أعلن رئيس مجموعة وزراء المالية في منطقة اليورو جان كلود يونكر إرجاء قرار تسديد الدفعة الثانية من المساعدة المالية الى اليونان من سبتمبر إلى أكتوبر. وكان من المفترض أن تسدد هذه الدفعة وتندرج في الخطة الاولى لمساعدة اليونان، إلى اثينا خلال سبتمبر. وتتوقع الأسواق أن تجد اليونان نفسها في حال عدم صرف القسم الثاني من القرض البالغ 8 مليارات يورو في وضع الإفلاس اعتبارا من أكتوبر.
وفجرت أزمة الديون الأوروبي خلافات حادة بين دول منطقة اليورو في وقت تفاقمت فيه الأزمة بعد أن أظهرت بيانات نشرت أمس أن الدين العام الأسباني قفز إلى أكثر من 65% من الناتج المحلي الإجمالي وهو أعلى معدل له منذ 14 عاماً . وعقد وزراء مالية سبع عشرة دولة عضواً بمنطقة اليورو اجتماعا اتسم بمشاركة نادرة من نظيرهم الأميركي تيموثي جيثنر بينما لا تزال التساؤلات مستمرة بدرجة كبيرة بشأن قدرة عملتهم الموحدة على تحمل أزمة ديون مدتها عام.
شروط قاسية
وفيما لم يستبعد الكثير من المسؤولين إعلان إفلاس اليونان رهن مسؤولون فنلنديون مشاركتهم في حزمة إنقاذ اليونان، بأن تعرض أثينا في المقابل على الدولة الواقعة في شمال أوروبا ضمانات، ما أذكى المخاوف من إمكانية انحراف جهود إصلاح الاقتصاد اليوناني. وتثير مسألة الضمانات توتراً في العلاقات في مجموعة اليورو منذ اسابيع وتؤخر تطبيق خطة المساعدة الثانية.
وفيما وحدت البنوك المركزية الرئيسية في العالم جهودها بضخ مزيد من السيولة لتعزيز الوضع المالي للمصارف المهددة وانهاء ازمة ديون منطقة اليورو، تتعرض اوروبا لضغوط متزايدة لانهاء شهور من النزاع حول خطة انقاذ مالي ثانية للحكومة اليونانية التي اوشكت على الافلاس.
وبعد ان اعلنت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا استعدادها لدعم الحكومات الاوروبية، اعلنت المصارف المركزية لمنطقة اليورو والولايات المتحدة واليابان وسويسرا وبريطانيا ضخ احتياطات بمليارات الدولارات في البنوك التجارية المهددة بانكشافها على الدين الضخم لمنطقة اليورو، مما عزز السندات المصرفية المتدنية ووضع العملة الموحدة اليورو.
وقال وزير المالية البلجيكي ديدييه ريندرز إنه مع وجود مثل هذه الأزمة في عدد مختلف من الدول الأعضاء فإن هنالك حاجة إلى بذل المزيد. وأشار إلى أن الحل الوحيد يتمثل في عدم العودة وإنما المضي قدما للأمام مؤكدا على الحاجة إلى قرارات أكثر ابتكارا.
وأعرب قادة منطقة اليورو عن أملهم في أن تهدىء الإصلاحات ، التي تم الاتفاق عليها في قمة خاصة في يوليو وتشمل توسيع التفويض لصندوق إنقاذ المنطقة، المخاوف بشأن أوروبا لكن تنفيذها من جانب البرلمانات الوطنية استغرق وقتا طويلا. ويطالب بعض الخبراء والسياسيين بإصدار سندات اليورو.
وهي سندات يتم إصدارها ومضمونة بشكل مشترك من جانب الدول السبع عشرة في منطقة اليورو، كوسيلة للقضاء على الأزمة وهي في مهدها. وتتعرض الفكرة لمعارضة كبيرة في ألمانيا وسط تساؤلات عن دستوريتها وشكاوى بشأن الاضطرار إلى التعرض لأسعار فائدة أعلى بسبب عجز الآخرين عن إدارة شؤونهم المالية.
مخاوف كبيرة
وكانت الأزمة أجبرت ثلاث دول بمنطقة اليورو إلى طلب حزم إنقاذ وسط تقلبات شديدة بالأسواق دفعت المراقبين للتكهن بأن المزيد من الدول ستحتاج إلى أن تسلك الطريق نفسه. وتسببت التطورات في دق نواقيس الخطر على ضفتي المحيط الأطلنطي بعد أن قال مسؤولون أميركيون إن إخفاق أوروبا في التصدي لأزمة ديونها يمكن أن يؤدي إلى ركود عالمي آخر. وقال وزير المالية الألماني فولفجانج شويبله إنه يتعين حل المشاكل على ضفتي الأطلنطي.
وضع اليونان
وما يشغل تفكير وزراء المالية بشكل مكثف هو الوضع في اليونان التي طلبت مرتين مساعدة مالية دولية ، لكنها تبذل جهودا مستميتة لتنفيذ إجراءات التقشف المرتبطة بذلك. ومع ذلك، شدد وزير المالية اليوناني إيفانجيلوس فينيزيلوس على أن بلاده تطبق برنامج الإنقاذ. وقال إن بلاده تسير على الطريق الصحيح. لكن وزيرة المالية الفنلندية يوتا اوربيلاينن قالت إنها لا تتوقع التوصل لاتفاق سريع بشأن الأمر ، لكنها لا تزال متفائلة بأننا سنجد حلًا في نهاية المطاف.
شبح الإفلاس
ولم تستبعد وزيرة المالية النمساوية ماريا فيكتر ان يكون اعلان افلاس اليونان حلا افضل من عملية انقاذ مكلفة. وأوضحت فيكتر: نحن ماضون في طريقنا بحزم، لكن اذا وجدنا انفسنا امام خيار اكثر كلفة من التخلف عن الدفع، فعلينا ان ندرس الحل الاخير الا انها أضافت: اننا لم نصل الى هذا الحد في الوقت الحالي.
وعلى غرار فلندا تعارض دول أوروبية عديدة تقديم حزمة جديدة لليونان. ومن المقرر ان تتوجه الترويكا المكونة من صندوق النقد الدولي والمصرف المركزي الاوروبي والمفوضية الاوروبية الى اثينا خلال اليومين المقبلين لاستئناف المحادثات من اجل دفع القسط السادس من القرض السابق البالغ 110 مليارات يورو والذي منح الى اليونان في مايو 2010.
وكانت الحكومة اليونانية اقرت بأنها لم تنفذ اهداف الموازنة التي حددتها الجهات الدائنة بسبب ركود اتى اكبر من التوقعات، الا انها اعلنت عن عزمها المضي قدما في جهود الاصلاح المطلوبة.
الدين الأسباني
وأعلن البنك المركزي الاسباني ان الدين العام للبلاد ارتفع في الربع الثاني من العام 2011 الى اعلى مستوياته منذ 14 عاما، في الوقت الذي تسعى الحكومة لاصلاح العجز في موازنتها السنوية. واشار البنك الى ان العجز الضخم في الموازنة الحكومية يزيد الدين العام للبلاد عاما بعد آخر.
واضاف انه بحلول الربع الثاني من 2011 وصل الدين العام الى ما يناهز 65,2 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي بعد ان كان 57,2 في المئة منه قبل عام. ويعد الدين الاسباني العام في اعلى مستوياته منذ العام 1997، ما يثير مخاوف الاسواق المالية المتوجسة من قدرة بلدان منطقة اليورو على تحمل الديون المثقلة لحكوماتها.
وبهذا يتجاوز اجمالي الدين الاسباني السقف الذي حدده الاتحاد الاوروبي عند 60 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، وان كان ما زال اقل بكثير من متوسطه لدى بلدان الاتحاد الذي بلغ 85,1 في المئة من اجمالي الناتج المحلي العام 2010.
وتبذل الحكومة الاسبانية جهودا كبيرة لضمان الوفاء بالتزاماتها لجهة خفض العجز السنوي وتجنب مصير اليونان وايرلندا والبرتغال. وكانت اسبانيا وعدت بخفض عجزها العام السنوي بما يناهز 9,2 في المئة من اجمالي الناتج المحلي العام الماضي الى 6 في المئة منه هذا العام و4 في المئة العام 2012 و3 في المئة العام 2013.
غير انه من غير المؤكد ان تتمكن اسبانيا من تحقيق تلك الاهداف بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي ومعدل البطالة الذي يربو على 20 في المئة فضلا عن العجز المستشري في المناطق الاسبانية التي تتمتع بشبه حكم ذاتي.
إجراءات سريعة
وقد اتخدت الحكومة في اغسطس خطوات لتحصيل 4,9 مليارات يورو عبر ارغام الشركات الكبرى على دفع اقساط ضريبية مسبقا واجبار السلطات الصحية على شراء ادوية ارخص لا تحمل الاسم التجاري للانواع المعروفة. وقد خفضت بمقدار النصف ضريبة المبيعات في حالة شراء منازل جديدة حتى نهاية 2011 بهدف ضخ مزيد من الدماء في قطاع الاسكان المتداعي منذ انفجرت ازمة الرهن العقاري في 2008.
ورفعت الحكومة العام الماضي ضريبة المبيعات وجمدت رواتب التقاعد وخفضت رواتب العاملين في القطاع العام بنسبة خمسة في المئة واجبرت البنوك على تعزيز وضعها الحسابي ورفعت سن التقاعد ويسرت على الشركات تسريح الموظفين والتعاقد مع موظفين جدد.
تدهور التوقعات
وباتت المفوضية الاوروبية تتوقع نموا طفيفا لا يكاد يتجاوز 0,1% للاشهر الثلاثة الاخيرة من العام، وهو اسوأ مما كان متوقعا من قبل. وقد حذر اولي رين مفوض الاتحاد الاوروبي للشؤون الاقتصادية من ان الاضطرابات التي شهدتها الاسواق المالية ستترك اثرا سلبيا على الاقتصاد الفعلي.
وعمل كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الالمانية انغيلا ميركل على طمأنة الاسواق الى بقاء اليونان داخل منطقة اليورو وذلك وسط مخاوف من ان اثينا باتت بصدد اعلان افلاسها بينما يشير البعض الى احتمال تخليها عن اليورو.
وفي اتصال هاتفي بين ساركوزي وميركل ورئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو تعهد الاخير بتطبيق الاصلاحات التي طال انتظارها والتي طالب بها الدائنون مقابل تقديم قروض بثمانية مليارات يورو تم الاتفاق عليها ومازالت معلقة.
وقال رين انه ينتظر نتيجة المراجعات المالية التي ستصدر عن خبراء ماليين من الاتحاد الاوروبي والبنك المركزي الاوروبي وصندوق النقد بنهاية سبتمبر الحالي لتقييم الجهود التي تبذلها اليونان. ومازال امام منطقة اليورو عائق آخر يتمثل في رفض سلوفاكيا اجراء تصويت برلماني مبكر حول التصديق على خطة المساعدات الثانية لليونان التي تم الاتفاق عليها من حيث المبدأ في يوليو.
صندوق الانقاذ
وقال مسؤول كبير في منطقة اليورو ان جايتنر حث وزراء منطقة اليورو على زيادة حجم صندوق الانقاذ الاوروبي الذي يبلغ 440 مليار يورو عن طريق الاقتراض وعلى تحرير مزيد من الموارد للتصدي لازمة الدين. وكانت واشنطن قد أنشأت صندوقا للطورائ لمساعدة البنوك الأميركية أثناء أزمة الائتمان العالمية لكن المسؤول قال أن جايتنر لم يشر الى ذلك الصندوق التي كانت مصادر قد ذكرت أنه قد يكون نموذجا للصندوق الاوروبي المعروف بالية الاستقرار المالي الاوروبية.
ويقول محللون انه لا بد من زيادة حجم الالية التي أنشئت في مايو 2010 والتي استخدمت حتى الآن لانقاذ البرتغال وأيرلندا لبث الثقة في السوق في إمكانية احتواء أزمة الديون. لكن ألمانيا واخرين يرفضون زيادة حجم الصندوق ولم تصدق بعض برلمانات دول منطقة اليورو حتى الان على صلاحيات جديدة للصندوق تم الاتفاق عليها قبل شهرين وتسمح له بتقديم قروض احترازية للدول التي تقع تحت ضغوط وشراء سندات سيادية لدعم الدول التي تواجه صعوبات.
خيبة أمل
وارتفعت الاسهم العالمية نصفا بالمئة لتسجل أعلى مستوياتها في أسبوع بينما حافظ اليورو على المكاسب التي حققها في الجلسة السابقة وسط آمال بأن صناع السياسة الاوروبيين سيتوصلون أخيراً الى خطة جريئة لمواجهة الأزمة المستمرة منذ نحو عامين.
لكن هذا يدع مجالًا لخيبة الامل وذلك لاسباب من بينها أن تحرك البنوك المركزية يثير قلقا شديدا بشأن نضوب الاقراض بين البنوك. وقال جافن فريند محلل الاسواق في ناشونال استراليا بنك: من الصعب على منطقة اليورو التوصل الى أي شيء ملموس في هذه المرحلة لكن عليهم المحافظة على قوة الدفع.
وأضاف: جايتنر يدرك مدى أهمية كل ذلك والاسواق تدرك أن الامر بأكمله سيستغرق وقتا للحل لكنها تريد أن تسمع أن المحادثات تحقق تقدما طيبا وأن الاوروبيين متقبلون لما يقوله جايتنر. وسيكون رفع آلية الاستقرار المالي بالاقتراض وسيلة جديدة وقد تنجو من الاعتراضات على زيادة حجم الآلية بطريقة مباشرة. لكن هناك مخاوف بشأن الالتزامات الاضافية التي قد تنتج عن رفع الآلية بالاقتراض خاصة بالنسبة لدول مثل فرنسا.
فكرة السندات
وحذر يورجان ستارك كبير خبراء الاقتصاد المستقيل في البنك المركزي الأوروبي من فكرة إصدار سندات مشتركة لمنطقة اليورو وقال إنها يمكن أن تعمق أزمة الديون الأوروبية. وفي حين تؤيد المفوضية الأوروبية هذه الفكرة التي ظهرت بقوة في أعقاب تفجر أزمة ديون اليونان إحدى دول منطقة اليورو تعارضها ألمانيا تماما.
وفي حديث في العاصمة النمساوية فيينا قال ستارك إن إصدار هذه السندات سوف ينم عن قصر نظر بصورة مقلقة. وأضاف أنه بإصدار مثل هذه السندات سوف تتراجع أهمية دوافع الالتزام بضبط الميزانية بالنسبة للدول التي تعاني مشكلات مالية.
وتقوم فكرة السندات المشتركة على أساس إصدار سندات خزانة بسعر فائدة منخفض نسبياً بحيث تستطيع الدول المتعثرة مالياً مثل اليونان والبرتغال وإيطاليا الاقتراض من أسواق المال بفائدة منخفضة بفضل اشتراك الدول ذات التصنيف الائتماني المرتفع مثل ألمانيا في ضمان هذه السندات.
وقال ستارك إن سندات اليورو ليست الحل لأزمة الديون لأن ثمن ارتفاع ديون الحكومات لن تدفعه هذه الحكومات ولكن ستتحمله الدول الأعضاء في منطقة العملة الموحدة ككل. واستقال ستارك من وظيفته في البنك المركزي الأوروبي قبل أيام في ظل تقارير عن رفضه قيام البنك المركزي الأوروبي بالتوسع في شراء سندات الدول المتعثرة ماليا.
