أثار تمرير مجلس النواب الأميركي لقانون يقلص العجز ويرفع سقف الدين العديد من ردود الأفعال بشأن مدى كفاية الاجراء لمواجهة تعقيدات الاقتصاد الأميركي. وصوت مجلس النواب على القانون فنال 269 صوتاً مؤيداً، مقابل 162 معارضاً، وانضم 95 ديمقراطياً إلى 174 جمهورياً بالتصويت لمصلحة القانون، في حين صوت 95 ديمقراطياً و66 جمهورياً ضده.

يشار إلى ان من أبرز المصوتين على القانون النائب الديمقراطية غابرييل غيفوردز في أول حضور لها إلى الكابيتول هيل منذ تعرضها لإطلاق نار وإصابتها برصاصة في الرأس خلال تجمع في تاكسون في يناير الماضي.

يشار إلى ان خطة تخفيض الدين ستقتطع ما لا يقل عن 2.1 تريليون دولار خلال 10 سنوات. ويقدر مكتب الموازنة في الكونغرس أن يساهم هذا القانون بتخفيض عجز الدين بحوالي 917 مليار دولار بين الـ2012 و2021، فيما سيتم ادخار 1.2 تريليون إضافية من العمل الذي تقوم به لجنة من الحزبين.

ويقضي الاتفاق برفع سقف الدين على مرحلتين بحوالي 2.4 تريليون دولار. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن عن التوّصل إلى اتفاق بين قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي في مجلسي النواب والشيوخ من شأنه أن يقلّص العجز بالبلاد ويجنّبها التخلف عن سداد الدين. وتضمن الاتفاق توفير 900 مليار دولار عبر تحديد سقف الإنفاق، بينها توفير 350 مليار دولار من الميزانية الدفاعية الأساسية، وهو أول اقتطاع دفاعي منذ تسعينات القرن الفائت.

كما تضمن رفع سقف الدين بـ 2.1 مليار دولار على الأقل، ملغياً الحاجة لمزيد من الزيادة حتى العام 2013. وتضمن أيضا الدخول في عملية للتوصل إلى سن قرار بالكونغرس من شأنه تقليص 1.5 تريليون دولار من الديون، عن طريق لجنة تشكل من الحزبين في الكونغرس.

كما نص على فرض حجز تلقائي لبعض برامج الإنفاق لضمان تخفيض العجز بما لا يقل عن 1.2 تريليون دولار مع حلول العام 2013. وبلغت الولايات المتحدة سقف الدين المسموح به وهو 14.3 تريليون دولار في مايو الماضي، وقالت إدارة أوباما ان الحكومة ستفشل بالإيفاء بالتزاماتها إذا لم ترفع سقف الدين بحلول الثاني من أغسطس المقبل. ومن أجل أن يستمر سقف الدين الجديد حتى نهاية العام 2012 يجب رفعه بحوالي 2.4 تريليون دولار.

 

إذعان أوباما

وبعد اصراره طويلا على ادخال ضرائب جديدة في الخطة الاقتصادية تطال خصوصا الطبقات الاكثر ثراء في المجتمع الاميركي، اضطر اوباما في النهاية الى التراجع. فالاتفاق الذي تم التوصل اليه الأحد لا ينص على اي زيادة في الضرائب.

وانتقد عدد من الديمقراطيين العبارات الواردة في الاتفاق، مؤكدين ايضا ان النص القانوني كان عليه التركيز على الوظائف والاستثمارات في البنى التحتية او على الابتكار على الصعيد الاقتصادي.

والتزمت رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي الصمت حتى بعد ظهر أمس الأول حين انتهت بدعوة زملائها الى التصويت لصالح مشروع القانون. وقالت على رغم ترددنا حيال هذا النص، لا يمكننا السماح بأن يكون الاشخاص المسنون او المحاربون القدامى ضحايا أضرار جانبية في الهجوم الذي يشنه هذا الكونغرس على الطبقة المتوسطة. وفي حال عدم رفع سقف الدين، تجد الدولة الفدرالية نفسها عاجزة عن تغطية بعض المصاريف خصوصا في مجال التأمين الصحي للمسنين.

 

لصالح الاقتصاد

واعتبر وزير الخزانة الاميركي تيموثي غايتنر خلال مقابلة تلفزيونية ان الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين البيت الابيض وزعماء الكتل البرلمانية سيكون امرا جيدا للاقتصاد على المدى الطويل. واكد غايتنر لقناة «اي بي سي ان» هذا الامر سيكون جيدا للاقتصاد على المدى الطويل.

واضاف: هذا الاتفاق وحده لا ينشئ وظائف. ما يقوم به هو تفادي إلحاق مزيد من الاضرار على المدى القصير. وتابع لأن الرئيس يرفض القبول بالاقتطاعات العميقة في النفقات التي ارادها الكثير من البرلمانيين، ومع ادراج بعض الادخار على المدى الطويل في القانون، هذا الامر يحسن الوضع مع مرور الوقت.

واعتلى الرئيس الأميركي باراك أوباما مساء الأحد منصة بالبيت الأبيض ليعلن التوصل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة بشأن رفع سقف الديون، وذلك قبل الموعد النهائي المحدد في 2 أغسطس الجاري. وقد وضع الرئيس بهذا الإعلان نهاية لحالة من الجمود المحفوف بالمخاطر والتي جذبت الانتباه على نطاق واسع.

وتدعو التسوية إلى خفض العجز في ميزانية البلاد بواقع تريليوني دولار على مدار 10 أعوام وتشكيل لجنة جديدة تابعة للكونغرس تضم أعضاء من الحزبين الرئيسيين لاستكشاف سبل جديدة لخفض العجز، وبالطبع رفع سقف الاقتراض الفدرالي إلى ما بعد عام 2013.

وكانت الحرب في أفغانستان والعراق، وخفض الضرائب الذي طبقته الإدارة الأمريكية السابقة، وحزمة الحفز الاقتصادي لمواجهة الركود التي طبقتها إدارة أوباما، وكذا النفقات الباهظة على الرعاية الصحية كانت كلها من العوامل التي ساهمت إلى حد كبير في رفع ديون الحكومة الأميركية إلى مستويات عالية.

ومع ارتفاع مستويات الديون وصل معدل اقتراض الحكومة الفدرالية الأميركية إلى السقف المحدد عند 14.29 تريليون دولار بالفعل في 16 مايو الماضي. وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن البلاد قد تواجه أزمة سداد ديونها إذا لم يوافق الكونغرس على رفع سقف الدين قبل 2 أغسطس الحالي.

 

معايير الجمهوريين

وقال جون بوينر، رئيس مجلس النواب وزعيم الجمهوريين واللاعب الرئيسي في المحادثات المكثفة بشأن رفع سقف الديون، قال يوم الاثنين إن التسوية التي توصل إليها الحزبان مساء الأحد تفي بالمعايير التي طرحها الجمهوريون والخاصة بعدم فرض ضرائب جديدة وعدم اللجوء إلى خفض في الإنفاق بما يفوق الزيادة في سقف الديون.

وعقب تمرير مشروع القانون في مجلس الشيوخ كما هو متوقع، فمن المقرر أن تشكل لجنة من الحزبين تتبع الكونغرس بهدف إيجاد سبل جديدة لخفض العجز في الميزانية بالتوافق مع المرحلة الثانية من زيادة سقف الدين بحلول نوفمبر المقبل. وقال البيت الأبيض إن اللجنة ستعمل على التوصل إلى خفض لا يقل عن 1.5 تريليون دولار.

بيد أن بعض الديمقراطيين الليبراليين والاقتصاديين يرون أن هذه الحزمة غير متوازنة، إذ لا يوجد ما يضمن تحقيق عائدات جديدة من التسوية. وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين في البيت الأبيض أصروا على أن اللجنة الجديدة القوية بمثابة قاطرة لحفز العائدات عبر إصلاحات في قوانين الضرائب، قال كثير من المحليين إن نصف أعضاء اللجنة الـ12 من الجمهوريين، ولذا من غير المرجح أن يعطوا الضوء الأخضر لأية عائدات جديدة أو رفع في الضرائب.

 

رحلة قاسية

ويرى بعض الخبراء أن خفض العجز في الميزانية عبر الاتفاق الأخير يعتبر طريقا قصير المدى باتجاه خفض الدين، ولكن هذه الخطة التقشفية على الأقل غيرت الديناميكيات المحافظة في واشنطن وتعد خطوة بالاتجاه الصحيح نحو مسار تعديل مالي طويل الأمد.

غير أن هذه الحزمة غير كافية لحل الأزمة المالية بالولايات المتحدة، وفق ما ذكر ويليام غيل الباحث البارز في مؤسسة بروكينغز البحثية، والذي أضاف قائلاً لم نبتعد عن الخطر بعد، على الرغم من أننا اقتربنا من إيجاد مسار.

وكان رئيس لجنة الميزانية في مجلس النواب بول ريان، والمناصر لزيادة الإنفاق قد زعم يوم الاثنين أن التوصل إلى هذه التسوية انتصار للحزب الجمهوري، إذ يعد تغيرا في نهج الإنفاق المفرط الخاص بواشنطن.

وطبقا لأحدث تحليل صدر عن مكتب الميزانية التابع للكونغرس فإن الجزء الأول من اقتراح خفض العجز - وفقا للتسمية الصحيحة - يفرض خفضا في النفقات بواقع 917 مليار دولار على مدار العقد المقبل.

بيد أن هذه الفئة من برامج الإنفاق تمثل فقط حوالي 12 في المائة من نفقات الحكومة الفيدرالية مجتمعة سنويا، في حين أن اتفاق التسوية هذا لم يحدد تدابير ملموسة لكبح جماح الارتفاع المتزايد في الإنفاق على الاستحقاقات، المحرك الرئيسي للدين في الدولة ومنطقة الخطر لأي سياسي أميركي.

وأشار سابستيان مالابي الباحث البارز بمجلس العلاقات الخارجية، إلى أن الاتفاق سينقذ الحكومة الأميركية من التخلف عن سداد التزاماتها، بيد انه لن يعالج التحديات المالية التي تواجه الأمة على الأجل الطويل.

 

مخاوف جديدة

ويرى الخبراء أن ارتياح المراقبين في واشنطن سيكون بطبيعته وقتيا وسط تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي وخطر خفض التصنيف الائتماني. وتباطأ الاقتصاد الأميركي إلى معدل نمو سنوي قدره 1.3 في المائة أثناء الربع الثاني من العام الجاري، وهو معدل اقل بكثير من توقعات السوق البالغة 1.7 في المائة ودليل جديد على النمو الاقتصادي الهزيل. وبحسب تقرير إجمالي الناتج المحلي المخيب للآمال تراجع النمو في الربع الأول من يناير إلى مارس من 1.9 في المائة ليستقر تقريبا عند 0.4 في المائة، وهو الأضعف منذ انتهاء الركود قبل عامين، حيث ان تراجع إنفاق المستهلكين وتخفيضات الإنفاق من قبل الحكومات المحلية والولايات ساعد على تقويض الانتعاش الاقتصادي .

كما كشفت الأرقام أن قطاع التصنيع في الولايات المتحدة، النقطة المضيئة في الانتعاش، واصل خسارة قوة الدفع بسبب ضعف الطلب المحلي وتراجع مؤشر قطاع الصناعات التحويلية الأميركي إلى 50.9 في المائة في شهر يوليو مسجلاً أدنى مستوى له في عامين.

 

تعزيز الاستثمار

ويعتقد البعض من كبار خبراء الاقتصاد ومن بينهم بول كروغمان الحائز جائزة نوبل انه على خلفية تعثر النمو الاقتصادي في المدى القريب، فإن الحكومة الأميركية بحاجة إلى تعزيز الاستثمار وخلق فرص العمل وليس خفض الإنفاق.

وكتب كروغمان في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن الاتفاق "سيلحق الضرر باقتصاد عليل بالفعل"، مضيفا أن خفض الإنفاق بينما الاقتصاد ما زال هشا لن يساعد على تحسين وضع الميزانية . إضافة إلى أن مبلغ الألفي مليار دولار وحزمة خفض العجز التي وضعها المشرعون والبيت الأبيض نهاية الأسبوع الماضي ما زالت اقل من مبلغ الـ4 آلاف مليار دولار المطلوب بحسب مؤسسة ستاندرد أند بورز لتجنيب الأمة التجريد من مستواها الائتماني الأرفع .

 

آثار عالمية

والشيء المفقود في المعركة التي استمرت بين الحزبين في واشنطن على مدار الشهر بشأن اتفاق التقشف هو عدم إعطاء الاهتمام المناسب لمصلحة المستثمرين العالميين. وتظهر أرقام وزارة الخزانة الأميركية أن حجم الدين الأميركي للدول الأجنبية بلغ 4.5 تريليونات دولار حتى شهر مايو، ما يقدر بثلث دين الدولة تقريبا. وحثت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد يوم الأحد الولايات المتحدة على حل مشكلة سقف الدين في حينها من اجل تجنب حدوث تداعيات سلبية عالمية بالنظر إلى وزن الاقتصاد الأميركي في العالم.

ومن جانبه، قال مالابي إن الدول تعتبر مشكلة الدين الأميركي والتعامل الأخرق معها من قبل النظام السياسي دليلا على التراجع الأميركي. وحتى إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع حل مشكلة سقف الدين لديها، فإن دولاً كثيرة ربما تصبح أكثر تشككا إزاء كفاءة القيادة الأميركية وسلامة النظام المالي العالمي الذي يلعب الدولار دورا محوريا فيه.