لم تخف الصين قلقها تجاه أزمة الديون الأميركية المتعاظمة رغم تمرير مجلس النواب الأميركي للقانون المقترح الذي يهدف إلى تقليص العجز ورفع سقف الدين العام الأميركي رغم التوصل لإتفاق بشأن تلك الديون .
فالصين ترى بأن الولايات المتحدة - رغم هذا الاتفاق - ستبقى لسنوات طويلة قادمة واقعة تحت وطأة ضغوط تلك الديون الضخمة والمتفاقمة والقابلة لمزيد من التراكم مما يشكل تهديدا للاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي بما فيه فرص تحقيق اللاقتصاد الصيني لمزيد من النمو بعد أن نجح في تجاوز اللاقتصاد الياباني ليصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الاقتصاد الأميركي . وربما هذا القلق دفع بالبنك المركزي الصيني مؤخرا إلي التأكيد على ان الصين ستواصل تنويع استثماراتها بالعملات الاجنبية وتعزيز ادارة المخاطر وذلك للتخفيف من تأثير تقلبات السوق المالية العالمية على الصين.
وتخشى الصين من أن تؤثر التقلبات الكبيرة وعدم اليقين في سوق السندات الأميركية على استقرار الأنظمة المالية والنقدية الدولية مما سيضر بفرص الانتعاش الاقتصادي العالمي.
وربما بدا هذا القلق واضحا في قرار شركة ( داقونغ غلوبال) للتصنيف الائتماني مزود التقييمات الائتمانية الصيني بتخفيض التقييم الائتماني للولايات المتحدة الأميركية مع توقعات سلبية بشأن تلك الديون حتى بعد إعلان الحكومة الأميركية عن رفع سقف دين البلاد حيث ترى شركة التصنيف الصينية بأن قرار رفع سقف الدين لن يغير من حقيقة أن نمو الدين العام في الولايات المتحدة قد تجاوز الحد لاقتصادها الكلي وإيراداتها الضريبية مما سيؤدي إلى تراجع في قدرة الولايات المتحدة على السداد على حد قول الشركة .
ولا ينبع قلق الصين من فراغ حيث إن الصين تعتبر من أكبر دائني الولايات المتحدة الأميركية حيث أن 8% من الديون المستحقة على الولايات المتحدة هي للصين حيث تمتلك الصين سندات خزانة أميركية وأصولاً مقومة بالدولار الأميركي تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 1.2 تريليون دولار مقارنة بنحو 68% هي ديون داخلية للولايات المتحدة .
ونتساءل اليوم إن كان هذا القلق سيدفع الصين نحو إعادة إحياء الدعوات والتي كانت قد أطلقها البنك المركزي الصيني في عام 2009 خلال توقيت الأزمة المالية العالمية عندما دعا لإحلال عملة عالمية بديلة عن الدولار الاميركي و ضرورة ولادة عملة (عابرة للدول) تحل مكان الدولار من منطلق أن سيطرة عملة وحيدة على النظام المالي العالمي من شأنه أن يرفع من مخاطر توسع انتشار الأزمات المالية .
البيان ( الاقتصادي) استطلع آراء عدد من المصرفيين للوقوف على إذا ما كانت الصين ستعيد إحياء دعواتها في إيجاد عملة عالمية بديلة عن الدولار.
عملة بديلة
يقول أسامة آل رحمة نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة مؤسسات الصيرفة والتحويل المالي والمدير العام لمجموعة الفردان للصرافة إن الصين كانت تسير في هذا التوجه المتثمل في إيجاد عملة بديلة عن الدولار الأميركي وكانت تترجم هذا التوجه من خلال فتحها لمراكز مالية باليوان الصيني في دول شرق آسيوية في ماليزيا وسنغافورة والدول الجارة المحيطة بها .
وكانت تسعى في الوقت ذلك من خلال اعتماد هذا التوجه لعدم إثارة أزمة جديدة مع الولايات المتحدة الأميركية ودول العالم الأخرى وخاصة أن الصين كانت تخضع لضغوط أميركية من أجل إعادة تقييم عملتها ( اليوان ) وكانت الصين ترفض دائما المطالب الإميركية لأنها كانت تخشى أن يؤثر على صادراتها وخاصة أن التصدير والتجارة بشكل عام يعتبر عصب الاقتصاد الصيني .
وما كانت تفعله الصين في هذا التوجه هو محاولة خلق طلب عالمي على اليوان الصيني لتخفيف الضغط العالمي والدفع باليوان نحو أن يصبح عملة دولية .
وتابع آل رحمة: باعتقادي فإن أزمة الديون الأميركية الأخيرة وموقف الصين من الإتفاق الأميركي الأخير لرفع سقف الديون والذي شابه انتقادات صارمة ناهيك عن توجه كبرى وكالات التصنيف الصينية لتخفيض تصنيف الولايات المتحدة سيدفع من شأنه أن يرسخ التوجهات الصينية بإعادة إحيائها لضرورة ولادة عملة عابرة للدول تحل محل الدولار الأميركي وخاصة أن مستويات المخاطرة التي تواجهها الصين أصبحت كبيرة فيما يتعلق بإمكانية استراداد الصين لديونها المستحقة من قبل الولايات المتحدة الأميركية .
منطقة الدولار
وقال الدكتور معبد علي الجارحي مدير التدريب والخبير المالي في مصرف الإمارات الإسلامي إن هناك ما يسمى بمنطقة الدولار والتي تتمثل في الولايات المتحدة الأميركية والدول التي ترتبط عملاتها بالدولار الأميركي ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي والصين وبالتالي فإن الصين عملتها دخلت منطقة الدولار . و
القضية تتمثل في أن الصين لم تقرر بعد الاستقلال بعملتها عن الدولار الأميركي فهي ما زالت تحتفظ بمعظم احتياطياتها بعملة الدولار الأميركي وتستثمر معظمها في سندات الحكومة الأميركية وبالتالي لم تقرر الصين بعد الاستقلال بعملتها عن الدولار وتحويل اليوان الصيني لعملة دولية وتحويل اليوان لعملة دولية يحتاج لتعويم هذه العملة أولا وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بعد أن تفصل الصين عملتها عن الدولار الأميركي وهذا ضد مصالح الصين كون أن ذلك سيؤدي إلى رفع سعر عملة الصين اليوان .
وبالتالي سيكون له تأثير على صادرات الصين وهو أمر حيوي جدا بالنسبة للصين حيث إن التصدير يعتبر عصب الاقتصاد الصيني . أيضا هناك البدان الخليجية وهي دول أعضاء أيضا في منطقة الدولار باستثناء الكويت والتي فكت ارتباطها بالدولار وترتبط عملتها بسلة عملات . وهذه الدول لا ترى عملة أخرى بديلة عن الدولار في الوقت الراهن وهي دول ذات احتياطات كبيرة مستثمرة بالدولار وفي سندات الحكومة الأميركية .
وأضاف الجارحي: بشكل عام برأيي أن موقف الدولار لن يتأثر كعملة دولية من جراء أزمة الديون الأميركية المتفاقمة إلا إذا تقدمت بعض أعضاء منطقة الدولار وقامت بالخروج من منطقة الدولار وبالتالي فصل ارتباط عملاتها بالدولار وهذا برأيي غير متوقع حصوله على المدى القصير .
وتابع: ما نراه اليوم هو أن الدولار أصبح في موقف سيئ لأن نظام التحويل المبني على الفائدة غير قابل للاستثمار والحكومة الأميركية اليوم أصبحت أكبر مقترض في العالم وبرأيي أن أزمة الديون في الولايات المتحدة ستستمر وستستمر المعاناة وأتوقع خلال عامين إلي ثلاثة أعوام أن تتجدد أزمة الديون الأميركية وكذلك أزمة المستثمرين في الخزانة الأميركية وبالتالي ستتأثر قيمة الاستثمارات المرتبطة بالدولار.
