تبادلت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الاتهامات بالمسؤولية في تأجيج الأزمة المالية التي تشهدها العديد من بلدان العالم حالياً واختلفتا في آليات الحل. وفيما دعت الولايات المتحدة منطقة اليورو إلى تحريك مزيد من الأموال لحل أزمة الديون المستمرة سارع العديد من المسؤولين الأوروبيين لمعارضة تلك الدعوة.

 وعبر وزير الخزانة الأميركية تيموثي غايتنر عن قلقه من الانقسامات في اوروبا بشأن افضل السبل لتسوية الازمة خصوصا بين الحكومات والبنك المركزي الاوروبي الذي يترأسه جان كلود تريشيه. لكن تريشيه قال ان منطقة اليورو في وضع افضل اقتصاديا من دول كبرى اخرى متقدمة. وأضاف ان الاتحاد الاوروبي ومنطقة اليورو معا، هما في وضع افصل على الارجح من اقتصاديات دول كبرى اخرى متطورة.

وقال تريشيه إن العجز في منطقة اليورو سيبلغ على الارجح 4,5% من اجمالي الناتج الداخلي هذه السنة. وتتوقع الولايات المتحدة عجزا بنسبة 8,8% من اجمالي الناتج الداخلي هذه السنة، اي بزيادة 1,7% اكثر من 2010. اما الديون العامة فانها في اقتصاديات كبرى اخرى متطورة، تفوق 10% تقريبا ما هي عليه في منطقة اليورو.

 

تجنب المخاطر

وشدد غايتنر على وجوب ان يعمل الجميع معا بغية تجنيب الاسواق مخاطر كارثية داعيا الى بذل مزيد من المساعي لابعاد خطر التخلف عن دفع الديون بصورة تسلسلية عن دول منطقة اليورو. ولم تتوقف تحذيراته وانتقاداته عند هذا الحد. فقد طلب من دول الاتحاد النقدي، بحسب وزيرة المالية النمساوية ماريا فكتر، زيادة الاموال لاغاثة الدول التي تمر بصعوبات وتقديم دعم مالي اكبر لمصارفها التي تعاني من اوضاع مضطربة. وقال غايتنر إن الخلافات الأوروبية تنذر بوقوع كارثة اقتصادية كبرى.

وجاء تحذير غايتنر مع تنامي مخاوف دولية من احتمال اتساع نطاق الازمة لتتجاوز اوروبا، وبعد ضخ البنوك المركزية الرئيسية في العالم سيولة مالية بالدولار لدعم البنوك التجارية المكشوفة على الديون السيادية لبلدان اليورو. وهبت البنوك المركزية العالمية الكبرى لمساعدة القطاع المصرفي في منطقة اليورو بصورة منسقة من اجل ضمان امدادها بالدولار.

 

رفض ألماني

ورفضت المانيا الاقتراح الأميركي مؤكدة انه لم يعد ممكنا سحب مزيد من اموال دافعي الضرائب لكن فرض ضريبة على الصفقات المالية بما في ذلك في الولايات المتحدة سيسمح بتوفير الاموال الضرورية بحسب الوزيرة النمساوية.

الا ان غايتنر رفض كليا هذا الخيار بحسب قولها. واعتبرت فكتر ان موقف نظيرها الاميركي غير مبرر خصوصا ان دعامات منطقة اليورو هي بنظرها افضل من دعامات الولايات المتحدة التي ترزح تحت عبء دين عام هائل. وسارع رئيس مجموعة وزراء المالية في منطقة اليورو ورئيس وزراء لوكسمبورغ جان كلود يونكر من جهته الى القول بلهجة حازمة: اننا لا نناقش توسيع او زيادة صندوق اغاثة الدول التي تمر بصعوبات، مع بلد غير عضو في منطقة اليورو".

وقال يونكر إن الترويكة المعنية باليونان سنتخذ القرار حول الدفعة التالية من المساعدة في اكتوبر. وكان من المفترض ان تسدد هذه الدفعة الى اثينا خلال سبتمبر. لكن مغادرة الترويكا التي اوكلت اليها مهمة مراقبة حسابات اليونان والمضي قدما في خطة الانعاش، غير المتوقعة اليونان بداية الشهر ادت الى تأخير هذا الموعد.

 

بيان أميركي

لكن وزارة الخزانة الاميركية نفت في بيان نشر في واشنطن ان يكون غايتنر دعا الى تعزيز صندوق اغاثة الدول التي تمر بصعوبات مؤكدة انه "لم يدع ولم يحض على اي تدبير معين". واضاف البيان ان غايتنر عرض "افكارا عن الطريقة التي تمكن الدول الاوروبية من وضع ادوات تسمح لها بامتلاك القوة الضرورية لمواجهة التحديات المطروحة امامها" و"حث نظراءه الاوروبيين على التحرك بحزم والتحدث بصوت واحد".

 

الوقت ينفد

وحذر وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن من أن الوقت ينفد بالنسبة لدول منطقة اليورو كي تحل أزمة ديون أوروبا. وأبلغ أوزبورن قناة سكاي نيوز من بولندا حيث يجتمع وزراء المالية الاوروبيون: أعتقد أن الجميع هنا يتفهمون خطورة الوضع وكانت تلك هي السمة الغالبة لكل المباحثات التي أجريناها وأعتقد أن الامر سيكون كذلك.

وأضاف: يعلـــــم الناس أن الوقت ينفد وأن على منطقة اليورو أن تظهر أن بمقدورها السيطرة على الوضع. وقال أوزبورن: يتوجب علي أن أقول انها ليست مشكلة بالنسبة لمنطقة اليورو فحسب. وأعتقد أن تيم جايتنر نفسه عندما كان واضحا جدا أن أمريكا بحاجة الى أن تظهر أن باستطاعتها التعامل مع ديونها والعالم عن طريق مجموعة العشرين وعن طريق صندوق النقد الدولي وتحتاج أن تظهر قدرتها على معالجة الاختلالات الكبيرة في العالم.

 

خلافات داخلية

لكن الكـــــيان الأوروبي نفسه بدا منقسماً اكثر من اي وقت مضى. وطـــــالب وزير خارجية لوكســمبورج جان أسيلبورن الحكومة الألمانية بإنهاء الجدل حـــول تكهنات بإفلاس اليونان. وقال أسيلبورن: لا ينبغي ربــط مشكلات سياسية داخلـــية بالقضـــايا المعقدة لليورو. وذكر أسيلبورن أن ألمانيا دولة مصدرة تتربح بنسبة كبيرة من التصدير لمنطقة اليورو ، وقال: لا ينبـــــغي المخاطرة بذلك ، اللعب بالأفكار حول استبعاد أو إفلاس اليونان غير ضروري على الإطلاق ، إنه خطأ فادح وينبغي وقفه على الفور. فالإفــــــلاس سيؤدي إلى مخاطر غير محسوبة وربما إلى عدوى للدول الأخرى.

 

صندوق الإنقاذ الأوروبي يواجه مطبات خطيرة

 

يواجه صندوق الإنقاذ الأوروبي مصاعب وعقبات كبيرة. والصندوق هو عبارة عن آلية لإغاثة الدول التي تمر بصعوبات، ويستمد أمواله من الاسواق مع ضمانة دول منطقة اليورو للتمكن من منح قروض بشروط تفضيلية اكثر من شروط السوق الى البلدان التي تمر بصعوبات. وجهز الصندوق حتى الآن بأموال تمكنه من اعطاء قروض بقيمة 440 مليار يورو. وهذا المبلغ يكفي حاليا لمواجهة مشكلات اليونان وايرلندا والبرتغال. لكن في حال امتدت ازمة الديون لتزعزع استقرار جميع مصارف منطقة اليورو ووصلت الى بلدان مثل اسبانيا او ايطاليا، فان شبكة الامان هذه ستكون محدودة للغاية وسيكون من الصعب السيطرة على الأمر.

حزمة الأدوات

وأمام تفاقم الازمة سيتعين قريبا توسيع حزمة أدوات الصندوق لكي يعمل كصندوق نقد دولي اوروبي مع إمكانية شراء سندات الدين العام من بلد يعاني من صعوبات في السوق حيث يتم تبادلها بين مستثمرين، واقراض المصارف. لكن ينبغي ان تصادق الدول الاعضاء ال17 في منطقة اليورو على هذه التغييرات.

وفي فروكلاف فان الهدف الاساسي الذي تمثل في تنفيذ الخطة الثانية لانقاذ اليونان وهي بقيمة حوالى 160 مليار يورو، لم يتحقق بالرغم من انه حيوي لتجنيب البلاد حالة الافلاس. فمنطقة اليورو ما زالت تصطدم بالضمانات التي تطالب بها فنلندا مقابل اعطاء قروض جديدة لاثينا. وقال يونكر "ان تقدما قد تحقق" لكن لم يتم التوصل الى اي اتفاق.

صعوبات جمة

والصعوبة تتمثل في تفادي اضعاف خطة دعم اليونان والحيلولة دون ان تطلب دول كثيرة فيما بعد المعاملة نفسها. وتجري دراسة آلية قد تنص على ان تتخلى فنلندا عن جزء من فوائدها على الاقل من القروض الممنوحة لليونان عبر صندوق اغاثـــــة الدول التي تمر بصعوبات بحسب مصدر حكومي اوروبي. ودليل اخر على عدم احراز تقدم في مسالة انقاذ اليونان هو ان منطقة اليورو قررت تأجيل اي قرار بشأن دفع شريحة جديدة من القروض في اطار خطة المساعدة الاولى تعــتبر حيوية للبلاد، الى اكتوبر.

 

تغطية الخسائر

وقال محلل مطلع إن آلية الاستقرار المالي الاوروبية يجب أن تضمن نسبة ربما تكون 20 بالمئة من الخسائر المحتملة لديون منطقة اليورو وبذلك فان رأسماله سيرتفع فعليا إلى خمسة أمثاله. وفي ذات السياق قال مسؤول كبير إن الاولوية ستعطي في المرحلة المقبلة لمسألة تصديق الدول الاعضاء على الصلاحيات الجديدة لالية الاستقرار المالي التي تم الاتفاق عليها في يوليو لكن معظم برلمانات دول منطقة اليورو لم تقرها حتى الان. وتسمح هذه الصلاحيات للصندوق بأن يقدم قروضا احترازية للدول التي تقع تحت ضغوط ويشتري سندات سيادية لدعم الدول التي تواجه صعوبات.

 

عقبة جديدة

وفي تطور اخر قد تكون له تداعيات على استدامة الديون اليونانية قالت مصادر مالية ان أقل من 75 بالمئة من دائني القطاع الخاص وافقوا على المشاركة في خطة لمبادلة سندات تهدف الى حماية أثينا من التخلف عن السداد وهي نسبة أقل كثيرا من المستوى المستهدف البالغ 90 بالمئة.

وهذه الخطة جزء محوري من خطة الانقاذ الثانية لليونان التي تم الاتفاق بشأنها في يوليو. أما التقدم الوحيد الذي سجله الأوروبيون خلال اليومين الماضين فهو يتمـــثل باتفاق وزراء مالية الدول ال27 بعد اشهر من الجمود على مبدأ تشديد ضـــــوابط ميزانياتها من خلال فرض عقوبات مالية على البلدان المتساهلة جدا مما يمهد الطريق امام تبن رسمي لهذا الاصلاح.