تبدو حركة الاحتجاج، التي تشهدها الساحة الأميركية منذ أكثر من شهر ونصف الشهر، مرشحة لتصبح في مصاف الأحداث المتميزة. حيث حظيت، منذ انطلاقها، بالمزيد من الأضواء والاهتمام والتعاطف؛ في طول الولايات المتحدة وعرضها.
ليس فقط لتزايد حجمها وسرعة انتشارها، حيث شملت العديد من المدن الأميركية الكبرى. بل أيضاً وأساساً لأنها لامست مسألة حساسة وغريبة عن ثقافة اقتصاد السوق وهي المتعلقة بالهوّة التي أضحت هائلة بين القلة الثرية، من أفراد وشركات؛ وبين الأكثرية الكاسحة التي تفاقمت أوضاعها المعيشية الصعبة والتي جاءت الأزمة المالية لتزيدها تأزماً.
وما زاد الطين بلّة وحمل التحركات إلى اقتحام هذا المجال ولأول مرة بمثل هذه المجاهرة والإصرار على رفض الخلل القائم، أن هناك شعوراً متزايداً في أميركا بأن الطبقة الوسطى التي تشكل غالبية المجتمع الأميركي، باتت مهدّدة بالاضمحلال. أو في أحسن الأحوال بالضمور. المسافة الشاسعة بين الزبدة وما دونها، معطوفة على استمرار ضيق الحال في ضوء التعثر الاقتصادي وعدم تزحزح معدّل البطالة عن ما فوق 9%؛ كله جعل الأرض خصبة لتنامي وانفجار حركة الرفض تحت عنوان التفاوت الاقتصادي المتزايد.
الأمر الذي جعل ردود الفعل تتجاوز الأشكال والمطالب التقليدية المألوفة المتعلقة بتحسين ظروف العمل من أجور وضمانات ومكاسب؛ لتطاول العصب الحساس في النظام الاقتصادي، الذي انكسر عقده على حدّ تعبير جورج باكر في بحثه المنشور في مجلة الشؤون الخارجية الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن. انقسام مفتوح على تأجيج صراع طبقي غير مألوف في أميركا، يواكبه ويزيد من حدّته انقسام سياسي غير مسبوق بحدّته وعمقه، كما وصفه الرئيس الأسبق جيمي كارتر.
المديونية والعجز
ويتفاعل التململ منذ فترة، بالترافق مع احتدام الجدل والنقاش بشأن هموم المديونية والعجز في الموازنة والفجوات في النظام الضريبي التي تخدم كبار الأثرياء والشركات. وزاد من السخونة، إصرار الجمهوريين في الكونغرس وبالتحديد في مجلس النواب حيث يملكون الغالبية، على الاستمرار بنظام الخفض الضريبي والإعفاءات التي ينعم بها أصحاب الدخول الفلكية؛ كما على تقليص النفقات والمخصصات والضمانات الاجتماعية والبيئية والصحية وغيرها، ذات النفع العام.
وبدأ التعبير عن رفض هذا الخلل يأخذ شكل التجمع الشعبي واحتلال الساحات، خلال الربيع الماضي في ولاية وسكنسون؛ يوم قرر الحاكم الجمهوري حرمان الموظفين والعمال من حق التفاوض الجماعي حول أوضاعهم. تواصل التحرك لأسابيع ورفعت خلاله شعارات جذرية غير معهودة، جاء في واحد منها: افعلوا كالمصريين.
اعتراض علني
ومع أواخر سبتمبر الماضي، انطلقت حركة الاعتصام. مع استمرار الأوضاع الاقتصادية في حالة شبه انسداد وحتى إشعار آخر غير قريب، تطوّر التململ إلى اعتراض علني ملموس وفي مكان يرمز إلى لبّ القضية: في وول ستريت، شارع المال والبورصة في مدينة نيويورك. نزلت مجوعات من الشباب والناقمين على عتاة المصارف وكبار المتمولين والمستثمرين والمضاربين، بتهمة أنهم وراء الأزمة.
نظموا المسيرات اليومية أمام مراكز البيوتات المالية وطالبوا بالقبض على القطط السمان. ثم أخذت حركتهم تتحوّل إلى حملة تعبئة منظمة، انضم إليها أساتذة جامعات مثل كورنيل ويست وأسماء من هوليوود وكتّاب وناشطين مثل المؤلف تيم وايز الذي قال ان الحركة لا تحتل وول ستريت بل هي جاءت لتحريره من استعمار الشركات التي تحتله وحيتان المال. المنشورات التي قاموا بتوزيعها تدور في هذا الفلك من خلال سرد المظالم التي لحقت بعموم الأميركيين، جراء انفلات الشركات العملاقة التي تملك مقادير هائلة من النفوذ وتمارس أعمالها بصورة لا أخلاقية، على ما يقول المعتصمون.
فوضى الرواتب
والمعروف أن مؤسسات الاستثمار والبنوك الكبرى قد حققت أرباحاً فائقة خلال السنة الماضية خلال 2010 والفصول الثلاثة الأخيرة من العام الجاري؛ بالرغم من شبه الجمود الاقتصادي السائد. كما أغدقت بالمكافآت السخية بعشرات الملايين على المديرين التنفيذيين وغيرهم من الصف الأعلى في كوادرها الإدارية، من غير أن يلحق بقية العاملين ما يذكر من التوزيعات. فيما مضى كانت رواتب الصف الأعلى في هذه الشركات تعادل أربعين ضعف رواتب الصف الأدنى. اليوم صارت أربعمائة ضعف حسب ما قال أستاذ الاقتصاد في جامعة إنديانا.
والأرقام التي تداولتها التقارير مؤخراً تعكس وسع الفروقات، التي فجّرت حالة الغضب، التي لا يستبعد مراقبون ومحللون، أن تتطور إلى مواجهات في الشارع مع رجال الأمن الذين يقومون يومياً بتوقيف العديد من المعتصمين. من هذه الأرقام أن 10% من بين الأميركيين الأغنى، تسيطر على ثلثي الثروة القومية. كما تكشف أن 88% من زيادة الدخل الوطني كان من نصيب الشركات الكبرى. وذلك في وقت يعيش فيه 15% من الأميركيين حوالي 46 مليون حسب مكتب الإحصاء الوطني تحت خط الفقر (المحدّد بـ11340 دولاراً سنوياً للفرد).
من بينهم 22% من الأطفال، حسب دراسة أعدتها مؤسسة بروكينغز للأبحاث في واشنطن. وأكثر من 49 مليون أميركي من دون تأمين صحي.27% من الأميركيين السود، تحت خط الفقر. كانت النسبة 25% عام 2009. ومثلها تقريباً، 26%، بين الأقليات الأخرى مثل ذوي الأصول الأميركية الجنوبية. 48 مليوناً لم يدخلوا سوق العمل السنة الماضية. كانوا 45 مليوناً عام 2009.
تراكم متواصل
يقول روبرت ليبرمن أستاذ العلوم السياسية والشؤون العامة في جامعة كولومبيا بنيويورك، ان الهوّة الراهنة بين الأقلية الأغنى والبقية ليست بنت ساعتها. هي حصيلة تراكم متواصل منذ أربعين سنة، صار خلالها الغني 5% - أغنى وبما لا يقاس وغيره بقي إجمالاً يراوح مكانه، كما جاء في مقالته التي نشرتها مجلة فورين أفير.
وأضاف ان الفروقات في المداخيل في أميركا هي الأكبر من بين أمثالها في كل الدول الصناعية المتقدمة. فهي تشابه تلك المعروفة في بلدان مثل غانا وتركمانستان. وطوفان الأرقام المماثلة يملأ التقارير والدراسات المتداولة عن حالة الهبوط الجارية منذ مطلع القرن الذي كان عقده الأول عقداً ضائعاً بالفعل، على حدّ تعبير لورانس كاتز، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد. الأمر الذي يفسّر مدى الاحتقان الذي تفجر وما زال في كبريات المدن الأميركية.
خاصة وأنه يلقى المزيد من التأييد والتعاطف لدى الجمهور الأميركي. في استطلاع أجرته مؤخراً صحيفة نيويورك تايمز بالاشتراك مع شبكة سي بي أس، جاء أن نصف الأميركيين تقريباً يرى ان المشاعر الكامنة في جذور حركة الاحتجاج تعكس رأي غالبية الأميركيين. كما أن ثلثي الرأي العام يقول بوجوب مراعاة الإنصاف في توزيع الثروة. ونفس النسبة تدعو إلى رفع نسبة الضريبة على الأثرياء وتطلب عدم خفضها على الشركات.
تمركز الثروة
من هنا تأخذ حركة الاحتجاج زخمها. فهي تعكس إلى حدّ بعيد، المناخ العام الراهن في أميركا. الأرقام ومنها الرسمية، كشفت الأوضاع على حقيقتها. الطبقة الوسطى الأوسع والتي طالما تنعمت تاريخياً بالبحبوحة، تتآكل وتنحدر؛ وفق كل الدراسات والإحصاءات. بالمقابل، ازداد تمركز الثروة كثافة، في يد 1 إلى 5% من الأميركيين. الأمر الذي أدّى تدريجياً إلى وسع المسافة واشتداد الخناق الذي استفحل مع أزمة 2008.
وبالرغم من حدّة الأزمة المالية الاقتصادية، لا تبدو احتمالات الحلحلة قريبة. كل شيء معطّل، حتى انتخابات الرئاسة، بعد سنة؛ في أحسن الأحوال. الكونغرس الذي يسيطر الجمهوريون على مجلس نوابه، ليس من المتوقع أن يسهّل على إدارة أوباما أية معالجة ملموسة تساعد في تحريك عجلة الاقتصاد. أولويته واحدة فقط لا غير: عرقلة إدارة أوباما، ولو أدّى ذلك إلى زيادة خراب الوضع في البلد، بغية تحميل الرئيس المسؤولية لهزيمته وحرمانه من تجديد رئاسته.
