ما زالت أسواق المال من نيويورك إلى باريس تشهد توترا بعد أسبوع جنوني انتهى بهدوء نسبي، لكن المخاوف بشأن النمو العالمي تزعزع ثقة المستثمرين. وسط أجواء ضبابية تميل إلى السلبية. وفي مؤشر على أزمة الثقة هذه نقل المستثمرون خمسين مليار دولار الأسبوع المنقضي من البورصات إلى قطاعات أكثر أمانا، كما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أي أكثر من حجم إفلاس المصرف الأميركي ليمان براذرز في 2008. وقد تجاوز سعر الذهب ال1800 دولار للأوقية خلال الأسبوع. وفي هذه الأجواء من التوتر الشديد يلتقي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية انغيلا ميركل غدا في باريس للبحث في الحوكمة الاقتصادية لمنطقة اليورو.
وينتظر المستثمرون من اللقاء بين ألمانيا وفرنسا اللتين تشكلان عماد الوحدة النقدية، إجراءات عملية لتجنب انتقال أزمة الدين العام إلى بلدان مثل ايطاليا واسبانيا ثالث ورابع اقتصاد في منطقة اليورو. لكن المهمة لا تبدو سهلة لباريس وبرلين. فبينما تدفع أسواق المال باتجاه إقرار خطة ثانية لإنقاذ اليونان أعلن عنها في 21 يوليو، في أسرع وقت ممكن، حذر البرلمان الألماني السبت من انه من المستحيل عمليا انجاز ذلك في المهل المحددة. وحذر رئيس البرلمان نوربرت لاميرت من أن الحكومة الألمانية لا يمكنها أن تقرر أي شيء يكلف قرشا واحدا بدون موافقة البرلمان.
استمرار القلق
وقال هنري بلودجيت المحلل في الموقع المتخصص «ذي بيزنس اينسايدر» انهينا الأسبوع عند نقطة بدايته: القلق حول متانة منطقة اليورو والاقتصاد الأميركي مازال قائما ولم يتغير أي شيء. وبعد أن أوشكت على الانهيار، قلصت معظم البورصات خسائرها على مدى أسبوع. ففي نيويورك لم يخسر مؤشر داو جونز سوى 1,35 بالمئة بينما تراجعت بورصة باريس 1,97 بالمئة وميلانو 0,87 بالمئة ومدريد 0,28 بالمئة. وسجلت اكبر الخسائر في طوكيو (3,61 بالمئة) وفرانكفورت (6,5 بالمئة) بينما نجت لندن بتقدمها 1,39 بالمئة. ورأى فرنسوا دوهين المحلل في «سي ام/سي آي سي» أن ذكرى أزمة 2008 ما زالت ماثلة في أذهان المستثمرين وأموالهم التي تبخرت، لذلك يقومون بالبيع أولا ثم طرح الأسئلة. وأضاف إن الخوف يهيمن على الوضع وسيبقى الأمر كذلك. وبدأ الأسبوع متأثراً بهزة كبرى بعد إعلان وكالة التصنيف الائتماني خفض علامة الدين العام الأميركي في خطوة تاريخية أثارت شكوكا في قدرة هذا البلد على تسديد ديونه.
درجة فرنسا الائتمانية
وسادت حالة من الهلع أسواق المال يوم الأربعاء الماضي بعد شائعات عن إمكانية خفض درجة فرنسا الائتمانية وصحة المصارف الفرنسية، بعد تحسن لجلستين. ويخشى المستثمرون من أن تنتقل أزمة في القطاع المالي الأوروبي إلى الولايات المتحدة نظرا لارتباط المصارف الغربية ببعضها. ويلعب المصرف الفرنسي سوسييتيه جنرال الذي تحدثت شائعات عن إفلاسه، دورا أساسيا في سوق فروع الأسهم، المنتجات المالية التي تسمح للدول المتطورة بحماية نفسها من سقوط البورصات. ونتيجة لذلك يمكن أن يؤدي انهياره إلى زعزعة استقرار النظام المالي برمته.
وقال رئيس البنك الدولي روبرت زوليك نحن في بداية عاصفة جديدة ومختلفة وليست مثل أزمة 2008. وأضاف في مقابلة نشرتها الصحيفة الاسترالية الأسبوعية «ويكند استراليان» أن معاناة اليونان والبرتغال من أزمة ديون خانقة ووجود دول أخرى مهددة ومن دون أي إمكانية لخفض قيمة العملة يفتح احتمال أن تكون التحديات التي تواجهها منطقة اليورو من الأكثر أهمية. وأوضح زوليك قائلا: نحن في بداية عاصفة جديدة ومختلفة، إنها ليست مثل أزمة 2008 ، في الأيام ال15 الأخيرة انتقلنا من انتعاش صعب -- بنسبة نمو جيدة للدول الناشئة وبعض البلدان مثل استراليا غير أنها أكثر ترددا بالنسبة للدول الأكثر تطورا -- إلى مرحلة جديدة وأكثر خطورة.
التحدي الأهم
وقال زوليك إن الأزمة في منطقة اليورو قد تكون التحدي الأهم للاقتصاد العالمي، داعيا الدول الأوروبية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة في أسرع وقت ممكن. وأكد وزير الاقتصاد الايطالي جوليو تريمونتي أمس الأول أن ايطاليا التي تراقبها وكالات التصنيف الائتماني بدقة لا تنوي حاليا مراجعة توقعاتها للنمو بعد تبني خطة جديدة للتقشف تبلغ قيمتها 45 مليار يورو على سنتين. وقال المحلل المالي جو ويزنتال أن ما يجري حاليا هو أزمة حكومة معبرا عن أسفه للتوتر والخلافات بين القادة الأوروبيين وغياب التوافق السياسي في الولايات المتحدة.
وعبرت وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» أمس الأول عن أسفها للذعر والتقلبات الحادة في الأسواق التي تعكس ضعف ثقة المستثمرين في العالم الغربي. وبكين هي الدائن الأجنبي الأول للولايات المتحدة. كما أكد وزراء اقتصاد جنوب شرق آسيا أمس أن أزمة منطقة اليورو تهدد نمو بلدانهم. وحتى المصرفين المركزين الأوروبي والأميركي (الاحتياطي الفدرالي) اتخذا إجراءات استثنائية مثل شراء سندات للدين العام من قبل البنك الأوروبي وإطلاق إجراءات جديدة لإنعاش الاقتصاد من قبل الاحتياطي الفدرالي. وقال ويزنتال إن الأسواق أدركت انه إذا تفاقم الوضع فعليها ألا تعتمد على الحكومات.
منع البيع المكشوف
ولوقف تأثير الشائعات، قررت أربع دول أوروبية (فرنسا وايطاليا واسبانيا وبلجيكا) منع عمليات البيع المكشوف في أوروبا. من جهتها، أعلنت وزارة المالية الألمانية تأييدها للقرار والقيام بخطوة مماثلة على الصعيد الأوروبي، لكن مسؤولا بريطانيا صرح أن السلطات التي تخشى أن يضر هذا الإجراء بأسواق المال فيها، لا تنوي حاليا منع هذه العمليات. وذكر فالديمار برون تيريمين المحلل في «دار تورغوت اسيت مانيجمنت» أن هذا الحظر جرى بشكل سيئ في 2008 وخصوصا في الولايات المتحدة حيث تراجعت الأسهم المالية. وأضافت إن الوصول إلى هذه المرحلة يعني وجود ضيق حقيقي.
