تتحكم المجريات والتطورات المستمرة في منطقة اليورو في التوجه الاستثماري في الأسواق العالمية بشكل لافت. وبدا أن صناع السياسة كثفوا من أنشطتهم خلال الأيام الماضية وبدأوا يضطلعون بدور أكثر فاعلية دون أن يعني ذلك أنهم يمسكون بزمام المبادرة. وفيما تتواصل وعود فرنسا وألمانيا باتخاذ التدابير اللازمة خلال اجتماع مجموعة العشرين في نوفمبر المقبل، من المحتمل أن تسجل أسواق المخاطر ولاسيما الأسهم مزيداً من الارتفاع، ولكن هنالك قلقا بألا يتخذ صناع القرار في منطقة اليورو مجموعة التدابير والإجراءات الكفيلة بتهدئة السوق، وهو ما سيجعل من أي ارتفاع جديد قصير الأجل.

 

تعامل إيجابي

ورجح غاري دوغان، الرئيس الأول للاستثمارات في الخدمات المصرفية الخاصة في بنك الإمارات دبي الوطني أن تتعامل أسواق الأسهم بإيجابية مع الخطوات التي اتخذتها بعض حكومات منطقة اليورو خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي لمعالجة الأزمة المالية الحاصلة، كما سيتم مناقشة وتحليل ما إذا كان للتدابير المتخذة أي تأثير إيجابي مديد. ومن ناحية أخرى، أقرّت الحكومتان البلجيكية والفرنسية خطة إنقاذ لدعم مجموعة "ديكسيا" المصرفية البلجيكية المتخصصة بالخدمات المالية.

فقد اضطرت حكومتا البلدين إلى التحرك بعد هبوط سعر سهم "ديكسيا" بواقع 45% خلال 6 أيام من جلسات التداول. وسيتم تقسيم أصول "ديكسيا" وسط احتمال بأن تتحول بعض الأصول الأخرى إلى ملكية عامة. ولعل السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه: هل تمثل هذه الخطة الداعمة البداية نحو تطبيق برنامج دعم أكبر للقطاع المالي في منطقة اليورو، وهل تمتلك حكومات منطقة اليورو الموارد الكافية لدعم جميع الشركات المالية التي قد تتطلب المساعدة؟

 

مراجعة التصنيفات

في الواقع، يخضع التصنيف السيادي لفرنسا وبلجيكا لمراجعة وكالات التصنيف الائتماني، وسيواجه كلا البلدين مزيداً من مخاطر التخفيض والهبوط كلما طلبت منهما البنوك والمؤسسات المالية مزيداً من خطط الإنقاذ، مع العلم أن "ديكسيا" ليس البنك الوحيد الذي أعلن إفلاسه بحلول نهاية الأسبوع؛ فقد أشهر البنك المحلي الدنماركي "ماكس بنك" إفلاسه كذلك، وسيفقد حاملو الأسهم جميع استثماراتهم لدى البنك الذي من المرجح أن يتم الاستحواذ عليه من قبل بنك دنماركي آخر وبدعم من الحكومة الدنماركية.

وفيما قد تكون حكومات منطقة اليورو توفر المساعدة فعلاً على نحو إيجابي، يتأنى "البنك المركزي الأوروبي" في تطبيقه للتدابير المقترحة. ففي الأسبوع الماضي، قدّم "البنك المركزي الأوروبي" قائمة قصيرة من سبل الدعم الفني للقطاع المالي، ولكنه فشل بوضوح في خفض أسعار الفائدة التي استقرت عند نسبة 1.5%، رغم أنه يتعين مناقشة مسألة خفض الأسعار خلال اجتماع مجموعة العشرين في نوفمبر المقبل.

 

أزمة اليونان

ومن جهة ثانية، تم وضع القرارات المتعلقة باليونان جانباً حتى أواخر أكتوبر أو بداية نوفمبر. وينتاب كل بلد في منطقة اليورو مخاوف متزايدة نتيجة اعتقادهم بأنهم يهدرون ما يملكون من سيولة نقدية، كما تواصل اليونان إضاعة فرص تحقيق الأهداف التي وضعتها بعثة "الترويكا" التي تضم "الاتحاد الأوروبي" و"البنك المركزي الأوروبي" و"صندوق النقد الدولي". وكلما فوّتت اليونان عليها فرصة تحقيق هذه الأهداف، سارعت للإعلان عن جولة جديدة من خطط تخفيض الإنفاق والتقشف.

وزيادة الضرائب. وبطبيعة الحال، هناك حد لما يمكن لليونانيين أن يتحملوه عندما يصل معدل البطالة في البلاد إلى 16%. ولعل أبرز التدابير المؤقتة التي يمكن أن تتخذها حكومات منطقة اليورو تتمثل في إسقاطها لما نسبته 50% من مجموع الديون الحكومية اليونانية القائمة. ولكن هذه الخطوة ستترك الباب مفتوحاً لمناقشة فيما إذا كانت بعض دول منطقة اليورو مثل إيرلندا وإيطاليا وإسبانيا ستتبع نفس الطريق، وهو ما سيتسبب بفجوة هائلة في الميزانية العمومية للبنوك، والتي ستكون مضطرة لشطب هذه الديون.

 

تفاعل إيجابي

وتفاعلت الأسواق بإيجابية مع تسجيل الاقتصاد الأميركي أداءً جيداً خلال الربع الثالث من العام الجاري، إلا أننا نوصي المستثمرين بتوخي اليقظة والحذر حيال احتمال تراجع الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير مع حلول نهاية العام. كما شهدت بيانات الثقة الصناعية الأخيرة وبعض بيانات البطالة مستويات قوية تجاوزت التوقعات، إلا أن المؤشرات الأخرى تتوقع ضعفاً في المستقبل. وسجل مسح "معهد إدارة المبيعات" للثقة الصناعية أداءً قوياً فاق التوقعات خلال سبتمبر الماضي.

مما يؤكد أن قطاع التصنيع شهد زخماً قوياً في الربع الثالث من العام الجاري، بينما أظهرت الوظائف غير الزراعية زيادة متواضعة للغاية في معدل الوظائف. وكان نمو دخل العائلات ضعيفاً، فيما ارتفعت خسائر الوظائف بشكل كبير خلال الشهر الماضي.