ثارت تساؤلات كثيرة بعدما توقع بنك جي بي مورغان تشيس بان يؤدي تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة الأميركية إلى زيادة كلفة الإقراض في البلاد بحدود 100 مليار دولار سنويا . وهناك تساؤلات وقضايا كثيرة ستثار ربما كان أهمها إذا ما كانت كلفة الإقراض سيكون لها تأثير على فرص التعافي العالمي وماذا سيعني ارتفاع كلفة الإقراض على مشاكل الديون السيادية المتعاظمة وان كانت تلك الكلفة ستعيدنا إلى مربع سياسات الإقراض المتحفظ والتي انتهجتها الكثير من بنوك العالم إذا لم تكن جميع بنوك العالم بعد اندلاع حريق الأزمة المالية العالمية والتي تهاوت على إثرها عشرات البنوك في العالم .

القلق لم يعد يتفاقم في المربع الأميركي فحسب فمنطقة اليورو ليست أفضل حالا فقد شهدت ايطاليا ارتفاعا في كلفة الإقراض هي الأعلى من نوعها منذ عشر سنوات لترتفع من 4.85 في المائة إلى 5.3 في المائة ما يعني أن الأسواق العالمية تنظر إلى ايطاليا كنظرها إلى اسبانيا التي يعاني اقتصادها ركودا شديدا وتضطر لدفع فائدة 5.65 في المائة على الاقتراض أما بالنسبة لليونان وايرلندا والبرتغال فقد وصلت كلفة الإقراض لفترة ثلاث سنوات إلى 28 في المائة و16.3 في المائة و18.6 في المائة على التوالي.

وللوقوف على قضية ارتفاع كلفة الإقراض وتداعيات ذلك الارتفاع على اقتصاديات الدول وفرص التعافي العالمية استطلعنا آراء خبراء ماليين ومصرفيين حيث يقول فؤاد علاء الدين الشريك المسؤول في مؤسسة برايس وترهاوس كوبرز أن ارتفاع كلفة الديون السيادية يقود إلى ارتفاع في كلفة الإقراض على الأفراد بطريقة غير مباشرة وهو القلق الذي نخشاه من تداعيات أزمة الديون الأميركية الكبيرة وما نجم عنها من تخفيض (ستاندرد اند بورز ) لتصنيفها الائتماني للولايات المتحدة الأميركية وللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية والذي سيكون له انعكاسات كبيرة على الاقتصاد الأميركي وعلى سرعة تعافي الاقتصاد العالمي من الأزمة المالية العالمية والتي لم يخرج العالم منها بتاتا بعد .

وتابع فؤاد علاء الدين: من أهم أدوات التعافي أن تكون كلفة الإقراض منخفضة من اجل دفع المشاريع وبالتالي ارتفاع كلفة الإقراض ستؤثر على المشاريع التي من شانها أن تعطي دفعة للنمو الاقتصادي للدول . ولو تحدثنا عن الولايات المتحدة الأميركية فان كلفة الإقراض سترتفع وسترتفع معها كلفة خدمة الدين مما سيؤجج من أزمة الديون المتعاظمة التي تعيشها الولايات المتحدة الأميركية . كذلك الحال بالنسبة لمنطقة اليورو حيث سترتفع كلفة الإقراض .

وأضاف: كما أن كلفة الإقراض سترتفع بالتالي في البنوك المحلية في المنطقة نتيجة لارتباط اقتصاديات المنطقة العربية بالدولار وفي الوقت ذاته فان ارتفاع كلفة الإقراض سيكون ايجابيا بالنسبة للاستثمارات العربية في السندات الأميركية حيث ستكون مرتفعة وبالتالي سيكون أمراً جيداً بالنسبة لتلك الاستثمارات وتلك الدول .

الدولار والأسهم

واستدرك فؤاد علاء الدين: لكن ورغم أزمة الديون الأميركية الخانقة وما يحدث اليوم من هبوط في أسواق المال في العالم يبقى الدولار عملة العالم ولا يوجد عملة بديلة عن الدولار في المستقبل القريب والولايات المتحدة الأميركية لن تستسلم لازمة الديون التي تعصف باقتصادها وستبذل كل جهد لها لاستعادة التقييم الائتماني الممتاز والذي واجه تخفيضا مؤخرا. وما يحدث من هبوط في أسواق المال في العالم هو ردة فعل طبيعية على أزمة الديون الأميركية وانخفاض التقييم الائتماني لأكبر اقتصاد في العالم . وعلينا أن لا يكون لدينا أدنى شك بان الولايات المتحدة ستعمل على استعادة تقييمها الائتماني الممتاز. وهناك إجراءات ستتجه الولايات المتحدة ربما لتبنيها قد تكون من خلال خفض الاتفاق الحكومي أو رفع الضرائب وغيرها من الإجراءات الأخرى وجميعها إجراءات ستكون موجعة للأميركيين ولكن تبقى الصورة الأكبر والمتمثلة في الولايات المتحدة وتعافي اقتصادها في قمة أولويات الحكومة الأميركية .

السندات الأميركية

وتابع: لكن هناك مشكلة أعمق واخطر من مشكلة ارتفاع كلفة الإقراض والتي ستقود إلى ارتفاع مستويات الفائدة على الإقراض هذه المشكلة هي احتمال تردد دول مثل الصين ودول أخرى في العالم للاستثمار في سندات الحكومة الأميركية وهو برأيي الأمر الأخطر حيث إن الآثار السلبية لن تقتصر على الفائدة أو الإقراض فحسب بل إن تردد الدول الغنية في استثمار مواردها في الخزانة الأميركية ستكون القضية الأكثر قلقا وبالتالي على الولايات المتحدة أن تسارع لاستعادة تقييمها الممتاز للحفاظ على المستثمرين في خزانتها.

ويتفق هيمنت جيتواني المدير العام الإقليمي للبنك العربي الإفريقي الدولي في دبي مع ما يقوله فؤاد علاء الدين في أن الولايات المتحدة لن تدخر أي جهد في العمل على استعادة تصنيفها الائتماني الممتاز والذي خفض مؤخرا ويقول علينا أن نتذكر بان الاقتصاد الأميركي هو اكبر اقتصاد في العالم والدولار مهما واجه من هبوط فسيبقى عملة العالم السائدة ناهيك عن أن بيع النفط في الأسواق العالمية مقوم بالدولار إلى جانب أن عملات عديدة في العالم بما فيها المنطقة قد ربطت عملاتها وثبتتها بالدولار .

ردات فعل طبيعية

وقال هيمنت جيتواني: ما نشهده من هبوط في أسواق المال وهبوط في الدولار هو ردة فعل طبيعية على إزاحة الغطاء عن أزمة الديون الأميركية الكبيرة وجاء قرار خفض التقييم الائتماني لوكالة ستاندرد اند بورز ليضاعف القلق لدى المستثمرين وباعتقادي انه خلال الثلاثة إلى الستة اشهر المقبلة ستعود الأمور للاستقرار وتعود الأسواق إلى طبيعتها وستنخفض مستويات القلق المتفاقمة . أزمة الديون الأميركية سبقتها أزمة مالية عالمية وهي تنشب في وقت تواجه فيه منطقة اليورو أزمات ديون سيادية مماثلة. ناهيك عن عدم الاستقرار الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بفعل الثورات الحاصلة وبالتالي هناك العديد من الأزمات سواء المالية أو السياسية التي تلفح العالم في الوقت الراهن ولكن العالم سيتجاوز تلك الأزمات وسيأخذ دروسا من تلك الأزمات كالدروس التي استقتها دول العالم خلال الأزمة . ما يحدث الآن من قلق كبير سيكون قصير الأجل ولكن على المدى المتوسط ستسير الأمور نحو الاستقرار . وتابع جيتواني: أعتقد أن بنوك العالم والتي أخذت خلال الأشهر الماضية تعاود نشاطها الإقراضي لن تعود إلى مربع التشدد في عمليات الإقراض ولكن ستستمر على نهج الإقراض المدروس ولن يتأثر إقراضها بأزمة الديون الأميركية .