استثمار مليارات الدولارات التي تولدها فوائضها التجارية شهريا .
ويبدو أن الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي والذي كان أول من دق أبواب الصينيين على أمل إنقاذ الوحدة الأوروبية هو الأكثر تفاؤلا على مستوى القادة الأوروبيين فهو لا يرى سببا يمنع الصين والتي تمتلك 60% من الاحتياطات المالية من العملة من أن تقرر الاستثمار في أوروبا إذا ما أتيح لها الاستثمار في اليورو عوضا عن الدولار .
في حين أن الصين من جانبها تفضل الاستثمار الصلب والجذاب واغتنام فرص الاستثمار الآمنة وهو ما يؤكده الدكتور باوزي تشو الباحث البارز في معهد سكولكوفو لدراسات الأسواق الناشئة في بكين والذي يرى بأن أوروبا ليس لها خيار آخر سوى أن تطلب مساعدة الصين وخاصة أن اوروبا ترغب في زيادة حجم صندوقها إلى 440 مليار يورو إلى نحو ترليون يورو مما يستدعي أن تطلب أوروبا المساعدة الخارجية .
رغبة صينية
ولا يختلف اثنان عن أن الرغبة الصينية لمساعدة أوروبا في أزمتها موجودة كون أن الاتحاد الأوروبي يعد سوقا كبيرة للسلع الصينية وبالتالي من مصلحة الصين أن يكون اقتصاد الاتحاد الأوروبي مستقرا رغم ما قد يتفوه به مسؤولون حكوميون صينيون وقد يظهر كأنه أقرب إلى الممانعة الصينية منه إلى المباركة الصينية فأحد كبار المسؤولين في الحكومة الصينية قال بأن آخر ما تريد الصين فعله هو أن ترمي بثروتها كما أن الصين ستستخدم كل المعايير الممكنة من أجل استرجاع الأموال التي ستقدمها لإنقاذ الأوروبيين إذا ما قررت ذلك .
ومع استمرار المفاوضات المغلقة والمنكشفة للعلن ما بين الأوروبيين والصينيين ورغم ترامي التصريحات هنا وهناك إلا أن وبلا أدنى شك أن مساعدة الصين المالية للأوروبيين ستحدث تحولا في الاقتصاد العالمي .
