يبرهن ارتفاع قيمة الين الياباني على حقائق متباينة للشركات في اليابان مع شكوى شركات التصدير من أنه يجعل منتجاتها أكثر غلاء في الخارج ويقلص أرباحهم عند إعادة تحويلها إلى داخل البلاد، بينما تستفيد شركات أخرى من صعود العملة لإجراء عملية استحواذ في الخارج. وارتفع الين إلى أعلى مستوى مسجلا 75.95 ينا أمام الدولار في نيويورك يوم الجمعة الماضي، متجاوزا المستوى القياسي السابق في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عند 76.25 ينا للدولار يوم 17 مارس.

ودفع المستوى المرتفع الجديد محللين للحديث عن تزايد إمكانية تدخل الحكومة في أسواق العملة. وارتفع الين مع ارتفاع الذهب لأن الاثنين يعتبران استثمارات آمنة وسط مشاكل الديون الأوروبية وتزايد المخاوف من أن الولايات المتحدة واوروبا قد يتعرضان لركود مزدوج.

 

تضرر الصادرات

وأضيرت الشركات اليابانية التي تبيع منتجاتها في الخارج بشدة جراء ارتفاع سعر صرف العملة. وقالت شركة تويوتا موتور إنه في كل مرة يخسر فيها الدولار 1 ين من قيمته، تخسر شركة صناعة السيارات حوالي 30 مليار ين (392 مليون دولار) في أرباحها السنوية.

ويعتمد اقتصاد اليابان على التصدير للخارج بشكل أساسي. وأظهرت بيانات تجارية صدرت الخميس الماضي تراجع الصادرات للشهر الخامس على التوالي لارتفاع الين. وانخفضت بنسبة 3.3% في يوليو مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي وفقا لما ذكرته وزارة المالية اليابانية. وتراجعت أسهم شركات التصدير بفعل ارتفاع العملة، وانخفضت أسهم بعض المصدرين الرئيسيين من بينها تويوتا يوم الجمعة الماضي إلى أدنى مستوياتها خلال العام. وبلغ الدولار يوم الجمعة الماضي 76.47 76.51 ينا في طوكيو متراجعا بنسبة 10.8% عن مستواه قبل عام وبنسبة 3.2% في الشهر الماضي.

 

تقرير تانكان

وبلغ الين سعرا مرتفعا بشكل كبير عما كانت تتوقعه الشركات اليابانية، إذ أظهر تقرير تانكان الفصلي الصادر عن بنك اليابان المركزي في يوليو أن الشركات الصناعية الكبيرة كانت تعتقد أن العملة اليابانية سيتم التداول عليها عند متوسط سعر يبلغ 82.57 ين للدولار. لكن ارتفاع الين له فوائده ومساوئُه. فهو يعزز أيضا من القوة الشرائية لليابان في الخارج. فشركة «أساهي جروب هولندنجز» أعلنت أنها ستشتري شركة «اندبندنت ليكيور» النيوزيلندية مقابل 97.6 مليار ين. وقالت أساهي إن شركة تابعة لها في استراليا ستشتري كل الأسهم المصدرة لشركة «فلافورد بيفريجدس جروب هولدنجز» التي تمتلك «اندبندنت ليكيور» من شركتي «باسيفيك إيكويتي بارتنرز» و«يوناتاس كابيتال».

 

ميزة كبيرة

وقال ناوكي إيزوميا رئيس أساهي إن ارتفاع الين هو ميزة كبيرة لزيادة العمليات في الخارج. واتفق في ذلك هيروشي ميكيتاني رئيس شركة «راكوتين» أكبر شركة للتجزئة على الانترنت في اليابان. واشترت شركته شركة «ترادوريا» الألمانية للشحن على الانترنت أواخر يوليو الماضي. وقال ميكيتاني إنه بلا شك، تعمل قوة الين كرياح دافعة للاستثمار في الخارج... ينبغي أن تغير الشركات اليابانية طريقتها في التفكير وتوسع نشاطها عالميا.

 

ضغوط على الحكومة

لكن في ضوء اعتماد اليابان على التصدير، يضع ارتفاع الين إلى مستوى قياسي جديد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ضغوطا على الحكومة والبنك المركزي لتخفيضه. وكانت الحكومة اليابانية أنفقت في الرابع من أغسطس ما يقدر بنحو 4.5 تريليونات ين لبيع الين وشراء الدولار بهدف كبح ارتفاع العملة الوطنية في خطوة تدخل قياسية والأولى منذ 18 مارس. لكن كان تأثيرها محدودا كما كان متوقعا. كما قرر البنك المركزي زيادة برنامجه لشراء الأصول إلى 50 تريليون ين مقابل 40 تريليون ين للمساهمة في تحفيز الاقتصاد.

 ويشتري البرنامج الذي سيظل ساريا إلى نهاية العام القادم أصوالا مثل سندات الحكومة وديون الشركات في محاولة لتحسين شروط الائتمان. وفي صباح أمس الاثنين، قال وزير المالية يوشيهيكو نودا إن الحكومة مستعدة للتدخل من أجل منع ارتفاع الين بشكل أكثر. وتابع قائلا: إننا سنراقب الأسواق عن كثب أكثر لمعرفة ما إذا كان هناك أي عمليات مضاربة... لن نستبعد أي إجراءات وسنتخذ إجراء حازما عند الضرورة.

 

انكماش الاقتصاد

وانكمش الاقتصاد الياباني بنسبة 0.3% للربع السنوي الثالث على التوالي، خلال الفترة الممتدة بين أبريل ويونيو 2011، ما يعكس استمرار التأثير الاقتصادي للكارثة التي لحقت بالبلاد بعد زلزال وتسونامي 11 مارس الماضي. وذكر مجلس الوزراء أن إجمالي الناتج المحلي الياباني انخفض للربع السنوي الثالث على التوالي بنسبة 0.3%. وهذا الرقم يشكل انكماشا سنوياً يقدر بـ1.3%. وتراجعت الصادرات بنسبة 4.9%، بعد أن ألحق الزلزال والتسونامي أضراراً بالكثير من مصانع السيارات والرقائق الإلكترونية في المنطقة ما تسبب في إعاقات كبرى للإنتاج.

وانخفض إنفاق المستهلك بنسبة 0.1%، فكان هذا ثالث انخفاض ربع سنوي على التوالي، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى عزوف الكثير من المستهلكين عن الشراء والسفر في أعقاب الكارثة. وانخفض الاستثمار في المساكن بنسبة 1.9%، وهو أول تراجع خلال عام، بينما ارتفع إنفاق الشركات على رؤوس الأموال بشكل هامشي بنسبة 0.2% فقط.

 

شراء الأصول

وكان بنك اليابان المركزي قد قرر في وقت سابق من الشهر الحالي تمديد برنامج شراء الأصول وزيادة ميزانيته إلى 50 تريليون ين (630 مليار دولار) مقابل 40 تريليون ين قبل ذلك بهدف المساهمة في إنعاش الاقتصاد. ويتوقع البنك المركزي عودة ثالث أكبر اقتصاد في العالم إلى التعافي في أواخر العام الحالي.

وذكر البنك في بيان أن النشاط الاقتصادي يتحسن باطراد مع تراجع الاختناقات في سلسلة الإمداد والتموين. وأضاف: من المتوقع عودة اقتصاد اليابان إلى تعاف طفيف مع استعادة الإنتاج قوة الجر الخاصة به مدعوما بالزيادة في الصادرات وارتفاع الطلب على سوق الأوراق المالية المتعافية.