أكد وزراء المالية الخليجيون خلال اجتماعهم أوائل الشهر الجاري، أن اقتصاداتهم تستطيع التأقلم بشكل مريح مع ركود عالمي يلوح في الأفق. وقد تبين خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة أن تفاؤلهم لم يكن في محله، لكنهم يقفون هذه المرة على أرض أكثر صلابة فدول الخليج اليوم افضل استعدادا لاي ازمة عالمية جديدة

ومن المرجح أن يكون النمو مدعوماً ببرامج الإنفاق الحكومي الكبيرة التي أطلقت لأسباب سياسية واقتصادية معاً. وليس هناك مجال كبير لانفجار فقاعات لأسعار الأصول كما كان الحال في الأزمة الأخيرة قبل ثلاث سنوات. وعلاوة على ذلك فإن الأنظمة المالية أصبحت أقوى من بعض النواحي. وقال فابيو سكاتشيافيلاني كبير الاقتصاديين في الصندوق العماني للاستثمار إن دول المنطقة فوجئت بالأزمة العالمية في 2008ــ2009. وأضاف هذه المرة هم مستعدون بشكل أفضل، تحسنت قدرات إدارة الأزمات.

وانكمش الناتج المحلي الإجمالي في الكويت والإمارات في 2009 ونجت السعودية بصعوبة من الركود لتنمو 0.6 بالمئة فقط في ذلك العام. وهوت أسواق الأسهم أكثر من 50 بالمائة وانهارت أسعار العقارات.

والآن بدأ بعض المستثمرين يتحوطون من خطر تكرار ما حدث في الخليج مع تدهور أفق الاقتصاد العالمي. وارتفعت تكلفة التأمين على ديون دول خليجية الأسبوع الماضي.

ومن الواضح أن اقتصادات الخليج بدأت تتباطأ. فقد سجل مؤشر ساب اتش.اس.بي.سي لمديري المشتريات في السعودية، والذي يقيس نشاط قطاعي التصنيع والخدمات أدنى مستوى في 18 شهراً في أغسطس، بينما سجل مؤشر الإمارات أدنى مستوى في 15 شهراً.

 

موقف مختلف

لكن الاقتصادات الخليجية الرئيسية تواجه الأزمة هذه المرة وهي في موقف مختلف. فالسياسة المالية أكثر توسعاً في عديد من الدول إذ أعلنت السعودية في فبراير ومارس أنها ستنفق 130 مليار دولار اضافية، يفترض أن تكون على مدى عدة سنوات، على الاسكان ومكافات لموظفي الدولة وخلق وظائف ومشروعات أخرى. وجرى تبني هذه السياسات في الاساس لاحتواء خطر الاضطرابات السياسية أثناء احتجاجات الربيع العربي في أنحاء الشرق الاوسط. لكن اتضح أنها جاءت في وقت ممتاز من الناحية الاقتصادية إذ إن مفعولها يسري مع بدء تباطؤ النمو العالمي.

في غضون ذلك صنعت الاقتصادات الخليجية الغنية خلال السنوات القليلة الماضية شبكة أمان مالي غير رسمية للمنطقة إذ تعهدت السعودية وجيران أغنياء بمليارات الدولارات لتحسين الاسكان والرعاية الاجتماعية في البحرين وسلطنة عمان وقدمت أبوظبي تمويلاً لدبي.

وهذه الشبكة وان كانت محدودة في الحجم ومرهونة بالأهواء السياسية إلا أنه تم إرساء مبدأ المساعدة المتبادلة الذي كان أقل وضوحاً عند بداية الأزمة الأخيرة.

 

أسعار النفط

وإذا حدث انهيار جديد في أسعار النفط فإنه سيكون أصعب على دول الخليج أن تنفق ما يلزم للخروج من الأزمة إذ إنه مع نزول الأسعار عن 104 دولارات الاسبوع الماضي تركز الأسواق على المستويات الدنيا التي تحتاجها الدول لضبط ميزانياتها. وبالنسبة للسعودية يرى المحللون أن هذا المستوى ارتفع الى نحو 90 دولاراً بسبب نمو الانفاق الحكومي.

لكن حتى هبوط أسعار النفط لفترة مؤقتة الى المستوى المسجل في الأزمة الأخيرة لن يسبب كارثة بالضرورة.

ويقول فاروق سوسة كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الاوسط في سيتي بنك، إن الحكومة السعودية يمكن أن تحافظ على الإنفاق إذا قررت ذلك عن طريق السحب من احتياطيات مالية قدرها 280 مليار دولار. ويعادل هذا المبلغ أكثر من اجمالي نفقات الحكومة في عام. وعلاوة على ذلك يمكنها أن تمول جزءاً من أي عجز في الميزانية من خلال أسواق رأس المال المحلية.

وقال سوسة إذا قرروا أنهم في حاجة لذلك يمكنهم تمويل العجز لسنوات. هناك سيولة وفيرة على المستوى المحلي.

وأوضح انه نظراً لأن السعودية تتحكم فعلياً في معروض النفط فإنه ليس من المرجح أن يحدث تغير أساسي في التوقعات الاقتصادية طويلة الأجل، إلا إذا حدثت صدمة كبيرة في الطلب. وأضاف أن هذه الصدمة ستكون على الاغلب تغيراً تكنولوجياً إذ إن الركود في العالم المتقدم لن يكون خطيراً الى هذا الحد.

وخلصت مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني الى استنتاج مماثل حين ثبتت تصنيف أبوظبي عند AA الاسبوع الماضي. وقال ريتشارد فوكس المحلل لدى فيتش الأزمة المالية العالمية في 2008- 2009 كان اختبار تحمل قاسياً لأبوظبي، لكنه اختبار لم يلحق ضرراً يذكر بميزانيتها العمومية. وأي اختبار مستقبلي لا بد أن تكون عواقبه أشد من ذلك ليستدعي قراراً سلبياً بشأن التصنيف.

ومن الضربات العنيفة التي تعرضت لها منطقة الخليج في خضم الأزمة الأخيرة تهاوي أسعار الاسهم والعقارات، ما أسهم في الكشف عن فجوة متسعة في الميزانية العمومية لبعض الشركات في دبي. وأدى هذا لهروب رؤوس الأموال من بعض الاقتصادات في المنطقة، ما ضغط على سيولة البنوك التجارية.

ومن المتوقع أن يستغرق اصلاح الميزانيات العمومية لشركات دبي معظم العقد الحالي وستؤدي أزمة مالية جديدة الى تعقيد العملية، وقد تحول بين هذه الشركات وبين إصدار أدوات دين في الأسواق العالمية المضطربة.