أخيراً وبشق الأنفاس، طلعت واشنطن من أزمة رفع سقف ديونها. لكن التوافق الاضطراري بين عتاة اليمين في الكونغرس وبين اوباما مع قيادات حزبه، بقي في حدود تسوية ضبابية ومؤقتة. بل مهدّدة بالانهيار، في مرحلتها الثانية؛ بعد عدة أشهر. شفعت بولادتها حسابات انتخابات الرئاسة، أساساً. صحيح أن ضغط موعد الاستحقاق 2 الجاري - لعب دوره. فترك أميركا تعلن عجزها لأول مرة في تاريخها عن تسديد التزاماتها المالية، يوازي حالة إفلاس باهظة كلفتها. لكن يمين اليمين الجمهوري كان على استعداد للمضي في موقفه وبلوغ حالة العجز هذه مع تداعياتها ومن غير أن يرف له جفن، لولا الاعتبار السياسي الانتخابي. القيادات التقليدية للحزب الجمهوري، خاصة في مجلس الشيوخ، حذّرت كتلة حزب الشاي في مجلس النواب من أن منع تمرير التفويض للاقتراض عشية انتخابات الرئاسة والتسبب بنوع من الاضطراب الاقتصادي؛ ليس أقل من وصفة لضمان التجديد لرئاسة أوباما وربما لخسارة الأغلبية الحالية في المجلس.

وحده هذا الاحتمال، الذي لا يطيق غلاة المحافظين تصوّره؛ حملهم على الموافقة. مع أنهم خرجوا حسابياً في خانة الرابح من صيغة التسوية. فرضوا معظم مطالبهم والرئيس تراجع عن أهم شروطه. فقد رضخ لإصرارهم الأساسي بعدم رفع الضرائب على ذوي الدخل العالي. انتزعوا منه موافقته على خفض واسع في النفقات الاجتماعية، التي طالما حظيت برعاية حزبه. بالإضافة، هم يتطلعون إلى تخفيضات كبيرة أخرى. ومن المرجح حصولهم عليها، عن طريق اللجنة العليا المقترحة 12 عضوا مناصفة من الحزبين، في مجلسي الشيوخ والنواب. لتحديد مجالات الخفض؛ في فترة الأشهر القادمة.

البيت الأبيض أقدم على التنازلات، التي تركت ردود فعل سلبية في أوساط وقواعد حزبه وعموم الصف الليبرالي؛ لإنقاذ حملة الرئيس الانتخابية من آثار وضع اقتصادي متدهور، لو تعذر رفع سقف المديونية. لكن حساباته لا تخلو من المجازفة. وقد تكون خاطئة. بل قاتلة، حيث قد تنتهي إلى مثل هذا الوضع، نتيجة صفقة الاستسلام لطروحات اليمين الجمهوري؛ كما يرى عدد كبير من الخبراء وعلى رأسهم بول كروغمان، الحائز على جائزة نوبل للسلام في الاقتصاد. الخفض في النفقات الحكومية، أثناء التعثر الاقتصادي الذي تعيشه أميركا؛ من شانه أن يزيد من التردي بل يهدّد بتجدّد الركود ولغاية سنة أو اثنتين كما يقول. العكس هو المطلوب. وإذا صحّ تشخيصه، فإن ما أراد أوباما اجتنابه يكون قد انتهى عنده وبالتالي وضع حملته الانتخابية في دائرة الخطر. وربما كان هذا الاحتمال من الأسباب التي دفعت الشاي إلى التصويت على الصيغة الملغومة.

بيد أن لهذه الأزمة وجهها الخارجي؛ الأشد خطراً. فالعالم بقي لأيام في حالة حبس أنفاس، قبل صعود الدخان الأبيض من قبة الكونغرس؛ أمس الأول. محورية الدولار جعلت الساحة الاقتصادية - المالية الدولية رهينة أزمة الديون الأميركية. استحضرت أزمة 2008 وذيولها. تجلّى ذلك في جمود حركة الأسواق، كما في تزايد المخاوف من الانعكاسات السلبية على أزمة الديون الأوروبية والوضع الاقتصادي العالمي برمته. تشابك أدّى، بعد انفجار الفقاعة المالية الأميركية قبل ثلاث سنوات؛ إلى تزايد الدعوات لصيغة نظام مالي جديد يقوم على ركائز جديدة مثل سلّة العملات أو العودة إلى الذهب أو أي مرجعية أخرى غير وحدانية الدولار الذي يبدو أنه صار، في ضوء الصعوبات المالية الأميركية، فقّاسة أزمات. ويذكر أن هذه الأزمة بالذات التي تم تجاوزها حالياً بالترقيع، مرشحة للتجدد وربما للتفاقم، في المستقبل القريب. ذلك أن اللجنة التي سيوكل إليها مواصلة عملية إخراج التسوية، قد تنتهي إلى مأزق بحكم التزام أعضائها المسبق بالمواقف نفسها التي أدت إلى الانسداد أصلاً. بل أن هذه المواقف سيزداد التشبث بها بحكم اقتراب الاستحقاق الرئاسي. الأزمة السياسية يمكن تمّ إحباطها لكن أزمة الديون ما زالت قائمة ، على ما جاء في افتتاحية واشنطن بوست التي عكست صورة المشهد على حقيقته.