اهتزت ثقة المستثمرين في الاقتصاد العالمي بسبب تداعيات الدين الأميركي الأمر الذي أدى إلى تدهور واضح في مؤشرات الأسواق العالمية خلال الأشهر الأخيرة. يحتدم الخلاف في واشنطن حول الأوضاع الاقتصادية على الرغم من انتهاء المحادثات الصعبة التي أجراها الرئيس الأميركي باراك أوباما وخصومه من الجمهوريين بهدف رفع سقف الدين.
ومازالت المساومة في واشنطن قائمة على أشدها رغم الوصول إلى هذا الاتفاق المرحلي، ويحاول الجمهوريون عن طريق هذه المساومة السيطرة على سياسة أوباما الداخلية والخارجية وبذلك تحجيم إمكانياته أمام ناخبيه.
والمسألة المهمة في هذه المنافسة مسألة تخفيض النفقات. ودخل باراك أوباما البيت الأبيض على عربة الوعود بزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية وتقليص الإنفاق. لكن الواضح أن التمادي في سياسة طباعة الدولار ستكلف الاقتصاد العالمي كثيراً وستظل تلقي بظلال قاتمة على الأسواق.
خفض الإنفاق
وعرض باراك أوباما على خصومه الجمهوريين تخفيضات في الإنفاق الحكومي تبلغ نحو 4 مليارات دولار تمتد على مدى عقد من الزمن، مترافقة مع إعادة هيكلة البرامج الاجتماعية الأساسية- الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. إلا أن زعيم الأغلبية الجمهورية ورئيس مجلس النواب، جون بينر رأى في التخفيضات ضربة لمصالح كبار الأثرياء وشركات النفط والطاقة، الأمر الذي دفع العالم الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، ستيفن ستيغليتز، لان يصف الحزب الجمهوري بأنه يشكل 1 في المائة، ويمثل 1 في المائة، من أجل 1 في المائة من السكان.
أوصاف قد تبدو مبالغة في مجتمع ألف منذ عقود طويلة تقاسم الحزبين للسلطة في لعبة انتخابية لا يملها الأميركيون، لكن حملاتها الانتخابية تستند دوما إلى وعود زاهية سرعان ما تتحول الى جدل بين الرئيس وخصومه المشرعين قد تصل الى حد المواجهة مثلما حصل مع مشكلة الديون التي تهدد سمعة الولايات المتحدة المالية وأثرت على تصنيفها الائتماني الأمر الذي زعزع من ثقة المستثمرين بأكبر اقتصاد في العالم.
إيرادات الشركات
ولا يمثل الدخل القومي الأميركي العائد من إيرادات قطاع الشركات سوى 8.9 في المائة من مجمل الدخل للعام 2010، مقارنة مع ما كان يمثله في خمسينيات القرن الماضي والذي بلغ نحو 27.6 في المائة من مجمل الإيرادات الفدرالية. كما أن مستوى الضرائب الفردية على الشريحة الأكثر ثراء في المجتمع هي الأكثر انخفاضا حاليا لما كانت عليه منذ 75 عاما.
وتلعب المؤسسات الإعلامية المختلفة دورها في تضليل القطاعات الشعبية وتركيز تغطيتها على الإنفاق الحكومي في مجالات الرعاية الاجتماعية والصحية، بما يوحي وكان جذر المشكلة مع البرامج الاجتماعية وليس مع الثراء الفاحش للأغنياء.
جدلية القروض
وواقع الحال فان عمر مشكلة رفع سقف الاقراض الفدرالي ليس طويلا نسبيا. ومنذ العام 1917، وبأثر الثورة البلشفية في روسيا التي هزت العالم، وأرعبت الرأسمالية الأميركية فقد خوّل الكونغرس وزارة المالية التصرف الحصري بمسألة الاقتراض إدراكا منه آنذاك بأن الجهاز التنفيذي بحاجة الى اتخاذ قرارات صرف مالية سريعة لتمويل الجهود الحربية المختلفة، لكن الكونغرس حدد سقفا معينا للاقتراض، وهو ما يجري الجدل بشأنه حاليا.
وتشير المعطيات الى أن سقف الدين الفدرالي استمر بالارتفاع منذ ثلاثينيات القرن الماضي، الى أن بلغ مستواه الحالي المقدر بنحو 14.294 تريليون دولار.
تبادل مراكز
والملفت أن الفريقين، الديمقراطي والجمهوري، تبادلا المواقع حاليا فيما يخص مسألة رفع سقف الاقتراض: إذ عارضه أوباما وحزبه أبان فترة حكم الرئيس جورج بوش الابن، وأيده الحزب الجمهوري. ويزداد الأمر تعقيدا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة.
إضافة الى قلق الإدارة الحالية من الضغوط السياسية في ظل ركود اقتصادي موروث، لا يتوقع الخبراء الماليون الخروج من مأزقه في المدى المنظور، وسط توقعات مراكز استطلاع الرأي بانعدام الثقة بالحزب الديمقراطي لحل الأزمة الاقتصادية وترجيح كفة خصمه الجمهوري. ولعل عصب معركة كسر العظام على وقع طبول سداد الديون أن أوباما اقرّ بإجراء تخفيضات في الإنفاق الحكومي مقابل زيادة الضرائب على الشريحة الأكثر ثراء في المجتمع، الأمر الذي يعتبره الجمهوريون أمرا مقدسا لجماعات الضغط التي تمول حملات الجمهوريين.
