اهتزت الأسواق العالمية، أمس، مع تفاقم مخاوف الانكماش الاقتصادي والبطالة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا واليابان. وسجلت المؤشرات العالمية تراجعات جماعية، في ظل غياب أي محفزات لإنعاش الاقتصاد العالمي، الذي يعاني تدهور معدلات النمو.

واقترح الرئيس الأميركي، باراك أوباما، خطة تتكلف 447 مليار دولار، وتتضمن تخفيضات ضريبية وانفاقا جديدا لانعاش سوق العمل الراكدة، لكنه يواجه معركة مع الجمهوريين لاستعادة ثقة الأميركيين بقيادته للاقتصاد. ومع تدني شعبيته وبلوغ معدل البطالة 9.1 في المئة، دعا أوباما الى التحرك السريع حيال مجموعة واسعة من المقترحات، قدمها قبل 14 شهرا فقط من انتخابات الرئاسة الأميركية، التي ستحدد ما اذا كان سيتم اختياره فترة ثانية.

وقال جوستن أوركهارت ستيوارت، المدير بمؤسسة سفن لادارة الاستثمارات: إن المستثمرين يحجمون لانهم عاجزون عن قراءة السوق، وليس هنالك من سبب يدفعهم للاستثمار ما لم يروا سياسات موثوقا بها. وتتزايد المخاوف من حدوث ركود أمريكي جديد وتأزم الاقتصاد العالمي على نحو أكبر.

وربط وزير الخزانة الأميركي، تيم غايتنر، بين حل أزمة البطالة الأميركية وإنعاش الاقتصاد العالمي، وقال: إن الجهود الرامية لتوفير فرص عمل بالسوق الأميركية، يمكن أن تساعد الاقتصاد العالمي على استعادة وتيرة التحرك السريع.

 

تعاملات طوكيو

في اليابان، تراجع مؤشر نيكاي القياسي المؤلف من 225 سهماً، بمقدار 55.46 نقطة، أي بنسبة 0.63 في المئة، ليغلق على 8737.66 نقطة، كما سجل مؤشر توبكس الأوسع نطاقا، انخفاضا بمقدار 1.7 نقطة، بنسبة 23ر0 في المئة، ليغلق على 755.7 نقطة. وفي تعاملات الاسبوع، تراجع مؤشر نيكاي بنسبة 2.38 في المئة، ومؤشر توبكس بنسبة 1.83 في المئة.

وأصيب المستثمرون في البورصة بخيبة أمل مما جاء في تقرير للحكومة اليابانية، أن اقتصاد البلاد سجل انكماشا في الربع الأول بنسبة 2.1 في المئة على أساس سنوي، في تعديل لتقييم أولي سابق كان بانكماش بنسبة 1.3 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

 

تراجع أوروبي

وتراجعت الاسهم الاوروبية، بعدما غابت أي مؤشرات تنم عن اتخاذ إجراءات تحفيزية جديدة. وانخفض مؤشر يوروفرست 300 لاسهم الشركات الأوروبية الكبرى 0.2 في المئة، مسجلاً 938.07 نقطة، بعدما ارتفع 0.9 في المئة في الجلسة السابقة.

وتراجع مؤشر ستوكس يوروب 600 للموارد الأساسية، 0.6 في المئة، مع هبوط أسعار النحاس. وفي أنحاء أوروبا، انخفض كل من مؤشر فايننشال تايمز 100 في بورصة لندن، ومؤشر داكس لاسهم الشركات الالمانية الكبرى في بورصة فرانكفورت 0.5 في المئة، في حين هبط مؤشر كاك 40 في بورصة باريس 0.7 في المئة.

 

مؤشرات أميركا

وكانت المؤشرات الرئيسة في بورصة وول ستريت الأميركية، قد عاودت التراجع عند الإغلاق، أول من أمس (الخميس)، وذلك وسط خيبة أمل المستثمرين. وتراجع مؤشر داو جونز الصناعي للأسهم الممتازة بمقدار 119.05 نقطة، أي بنسبة 1.04%، ليصل إلى 11295.41 نقطة.

وفقد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأوسع نطاقاً 12.72 نقطة، أي 1.06%، ليصل إلى 1185.90 نقطة، كما خسر مؤشر ناسداك المجمع لأسهم التكنولوجيا 19.8 نقطة، أي 0.78%، ليصل إلى 2529.14 نقطة.

 

خطة التوظيف

وفي نبرة مفعمة بالحماس أمام جلسة مشتركة نادرة لمجلسي الكونغرس الأميركي، طالب الرئيس أوباما، النواب، بتمرير خطة الوظائف على الفور.

وأضاف، في كلمته التي نقلتها شاشات التلفزيون: السؤال هو هل يمكننا في مواجهة أزمة وطنية مستمرة، أن نوقف السيرك السياسي، وننفذ بالفعل شيئا لدعم الاقتصاد؟ وقال أوباما ان خطته الجديدة ستخفض الضرائب على العمال ورجال الاعمال، وستوظف أعدادا كبرى في مجالي الانشاءات والتعليم، من خلال مشروعات للبنية التحتية.

وتشير تقديرات عدد من الاقتصاديين، الى أن خطة الوظائف التي اقترحها أوباما، يمكن ـ في حالة اقرارها ـ أن تزيد النمو الاقتصادي الأميركي، ما بين نقطة وثلاث نقاط مئوية في العام 2012، وأن تتيح نحو مليون فرصة عمل، وتخفض معدل البطالة بنحو نصف نقطة مئوية.

 

تفاصيل الخطة

وجاء في صدارة التدابير التي تضمنتها الخطة، مقترح لتخفيض ضريبة الرواتب ـ التي تصل نسبتها إلى 6.2%، والتي تمول المعاشات التقاعدية الحكومية ـ إلى النصف بشكل مؤقت. ويتضمن مقترح أوباما ـ أيضاً ـ تخصيص 50 مليار دولار للإنفاق العاجل على الطرق السريعة والسكك الحديدية ومشروعات تجارة التجزئة والطيران، علاوةً على مبالغ إضافية لتحديث مباني المدارس العامة.

وهناك تدابير أخرى من شأنها طرح حوافز ضريبية للشركات، من أجل الاستثمار في معدات جديدة، وتشجيع توظيف الكوادر المخضرمة من العاطلين. كما يقترح أوباما مساعدة الولايات والحكومات المحلية المتعثرة ماليا، لمنع تسريح المدرسين ورجال الإطفاء والشرطة.

 

صدمة كهربائية

وشرح أوباما ـ الذي تواجه بلاده بطالة مرتفعة ورثتها من فترة الركود بين 2007 و2009، التي قضت على اكثر من ثمانية ملايين وظيفة ـ خطته، بالقول: إن الهدف منها يتمثل بإعادة المزيد من الناس الى العمل، ووضع المزيد من المال في جيوب الذين يعملون. واكد امام البرلمانيين في مجلسي النواب والشيوخ، ان هذه الخطة ستوجه صدمة كهربائية لاقتصاد متعثر، وستعطي الثقة للشركات، انها اذا استثمرت ووظفت، فسيكون هناك زبائن لانتاجها ولخدماتها.

وقال الرئيس الأميركي، الذي يتعين عليه إقناع الجمهوريين الذين يملكون القدرة على تعطيل خطته في مجلس الشيوخ، للتصويت على هذه الإجراءات: إن هذه الخطة ستوجد المزيد من الوظائف في قطاعي البناء والتعليم، والمزيد من الوظائف لقدامى المحاربين، والمزيد من الوظائف للعاطلين عن العمل منذ فترة طويلة. واضاف اوباما، الذي ينوي الترشح للانتخابات الرئاسية في العام 2012: إن سكان أميركا يعملون جاهدين على القيام بمسؤولياتهم.

وأكد الرئيس الأميركي ـ الذي خاض معركة شرسة مع النواب الجمهوريين، في بداية الصيف، للحصول على اتفاق حول رفع سقف الدين وتخفيض العجز ـ ان هذه الخطة الجديدة ستكون ممولة كلياً. واثناء خطابه ـ الذي دام أكثر من نصف ساعة.

والذي قوبل بتصفيق حاد ـ اعلن اوباما انه سيكشف في 19 سبتمبر، خطة اكثر طموحاً لتقليص العجز، وهي خطة لن يكون من شأنها فحسب، ان تغطي كلفة مقترحة لقانون التوظيف، وإنما ـ ايضا ـ ستؤدي الى استقرار الدين على الامد البعيد.

 

شكوك كبيرة

وحتى قبل ان يلقي خطابه، ابدى الجمهوريون تشككهم، بل حتى مناهضتهم لمقترحات الرئيس، وتضاعفت انتقاداتهم بعد الخطاب. وقال السيناتور، جون ماكين: إنه لا بد من معرفة الكيفية التي سيتم بها تمويل الخطة.

وقال عضو مجلس النواب، ستيف شابو: للأسف، فإن الكلام المنمق لن يعيد احدا الى العمل، مضيفاً: إن النواب سيدرسون مقترح الرئيس، ولكن الواقع ان القليل جدا من المقترح سيتحول قانوناً. وقالت ميشيل باكمان، المترشحة عن المحافظين المتشددين لخوض منافسة الانتخابات الرئاسية 2012: إنه يتوجب على الكونغرس، ليس رفض هذه الخطة فحسب، وإنما ـ أيضاً ـ التشديد أن الخطة ستؤذي الاقتصاد الأميركي.

 

تجربة سابقة

ويجدر الربط بين الـ447 مليار دولار، التي تحدث عنها اوباما، وخطة الانعاش المكثف، التي صدرت بعد شهر من توليه السلطة في بداية 2009، والبالغة كلفتها الاصلية 787 مليار دولار، ولكن بعد عامين ونصف العام من ذلك التاريخ، فإن الوضع في مستوى البطالة، لايزال مقلقاً على الرغم من استقراره.

وقد اوجد الاقتصاد الأميركي، في اغسطس، عدداً من فرص العمل، مساوياً للعدد الذي فقده، منهياً عشرة اشهر متتالية من عمليات التوظيف الجديدة، وهذا الرقم مع غيره من المؤشرات الاقتصادية غير الإيجابية، يغذي المخاوف من استمرار الركود، وأثر ذلك في شعبية اوباما، التي تحوم قبل اقل من 14 شهراً من الانتخابات عند 40 في المئة.

 

ضعف الإنفاق

و أكد بن برنانكي، رئيس مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي، أن الضعف غير المعتاد في انفاق الاسر الأميركية، واستمرار الضغوط المالية الناتجة عن القلق بشأن ازمة الدين السيادي في اوروبا، وفقدان واشنطن تصنيفها الائتماني الممتاز، لايزالان يعرقلان الانتعاش. وحذر من ان خفض الحكومة الامريكية الانفاق ـ بشكل كبير، في الاجل القصير، في اطار جهودها لخفض العجز في الميزانية ـ قد يؤثر سلباً، ايضاً ـ في الانتعاش الاقتصادي والتوظيف.

واعرب بن برنانكي عن استعداد المجلس للقيام بخطوات لتخفيف السياسة النقدية، بهدف تنشيط الاقتصاد المتعثر. وقال برنانكي، في خطاب له أمام مجموعة من رجال الأعمال، في مينابوليس بولاية مينسوتا الأميركية: إن أعضاء لجنة تحديد السياسة النقدية في مجلس الاحتياط الاتحادي، التي يرأسها، على استعداد لتوظيف هذه الأدوات بصورة مناسبة، لدعم تعافي اقتصادي أقوى، في إطار استقرار الأسعار.

 

حزم التحفيز

ويحتفظ مجلس الاحتياط الاتحادي بسعر الفائدة، قريباً من مستوى صفر في المئة، منذ ديسمبر 2008، خلال ذروة الأزمة المالية العالمية، التي تفجرت في خريف ذلك العام. ومنذ ذلك الوقت، أطلق مجلس الاحتياط الاتحادي حزمتي تحفيز اقتصادي، من خلال شراء كميات كبيرة من سندات الخزانة الأميركية، في محاولة من جانبه لضخ كميات من السيولة النقدية للاستثمارات الخاصة بالاقتصاد.

ومنذ آخر اجتماع للجنة السياسة النقدية في المجلس، الذي عقد في 9 أغسطس الماضي، وفي ظل التدهور الحاد لحالة الاقتصاد الأميركي، أقدم المجلس على خطوة غير مسبوقة، بإعلانه اعتزامه الإبقاء على سعر الفائدة المنخفض حتى منتصف 2013. وقال برنانكي إنه وزملاءه في المجلس، لديهم مجموعة من الأدوات التي يمكن استخدامها لتوفير المزيد من المحفزات النقدية، ولكنه لم يحدد طبيعة هذه الوسائل المقترحة.

ومن بين الخيارات المطروحة، ضخ كمية جديدة من السيولة النقدية إلى الأسواق، من خلال طبع المزيد من الدولارات، أو تحويل محفظة السندات التي يمتلكها مجلس الاحتياط الاتحادي إلى سندات أطول أجلاً. ومن المتوقع أن يصدر مجلس الاحتياط الاتحادي بياناً حول الظروف الاقتصادية وتحركاته، في نهاية الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية، يوم 21 سبتمبر الحالي.

 

تهدئة المخاوف

وفي ما قد يفسر أنه محاولة لتهدئة مخاوف بعض زملائه، من ان المزيد من التيسير النقدي قد يثير ضغوطا تضخمية، قال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي: ان زيادة في الاسعار هذا العام من المرجح ان تكون مؤقتة. وأضاف: لا نرى مؤشرات تذكر، على ان الارتفاع الذي حدث حتى الآن هذا العام في معدلات التضخم، اصبح مترسخا في الاقتصاد. وعدا الكشف عن بعض التفاصيل بشأن توقعات التضخم، والتأكيد على عدم رضا مجلس الاحتياطي الاتحادي عن النمو الراكد، لم يقدم برنانكي تفاصيل جديدة تذكر بشأن افكار البنك المركزي الأميركي، في ما يتعلق باجراءات لمساعدة الانتعاش.

 

نمو ضعيف

وسجل الاقتصاد الأميركي نموا بمعدل سنوي ضعيف في النصف الاول من العام، ويبدو انه لا يحقق اداء افضل الآن. واظهر تقرير ان نمو الوظائف في الولايات المتحدة، تعثر للمرة الاولى في نحو عام. وخفض مجلس الاحتياطي الاتحادي اسعار الفائدة القياسية، الي الصفر تقريباً، قبل ثلاثة اعوام، في مسعى لانتشال الاقتصاد من ركود حاد، ثم نفذ برنامجا على مرحلتين لشراء سندات حكومية طويلة الاجل، بقيمة 2.3 تريليون دولار، انتهى في يونيو، للمساعدة على تسريع خطى النمو. واجرى مجلس الاحتياطي في اجتماعه في التاسع من اغسطس، مزيدا من التيسير للسياسة النقدية، بتأكيد وعد سابق لابقاء اسعار الفائدة عند مستوياتها المنخفضة فترة طويلة، قائلاً انه يتوقع ان تبقى قريبة من الصفر على الاقل، حتى منتصف 2013.