قال صندوق النقد الدولي في أحدث تقرير له بعنوان " آفاق النمو الاقتصادي العالمي" لشهر سبتمبر 2011، أن الاقتصاد العالمي يمر بمنعطف جديد خطير، فقد ألم به الضعف والهشاشة في البنية الهيكلية، وازدادت الهوة بين الدول، وحدث تراجع قوي في مستوى الثقة، في وقت تنامت فيه مخاطر التطورات السلبية.

وقد أصيب الاقتصاد العالمي بكثير من الصدمات التي أضرت به، فقد ضرب شرق اليابان زلزال عنيف، تبعته موجة تسونامي. وتصاعدت حدة القلاقل في بعض الدول المنتجة للنفط. وفي الوقت نفسه تعطل انتقال الطلب من القطاع العام إلى القطاع القطاع الخاص في الاقتصاد الأميركي. وواجهت منطقة اليورو مخاطر جسيمة تجلت في اضطرابات مالية ضخمة. وعانت الأسواق العالمية من موجة كبيرة من البيع الاضطراري للأصول الخطرة.

 

عدم يقين

وعاد عدم اليقين والأجواء الضبابية لتحيط بالاقتصاد في الأسواق الناشئة بعد فترة صمود طويلة، وإن كان من المتوقع أن يظل النمو قويا إلى حد كبير، وخاصة في الاقتصادات التي تستطيع مقاومة تأثير ضعف الطلب الأجنبي على الناتج من خلال قدر أقل من التشديد في السياسات. وتوقع التقرير أن يصل نمو الدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 5% في 2011، وقرابة 4% في 2102. في حين توقع أن يكون النمو في الدول المستوردة ضعيفا وخاصة في مصر، وسوريا وتونس حيث من المتوقع ان يبلغ 1.5% في 2011. على أن يرتفع في هذه الدول إلى 2.5% في 2012، نتيجة لتباطؤ التعافي في الاستثمار.

وقال التقرير إن التضخم في منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا سيبقى مرتفعا نوعا ما، بيد انه مرشح للتراجع في 2012، مما يعكس انخفاضا في أسعار السلع. وتوقع الصندوق أن يتراجع التضخم من 10% في 2010 إلى 7% بالنسبة للدول المصدرة للبترول، فيما سيحافظ على معدله وهو 8% بين عامي 2011-2012 بالنسبة للدول المستوردة.

 

اقتصاد مستدام

ودعا التقرير الدول المصدرة للبترول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى استثمار الفرصة التي يوفرها ارتفاع أسعار البترول الحالي للتحرك نحو في اقتصادات مستدامة وأكثر تنوعا. وأضاف أن الميزان الخارجي للمنطقة يتوقع أن يبقى مرتفع خلال العامين 2011-2012، رغم أنه قد يضيق إلى حد ما في 2012، في ظل التراجع البسيط في أسعار السلع. وأشار إلى أن أسعار السلع المرتفعة ، ستبقي الدول المصدرة للبترول في وضع خارجي قوي، وتعزز احتياطياتها. في حين سيبقى عجز الحساب الجاري في الدول المستوردة واسعا عند 4.5%، مما يرفع من فواتير استيراد المواد السلعية، وتراجع التحويلات، وانكماش العائدات السياحية.

وتوقع التقرير أن يتقهقر ميزان الحساب الجاري بصورة أكثر في دول المشرق، وهي الأردن، ولبنان، وسوريا.

 

تراجع النمو

وأشارت توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن النمو العالمي يسجل بعض الانخفاض ليصل إلى 4% في نهاية 2012، بعد أن تجاوز 5% في 2010. ومن المتوقع أن يزداد إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في الاقتصادات المتقدمة بوتيرة ضعيفة مقدارها حوالي 1.5% في 2011، و 2% في 2012. غير أن التقرير أعطى صورة مطمئنة نوعا ما في قوله أن هذه التوقعات تفترض احتواء صناع السياسة الأوروبيين للأزمة التي تواجه البلدان الهامشية في منطقة اليورو، وأن يحقق صناع السياسات الأميركيين توازنا حكيما بين دعم الاقتصاد وضبط أوضاع المالية العالمية على المدى المتوسط، وألا تتصاعد حدة التقلب في الأسواق المالية العالمية.

 

الاقتصاد الأميركي

وتوقع تقرير صندوق النقد أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الفعلي للولايات المتحدة بنسبة1.5% في 2011، و 1.8 % في 2012. كما توقع أن يرتفع معدل البطالة بنسبة 9.1% في 2011،و9.0% في 2012.

وقال التقرير أن الاقتصاد الأميركي فقد زخمه في 2011. وتباطأ النمو من معدل نمو سنوي بلغ 2.5 % في النصف الثاني من 2010 إلى 1% في النصف الأول من 2011.ورغم أن التباطؤ كان متوقعا، في ضوء انقطاع واردات السيارات اليابانية نتيجة لزلزال اليابان وتسونامي الذي تبعه، والضغط على الطلب المحلي نتيجة أسعار النفط المرتفعة حتى شهر أبريل، وكان التقهقر أكثر قوة من المتوقع في شهر يونيو 2011.

في غضون ذلك تراجعت الثقة لدى الأفراد والشركات، كما زادت التقلبات السوقية بصورة كبيرة من المخاوف إزاء الانتعاش الفاتر، والخفض الأخير للتصنيف الائتماني للولايات المتحدة،، والتوتر المتزايد من أوروبا. ويبدو أن التضخم ازداد مع التراجع الأخير في أسعار السلع. ناهيك عن أن نمو الوظائف الضعيف، والتراجع الاقتصادي المتواصل، تعرقل نمو الأجور.

وفي هذا الصدد لابد للولايات المتحدة من العمل على طرح أولويات لصياغة خطة متوسطة الاجل لضبط الأوضاع المالية العامة، بما يكفل وضع الدين العام على مسار قابل للاستمرار وتنفيذ سياسات للحفاظ على التعافي الاقتصادي. والذي يشمل العمل على تبسيط مسيرة التصحيح في سوقي السكن والعمل.

ومن شأن قانون الوظائف الأميركي أن يقدم الدعم اللازم للاقتصاد على المدى القصير، شريطة أن يرافقه خطة مالية متوسطة الأجل للمالية العامة قادرة على زيادة نمو الإيرادات واحتواء نمو الإنفاق الناشئ عن برامج المستحقات.

منطقة اليورو

وتوقع التقرير أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو من معدل سنوي بنحو 2% في النصف الأول من 2011، إلى 1.4% في النصف الثاني، قبل أن يرتفع قليلا فوق 1% في 2012. وستكون الاضطرابات المالية الحالية معيقا للنشاط من خلال تراجع الثقة، والتمويل.

ودعا التقرير إلى ضرورة أن تعمد منطقة اليورو إلى كسر حلقة الآثار المرتدة بين المؤسسات السيادية والمالية الضعيفة. كما ينبغي مطالبة المؤسسات المالية الهشة بزيادة رأسمالها، وهو ما يفضل أن يتم ضمن حلول قوامها القطاع الخاص. وفي حال عدم توفر تلك الحلول، فإنه ينبغي أن تقبل تلك المؤسسات ضخ رؤوس أموال عامة فيها أو الحصول على دعم من الصندوق الأوروبي لجنوب شرق أوروبا، أو ربما اللجوء إلى إعادة هيكلتها أو إغلاقها تماما.

 

الدول الهامشية

أما فيما يخص اقتصادات الدول الهامشية، فإن من الأهمية بمكان التوصل إلى التوازن الصحيح بين ضبط أوضاع المالية العامة، والإصلاح الهيكلي من ناحية، والدعم الخارجي من ناحية أخرى. وذلك لضمان استمرارية عملية التصحيح اللازم في الاقتصادات. وأن تقوية النظام المالي تعتبر ضرورة الأولوية رئيسية. كما أن جهود جمع الرساميل من مصادر خاصة لسد الفجوة التي حددت خلال عمليات اختبار الجهد الأخيرة يجب أن تمضي قدما بسرعة فورية، وأن تكون أكثر طموحا مما هو متصور لها.

وفي اليابان، التي يتوقع أن ينمو ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة2.3% في 2012، و -0.5% في 2011، فإن على الحكومة أن تتخذ إجراءات أكثر طموحا للتعامل مع مستوى الدين العام شديد الارتفاع، مع مراعاة الحاجة إلى إعادة الإعمار والتنمية في المناطق التي أصابها الزلزال وتسونامي. وان أي نجاح في إصلاح نظام المستحقات والنظام الضريبي سيؤدي إلى إيجاد مساحة أكبر لضبط الإيقاع المالي على المدى القصير وفقا لقوة الطلب المحلي.

 

أجواء عدم اليقين تتضح أكثر

 

زادت إلى حد كبير أجواء عدم اليقين المحيطة بمسار التعافي الاقتصادي، مقارنة بعدد ابريل الماضي من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي. ويعاني الاقتصاد العالمي اثنين من التطورات السلبية المتزامنة: الأول هو زيادة شدة التباطؤ في وتيرة تعافي الاقتصادات المتقدمة منذ بداية هذا العام. وهو تطور لم ننجح في التقاط معظم خيوطه وهو يتبلور، والثاني هو الزيادة الكبيرة في عدم اليقين بشأن أوضاع المالية العامة والقطاع المالي، وهو ما أصبح واضحاً منذ أغسطس الماضي بوجه خاص. وكل من هذين التطورين يدعو إلى القلق ـ بل إن اقترانهما وتفاعلهما يدعو إلى مزيد من القلق. وثمة حاجة ماسة لانتهاج سياسات قوية تعمل على تحسين الآفاق المتوقعة والحد من المخاطر.

 

إجراءات التنشيط

ووفقاً للتقرير فإن ما يحتاجه الأمر هو التحول من إجراءات التنشيط المالي إلى الطلب القائم على القطاع الخاص. وهناك تقشف مالي جار بالفعل في معظم الاقتصادات المتقدمة «وإن لم يكن في اليابان». لكن طلب القطاع الخاص لم يبدأ في أداء الدور المتوقع منه. وتختلف الأسباب باختلاف البلد المعني، لكن تشديد معايير الإقراض المصرفي، والتركة التي خلفتها طفرة أسواق المساكن، وارتفاع مستوى التمويل بالديون لدى كثير من الأسر، كل ذلك يبدو أنه بمثابة كوابح أقوى مما كنا نتوقع على التعافي الاقتصادي.

وأضاف ننظر الآن في إعادة التوازن الخارجي، فينبغي ان تعمل الاقتصادات المتقدمة التي تتحمل عجزاً في حساباتها الجارية، وخاصة الولايات المتحدة، على تعويض انخفاض الطلب المحلي عن طريق زيادة الطلب الأجنبي، وينطوي هذا على تحول مطرد من الطلب الأجنبي إلى الطلب المحلي في اقتصادات الأسواق الصاعدة التي تحقق فوائض في حساباتها الجارية، ومن أبرزها الصين، هذا الإجراء المعيد للتوازن لا يتم في الوقت الراهن، فقد حدث تراجع في الاختلالات أثناء الأزمة، لكن مرجع ذلك إلى الانخفاض الكبير في ناتج الاقتصادات المتقدمة مقارنة باقتصادات الأسواق الصاعدة أكثر من كونه نابعاً من التصحيح الهيكلي في هذه الاقتصادات. وتشير التنبؤات الاستشرافية إلى أن هذه الاختلالات سوف تزداد ولن تقل.

 

تطور سلبي

وأشار التقرير إلى أن التطور السلبي الثاني يتمثل في زيادة عدم اليقين بشأن أوضاع المالية العامة والقطاع المالي. فمن الواضح أن الأسواق أصبحت أكثر تشككاً في قدرة كثير من البلدان على تثبيت دينها العام. ولفترة من الوقت كانت مخاوفها مركزة في بضعة بلدان صغيرة على هامش أوروبا. وبمرور الوقت، ومع تراجع الاحتمالات المتوقعة للنمو، امتدت مخاوفها إلى عدد أكبر من البلدان في أوروبا وخارجها ــ من اليابان إلى الولايات المتحدة.

وتُرجمت المخاوف بشأن الكيانات السيادية إلى مخاوف تتعلق بالبنوك التي تحوز سندات صادرة عن هذه الكيانات، لا سيما في أوروبا، وأدى ذلك إلى تجميد جزئي للتدفقات المالية، مع احتفاظ البنوك بمستويات مرتفعة من السيولة وتشديد معايير الإقراض. وقد بلغ الخوف من المجهول مستويات مرتفعة، وهبطت أسعار الأسهم، مما سيؤثر سلباً على الإنفاق في الشهور المقبلة. وتشير الأرقام المتوافرة عن شهر أغسطس إلى أن هذا التأثير حادث بالفعل.

 

مكمن الخطر

والاحتمال كبير بأن يكون التأثير متبادلا بين النمو الأساسي المنخفض وروابط المالية العامة والقطاع المالي، وهنا مكمن الخطر. فالنمو المنخفض يتسبب في صعوبة الوصول بالمديونية إلى مستويات يمكن الاستمرار في تحملها، كما يجعل الأسواق تشعر بقلق أكبر تجاه إمكانية استقرار المالية العامة. كذلك يؤدي النمو المنخفض إلى زيادة القروض المتعثرة وضعف البنوك. وفي المقابل، قد يؤدي تركيز إجراءات التقشف المالي في البداية إلى زيادة انخفاض النمو. ونفس الأثر قد يسببه ضعف البنوك وتشديد معايير الإقراض المصرفي.

أما ضعف البنوك واحتمال الحاجة لرؤوس أموال أكبر فهو يثير قلقاً أكبر بشأن إمكانية استقرار المالية العامة. وعليه، فإن مخاطر التطورات السلبية حقيقة واقعة.

 

3 ركائز

تمثل إجراءات السياسة القوية مطلباً جوهرياً في ضوء السيناريو الأساسي الضعيف ومخاطر التطورات السلبية المرتفعة. ويجب أن تستند هذه الإجراءات إلى ثلاث ركائز أساسية.

الركيزة الأولى هي سياسة المالية العامة، فيجب ألا يكون ضبط أوضاع المالية العامة مفرطاً في السرعة حتى لا يقضي على النمو، ويجب ألا يكون مفرطاً في البطء حتى لا يقضي على المصداقية. بل يجب أن تتحدد السرعة حسب ظروف كل بلد، على أن يظل المفتاح هو إجراء ضبط مالي موثوق على المدى المتوسط. فبعض البلدان تحتاج إلى مساعدة خارجية كبيرة حتى تنجح. وبعيداً عن سياسة المالية العامة، تتضمن المتطلبات الجوهرية أيضاً اتخاذ تدابير لدعم الطلب المحلي تتراوح بين الحفاظ على أسعار الفائدة المنخفضة وزيادة الإقراض المصرفي ووضع برامج لتسوية مشكلات الإسكان.

وتتمثل الركيزة الثانية في تدابير المالية العامة. ولن يزول عدم اليقين بشأن المالية العامة بين ليلة وضحاها، فحتى في ظل أكثر الافتراضات تفاؤلاً، سيظل النمو في الاقتصادات المتقدمة منخفضاً لبعض الوقت.

أما الركيزة الثالثة في إعادة التوازن الخارجي، ومن الصعب ضمان النمو الكافي عن طريق الطلب المحلي في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المضارة من الأزمة بمفردها.