يمر الاقتصاد العالمي بواحدة من أسوأ مراحله حتى الآن فبعد ثلاث سنوات من انهيار بنك الاستثمار الأمريكي ليمان براذرز والذي فجر أزمة مالية عالمية في خريف 2008 ليدخل الاقتصاد العالمي أسوأ موجة ركود يتعرض لها منذ الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين عادت المؤشرات الرئيسية للاقتصاد لكي تشير إلى تباطؤ هذا الاقتصاد مرة أخرى.
وبدلا من الخروج من الأزمة يبدو أن الاقتصادات الكبرى في العالم تتجه نحو مرحلة جديدة من الصعوبات الاقتصادية في ظل محاولاتها خفض معدلات الدين العام التي ارتفعت بشدة أثناء فترة الركود في الوقت الذي يتعثر فيه النمو الاقتصادي حاليا.
الجدارة الائتمانية
وفي حين كانت الشكوك في قوة مواقف البنوك والمؤسسات المالية وقدرتها على تحمل تداعيات الأزمة المالية هي محور تلك الأزمة التي تفجرت عام 2008 فإن المستثمرين اليوم يشعرون بالقلق من مدى الجدارة الائتمانية للحكومات نفسها ومدى قدرتها على مواجهة الأزمة للوفاء بالتزاماتها المالية.
وإلى جانب الآفاق الغائمة للاقتصاد العالمي فإن حالة الهلع التي أصابت أسواق الأسهم العالمية خلال الأيام الماضيين واندفاع المستثمرين إلى البيع الكثيف لما لديهم من أسهم سوف تضر بثقة كل من المستثمرين والشركات في الاقتصاد العالمي.
عدم يقين
وحتى بصيص الضوء الذي ظهر في نهاية نفق الاقتصاد العالمي الأسبوع الماضي عندما أعلنت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي تحسن سوق العمل الأميركي بأكثر من التوقعات، تلاشى سريعا في ظل الإحساس العميق بعدم اليقين بالنسبة لكل من الاقتصاد والأسواق العالمية.
وقد جاءت مؤشرات قياس ثقة مديري المشتريات في أكبر 3 اقتصادات في العالم وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين لكي تؤكد تراجع الثقة في الاقتصاد. ورغم ذلك فتلك المؤشرات لا تقول إن الاقتصاد العالمي يقترب من دائرة الركود المزدوج. وقال معهد إدارة الإمدادات في شيكاجو بالولايات المتحدة الشهر الماضي إن مؤشر مديري المشتريات الذي يصدره تراجع في يوليو الماضي إلى 58.8 نقطة مقابل 61.6 نقطة في يونيو الماضي. ورغم هذا التراجع فمازال المؤشر بعيدا عن نقطة الانكماش الاقتصادي لأنه طالما كان المؤشر فوق مستوى 50 نقطة فهو يشير إلى نمو بدرجة ما.
نظرة متفائلة
ويقول باتريك فرانكي المحلل الاقتصادي في هيلابا بنك بمدينة فرانكفورت الألمانية إنه رغم ضعف معدلات نمو الاقتصاد الأميركي فإن مخاطر عودة الركود مرة أخرى مازالت تحت السيطرة. وكغيره من الكثير من الاقتصاديين يرى فرانكي أن الاقتصاد الأميركي قادر على اكتساب قوة دفع جديدة بنهاية العام الحالي.
وفي حين من المتوقع نمو الاقتصاد الأمريكي خلال العام الحالي بأقل من 2% من إجمالي الناتج المحلي يتوقع خبراء الاقتصاد نمو أكبر اقتصاد في العالم بأكثر من 2% العام المقبل. وفي حين أعلن مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني تراجع صادرات ألمانيا خلال يونيو الماضي بنسبة 1.2% فإن المحللين مازالوا يتوقعون نمو أكبر اقتصاد في أوروبا بأكثر من 3% خلال العام
الحالي. وإذا كانت آفاق النمو بالنسبة للاقتصاد الياباني تبدو مكبوحة فإن المؤشرات الأخيرة تشير إلى تعافي ثالث أكبر اقتصاد في العالم من تداعيات كارثة الزلزال المدمر وأمواج المد العاتية (تسونامي) التي ضربت اليابان يوم 11 مارس الماضي.
الانهيار الأخير
غير أن أخطر ما ينطوي عليه الانهيار الأخير لأسواق المال العالمية هو تراجع ثقة المستثمرين في قدرة قادة دول العالم وبخاصة الدول الكبرى على استعادة ثقة الأسواق والإبقاء على الاقتصاد خارج دائرة الركود. وبشكل خاص فإن الأسواق تشك في قدرة القيادة السياسية في واشنطن وأوروبا على حل مشكلات الديون التي تعاني منها دولها.
ورأى راندال فورسيث المعلق الشهير في عالم المال بأمريكا في مقال له بمجلة باروسن المالية أن المشكلة الحقيقية تكمن في النمو وليس في الديون" وقال إنه لا شك في أن نمو الاقتصاد الأمريكي ليس في حالته المثلى ولكن الصورة قاتمة على مستوى العالم.
فالصين شددت القيود على الاستدانة وأوروبا لجأت للمزيد من إجراءات التقشف. كما رأى فورسيث أنه على الرغم من أن التأثير الحالي لوضع الديون الخاص بالولايات المتحدة خطير على المدى البعيد إلا أنه يعتبر الأقل تداعيات من بين أكثر مشاكل الاقتصاد العالمي إلحاحا.
معضلة الاستهلاك
ولكن: من الذي يساعد أمريكا بعد أن هزت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية اقتصادها بشكل مطرد؟ إن المستهلك الأمريكي الذي يعتمد عليه الاقتصاد الأمريكي بنسبة 70% مشغول بسداد ديونه التي تراكمت على مدى عقود. وأصبح وضع الشركات الأمريكية جيدا بعد أن تعرض لتقلص حاد جراء الأزمة.
وقال دون ريسميلر، كبير اقتصادي معهد الأبحاث الاستراتيجية المعني بالاقتصاد الأميركي إنه ورغم أن باستطاعة الشركات دفع عجلة الاقتصاد الأميركي إلا أنه ليس بوسعنا أن نطلب من شركات همها تحقيق المكاسب أن تحث من سرعة نموها عندما تتباطأ دورة الاقتصاد. وبذلك لا يستطيع الاقتصاد الأميركي أن يعلق أملا إلا على حكومته التي يسعها فعل الكثير.